"شريك حياتي غرّر بي ليقحمني في دوامة الإدمان"... نساء مدمنات بسبب أزواجهن

الأحد 30 يناير 202202:34 م

"كانت بدايتي مع الإدمان عن غير قصد. قد أصفها بالبداية البريئة. كان زوجي يمدني بحبوب أشكالها وألوانها مختلفة، ويوهمني بأنها حبوب منع الحمل"، كان هذا هو جواب ماريا عندما سألناها عن بداية دخولها في دوامة الإدمان.

وماريا سيّدة تتحدّر من مدينة مراكش، مطلّقة وأمّ لثلاثة أطفال، تعيشُ حالياً في أحد مراكز علاج الإدمان في مراكش، وقد دخلت إلى هذه الدائرة المغلقة داخل أسوار بيتها على يد شريك حياتها. كيف ذلك؟

ضياع في بيت الزوجية

تحكي لنا عن تفاصيل القصة، وكيف أقحمها زوجها في دوامة الإدمان، لتجد نفسها وحيدةً تحاول الخروج منها، ولو بخسائر جمّة. تزوجت مصطفى بعد قصة حبّ لم تباركها العائلة، لأنها كانت نموذجاً للشابة الطموحة التي تتابع دراستها الجامعية، وتعيش حياةً بسيطةً مع والديها اللذين يحاولان جاهدَين استثمار كل ما في وسعهما فداءً لنجاح ماريا وتفوقها في دراستها. كانت الأمور تسير وفق مجراها الطبيعي، إلى أن اقتحم مصطفى حياة هذه الأسرة فجأةً.

بعد مضيّ فترة قصيرة على تعارفهما، طلب منها الزواج. وافقت من دون تردد، لأنها، مثل العديد من النساء المغربيات، ترى في حضور رجل في حياتها، بغض النظر "عمّن يكون هذا الرجل"، غايةً قد لا تُدرك بسهولة. قد يتحقق الأمر لكن بشق الأنفس، ما دفعها إلى معارضة أهلها وقبول هذا الزوج الغريب الذي "قطف زهرة شبابها"، حسب روايتها للقصة.

"يا ماريا... إنه رجل مدمن لا يصلح لك زوجاً، وقد يحوّل حياتك وحياتنا وحياة أطفالك إلى جحيم"، يقول والدها. فتجيبه: "لا خوف علي منه، سأصلح حاله. أنا على يقين أنه سيتعالج من الإدمان، وسيصبح رجلاً وأباً صالحاً". كان هذا هو الرد الذي تتسلح به المرأة دفاعاً عن زوجها المدمن.

لم تمرّ سوى بضعة أشهر على زواجهما، زواجاً مغضوباً عليه في محيطها الأسري، حتى أصبح الشك يتربص بيقينها في قدرتها على جعله يصبح إنساناً سوياً يعيش من دون إدمان. كما بدا لها أن سلطان المخدرات والخمر أقوى بكثير من سلطتها على تغييره، فبدأ الحزن ومعالم الندم يظهران جليين على ملامح حياتها.

لكن المنعرج الذي سيغير حياتها، هو حين بدأ زوجها بإجبارها على مرافقته في جلساته الخمرية. كانت ترفض في البداية، ما دفعه إلى استضافة رفاقه وخليلاتهم في البيت، فأصبح يرغمها على أن تجالسهم.

"أوهمني بأنها حبوب منع الحمل"

بعد ذلك، أصبح مصطفى يبحث عن وسائل أكثر ليونةً، ليقنعها بتناول الحبوب المخدرة. كان يراضيها في كل ليلة حتى تتناول هذه الحبوب، ويتذرّع بأنها حبوب لمنع الحمل لا أكثر. في البدايات كانت ترفض خوفاً من تغريره بها، لكن مع مضي الوقت بدأت تذعن لطلباته، وتتناولها من دون تشكيك في الأمر، إلى أن وجدت الحياة عصيةً على الاستمرار إذا لم تتناولها. تصفها بالصغيرة والحمراء، وأحياناً تكون بألوان مختلفة، لأشك في أنها تتحدث عن الحبوب المهلوسة "القرقوبي"، التي هي في الأصل أدوية للأمراض النفسية تؤدي إلى حالة من فقدان الوعي، وتصل إلى السلوك العنيف إذا ما استُهلكت بكثرة، وخارج الإطار الطبي.

تطور الأمر وازدادت هيمنته على حياتها، إلى درجة احتجازه إياها في البيت، فأصبح من المحظور عليها أن تطأ قدماها خارجاً، حتى وإن كان الدافع ملحاً للخروج. مقابل ذلك، انتزع هاتفها النقال، ومنع أسرتها من زيارتها، وكلما سأل أحدهم عنها، يردّ: "لم تعد تلك الطفلة المدللة، طفلة أبيها التي لا يرفض لها طلباً. اليوم هي زوجتي، وعليها واجبات ولها بيت تحرصه وترعاه، ومن الصعب أن تغادره".

أصبح مصطفى يبحث عن وسائل أكثر ليونةً، ليقنعها بتناول الحبوب المخدرة. كان يراضيها في كل ليلة حتى تتناولها، ويتذرّع بأنها لمنع الحمل لا أكثر... مدمنات رغما عنهن في بيت الزوجية

لا شك أن مصطفى أحكم قبضته على زوجته التي أصبحت بدورها مدمنةً ومستعدةً لأن تقدم له حياتها قرباناً، مقابل تمكينها من الحبوب المخدرة. أصبحت "أمةً" مطيعةً له في سهراته الخمريّة التي يمضيها بصحبة رفاقه، الذين يغبطونه لأنّ له زوجةً مطيعةً لا ترد له طلباً. بعد مضي فترة من الزمن، علمت أسرة ماريا بوضعها "المرير"، وبخفايا قدرها الذي يجمعها بزوج مدمن أرغمها على إدمان المخدرات ومختلف أنواع الكحول، فقررت تخليصها من هذا الزوج باللجوء إلى القانون.

بعد ذلك، تقدمت بطلب الطلاق، لتبدأ منعطفاً جديداً في حياتها، وتدخل غمار العلاج من الإدمان، وأيضاً من الأعطاب النفسية التي لحقت بها، جراء التنكيل الذي تعرضت له على يد زوجها.

قصة ماريا تلخّص حياة كثيرات من النساء اللواتي تزوجن بأشخاص مدمنين على أمل مساعدتهم على تخطي عتبة الإدمان، لتكون مصائرهن السقوط في قاع تعاطي المخدرات بمباركة من أزواجهن. في السياق ذاته، هناك نساء أخريات، ألفن تعاطي المخدرات قبل الزواج، وحتى بعد اتخاذهنّ قرار دخول القفص الذهبي، ويحرصن أن يكون شريك الحياة متعاطياً هو أيضاً، حتى لا يختل لهن طرف في الحياة، وليكون قرار الإقلاع مشتركاً يشد فيه الزوج من عضد زوجته ليتعافيا معاً.

رد الجميل واجب

إلهام التي تبلغ من العمر 46 سنةً، أم عزبة تعيل بمفردها ثلاثة أطفال، وتشتغل حالياً مساعدةً اجتماعيةً في مركز الإدمان الذي تعالجت داخل أسواره. بعد تعافيها بشكل كلي، قررت ردّ الجميل إلى هذه "الدار" التي أعادت لها الحياة بعدما أوشكت على فقدانها، من خلال مساعدتها الأشخاص المدمنين، وإقناعهم بالإقلاع عن المخدرات.

تروي إلهام قصتها لرصيف22، بكل فخر، لأنها خرجت من المعركة منتصرةً. انتصرت على زوجها المدمن بعدما حصلت على الطلاق، وانتصرت أيضاً على إدمانها الشخصي، لتتمكن من الاندماج في المجتمع، وفي سوق العمل أيضاً. "بعدما كنتُ عاملة جنس، ومدمنةً، أصبحت اليوم أماً صالحةً"، تقول إلهام.

غادَرَت المرأة بيت أسرتها وهي طفلة، لتلتقطها لُجَّة الإدمان والاغتصاب المتتالي بسبب عنف حياة الشارع في مدينة مراكش. امتهنت العديد من المهن: نادلة، وخادمة بيوت، وبائعة مناديل ورقية في الشوارع، لكن غالباً ما كانت تتوقف عن العمل لسبب معيّن يكون في الكثير من الأحيان هو التحرش.

"بعدما كنتُ عاملة جنس، ومدمنةً، أصبحت اليوم أماً صالحةً". نساء أجبرن على الإدمان من طرف أزواجهن، وبعد معركة مع الإدمان ونتائجه الكارثية استطعن النجاة من "القاع"

بعد فترة، وجدت نفسها تمتهن الدعارة، وأصبحت بائعة هوى، ترافق زبائنها المجهولين إلى وجهات مجهولة، مقابل ثمن بخس قدره دراهم معدودة. لم يتوقف الوضع عند هذا الحد فحسب، بل أصبحت إلهام أماً عزبةً لثلاثة أطفال مجهولي النسب. لم تجد إلهام ما تقدّمه لأطفالها سوى الشارع، وبعض بقايا الطعام التي تلتقطها من النفايات.

زوج كهل ومخدرات وأطفال من دون آباء

كانت إلهام تحرص على عدم تبذير المال حسب قولها، في شراء الطعام والملابس لأطفالها، حتى تدّخره لشراء المخدرات والكحول، بعدما أصبحت حياتها عصيةً على الاستقامة من دون تعاطي مختلف المسكرات بكثرة.

تتحدث بأسف شديد عن المرة الأولى التي تعاطت فيها المخدرات بتشجيع من زوجها الكهل الذي تزوجها وهي قاصر، ما عدّته اغتصاباً لطفولتها، ولم تتحدث عنه كزواج، لأنها لم تراه كذلك قط، كونها تزوجت من دون رضاها برجل في سن متقدمة، تحت ضغط أسرتها. لكن الأدهى والأمرّ أنها أدمنت على المخدرات، وخرجت إلى الشارع بسبب زوجها الذي شجعها على تناول حبوب الهلوسة والأدوية المنشطة جنسياً في أولى أيام زواجهما وهي في الـ15 من عمرها.

أسهل الطرق إلى "الكارثة"

عمر غيلان، شاب مغربي يبلغ من العمر 40 سنةً، أسس جمعية "جميعاً ضد الإدمان" في مدينة طنجة، لمساعدة الشباب المدمنين على عبور هذه المرحلة بسلام، والدافع القوي الذي جعله يمضي في هذه الخطوة، هو أنه مرّ بهذه التجربة، إذ كان مدمناً على حبوب الهلوسة، لكن بفضل إصراره تمكّن من التغلب على الإدمان، وأصبح اليوم شخصاً فاعلاً في المجتمع، يساعد أصدقاءه وذويه على تجاوز هذه المحنة.

من خلال تواصله مع العديد من الحالات في الجمعية، خلص عمر إلى قناعة مفادها أن الأسباب التي تؤدي إلى إدمان المخدرات، قد تكون في الكثير من الأحيان بإيعاز من شخص قريب وثقة. لكن بغض النظر عن الطرف الذي يكون مبادراً إلى استعمال هذه المواد، سواء أكان زوجاً أو زوجةً أو زميلاً في المدرسة، فإن انتشار الإدمان لا يتلخص دوماً بالشق الاجتماعي، بل بسهولة الولوج إلى منافذ المخدرات، واتساع الطرق والمنافذ المتاحة التي يمكن عبرها الحصول عليها.

أكد غيلان في حديثه إلى رصيف22، أن سهولة الوصول إلى مخدر "القرقوبي" الذي ينتشر بشكل مهول في الأحياء الشعبية، خصوصاً الهشة منها، هو الدافع الذي مهّد الطريق للكثير من الأشخاص حتى يجدوا أنفسهم مدمنين ليس بمقدورهم إيقاف تعاطي تلك الحبوب المخدرة على اختلاف أنواعها. وبهذا تظل أسباب الإدمان في الشق العام متشعبةً ومتعددةً، تتداخل فيها كل من الهشاشة، والمشكلات الأسرية، والبطالة، والتفكك الأسري، وكل هذه العوامل تطعّمها قلة الوعي بمخاطر الإدمان. أما في ما يخص الطرف الذي يتحمل المسؤولية، فالأسرة والمجتمع فاعلان في السقوط في براثن الإدمان وغيره من أشكال الانحراف، حسب عمر غيلان. لكن الحلّ يكون أيضاً حسب كثيرين، في دعم ذوي القربى والمنظمات المدنية ومراكز مكافحة الآفة التي تتربّص بالنساء والرجال في كل مكان... حتى في بيت العائلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard