شهيدا الفكر والثورة... قصة رجلين كانا على وشك هدم الأصنام قبل النبيّ بسنوات

الأربعاء 23 ديسمبر 202012:39 م

الصورة الذهنية التي رسختها كتب التراث عن الشكل العام لشبه الجزيرة العربية ــ وتحديداً مكة ــ قبل بعثة النبي، هي أنها كانت ظلاماً في ظلام. أهلُها يقتلون بناتهم ويستحيون ذكورهم، وساداتها في غيّهم يعمهون، صباحهم بيعُ للعبيد، وليلهم صخب دائم، ونوم في أحضان الغانيات، وتناقل لكؤوس الخمر لا ينقطع!

أما عن الحالة الدينية، فهناك تأكيد تامّ على عبادة الأصنام، فبها يلوذ العوام، ويحجّون إليها بشكل دوري، ويتأرجح السادة ما بين استغلالها سياسياً واقتصادياً. لكن هناك جماعةُ من العرب لم تعبد الأصنام، واعتقدت بوجود إله واحد أجدر بالعبادة. ويشير المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" إلى أن "أسماء هؤلاء محدودة، وذكرهم غامض، لا يشرح عقائدهم، ولا يوضح رأيهم في الدين، فلم يذكروا عقيدتهم في التوحيد، ولا كيفية تصوّرهم لخالق الكون."

وروى ابن هشام في "السيرة النبوية"، أنه: "اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْماً فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، ويُديرون بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيداً لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْماً، فخلَص مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيًّا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا، وَلْيَكْتُمْ بعضُكم عَلَى بَعْضٍ."

هؤلاء الأربعة هم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعثمان بن الحويرث. الأول اسمه يحتلّ مكانة هامة في كل كتب السيرة التي تسرد مهد النبوة، والثاني دخل الإسلام برفقة عائلته جميعها، أما الاسمان الأخيران، فذكرهما يسير، رغم أنهما كانا على وشك دحر أصنام، وجعلها الجزيرة العربية مهداً لعبادة الله الواحد قبل بعثة النبي محمد بسنوات قليلة.

زيد بن عمرو بن نفيل... جاهلي له دوحتان في الجنة!

يُعرّفه ابن كثير في "البداية والنهاية" بأنه: "زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رَزَاح بن كعب بن لؤي القرشي العدوي."

ويشير ابن كثير إلى صلة قرابة بين زيد بن عمرو بن نفيل والصّحابي عمر بن الخطاب، مُعتمداً على رواية الزّبير بن بكار، ومحمد بن إسحاق، بقوله: "كَانَ الْخَطَّابُ - وَالِدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - عَمَّهُ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ نُفَيْلٍ كَانَ قَدْ خَلَفَ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ بَعْدَ أَبِيهِ وَكَانَ لَهَا مِنْ نُفَيْلٍ أَخُوهُ الْخَطَّابُ."

الدعوة الإبراهيمية التي انتهجها زيد، قوبلت بتنكيل من قومه، حتى أُكرِهَ على ترك مكة، وكلّف عمُّه الخطابُ بن نفيل، شباباً من شباب قريش بألا يسمحوا له بدخول البلدة، ومنعه من الاتصال بأهلها

اتّفقت كتب السيرة والسنة النبوية على ذكر زيد بن عمرو بن نفيل بخير الخصال، والتأكيد على أنه كان يخالف قومه في كلّ ما يفعلونه من موبقات، فهو بحسب رواية أسماء بنت أبي بكر، التي أوردها النسائي في سننه "كان يُحيي الموءودة، ويقول للرّجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مهلاً لا تقتلها. أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرت، قال لأبيها: إن شئت دفعتُها إليك، وإن شئتَ كفيتك مؤونتها."

وبرواية أسماء أيضاً، أنها رأته ذات يوم "مُسْنِداً ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَالَّذِي نَفْسُ زَيْدٍ بِيَدِهِ مَا أَصْبَحَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ."

وترجح كافة المرويات صحة لقاء النبي ـ قبل البعثة ـ بزيد بن عمرو بن نفيل، وهو اللقاء الذي يرويه البخاري تفصيلاً في صحيحه، بقوله: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللّه عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَاراً لِذَلِكَ وَإِعْظَاماً لَهُ."

تلك الدعوة الإبراهيمية الرافضة للأصنام، التي انتهجها زيد، قوبلت بتنكيل من قومه، حتى أُكرِهَ على ترك مكة، وكلّف عمُّه الخطابُ بن نفيل، شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفائهم بألا يسمحوا له بدخول البلدة، ومنعه من الاتصال بأهلها، "واضطرّ زيد إلى اعتزال قومه، ولا ينزل إليهم إلا سراً، فكانوا إذا أحسوا بوجوده هناك، آلموه وآذوه"، وفقاً لما ذكره جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

وعاش زيد خمس سنوات قبل البعثة، واختلف في وفاته، ما بين قتله بأرض البلقاء من الشام، حين خرج عليه قوم من بني لخم، بمكان يقال له ميفعة، وتسمّمه على يد ملوك غسان. وأورد ابن كثير في "البداية والنهاية"، حديثاً مروياً عن عائشة أن النبي قال عنه: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ دَوْحَتَيْنِ."

عثمان بن الحويرث... ثائر مكة الذي كان على وشك هدم الأصنام

هو عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب. وأمّه هي تماضر بنت عمير بن أهيب بن حذاقة بن جمح، وفقاً لما أورده مصعب الزبيري في كتابه "نسب قريش"، والذي أشار فيه إلى أن عثمان كان يعد من أشراف بني أسد، وكان على رأس قبيلته في حرب الفجار.

كانت قريش على وشك التغير التام، والميل نحو اعتناق المسيحية كدينٍ سماوي تهجر من خلاله عبادة الأصنام، لكن موت عثمان بن الحويرث المفاجئ أطاح بهذا الطموح

يختلف ابن الحويرث عن بقية الموحدين الثلاثة الذين ذكرهم ابن هشام في "السيرة" ــ ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش ــ في أنه كان طامحاً إلى نشر دعوته سياسياً، فأبصر بحنكته أن الروم يميلون إلى تغيير القيادة في مكة، في وقت هو ذاته يعتنق النصرانية، ولا يعبد صنماً، أي أن معتنقه يتوافق ــ نسبياً ــ مع الرومان، فسعى إلى التقرّب منهم.

يقول ابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق": "كان عثمان بن الحويرث من أظرف قريش وأعقلها، ويطمع أن يملك قريشاً حتى قدم على قيصر الروم، وقد رأى حاجتهم ومتجرهم ببلاده، فذكر له مكة ورغّبه فيها وقال له: تكون زيادة في ملكك كما كسرى صنعاء."

وقعت كلماتُ ابن الحويرث الطامحةُ في نفس قيصر الروم، وبعث بخطاب إلى عمرو بن جفنة، ملك الغساسنة (قبيلة يمنية حكمت الشام بعد انهيار سد مأرب)، أن يدعم عثمان، ويحبس له من أراد من تجّار وسادة قريش، وهو ما حدث، إذ حبس ابن جفنة أبا أحيحة سعيد بن العاص، وابن أخيه أبا ذئب، ومات الأخير في محبسه، وفقاً لرواية ابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق".

في تلك الأثناء كانت قريش على وشك التغير التام، والميل نحو اعتناق المسيحية كدينٍ سماوي تهجر من خلاله عبادة الأصنام، لكن موت عثمان بن الحويرث المفاجئ قبل خروجه مباشرة من عند ابن جفنة أطاح بهذا الطموح، إذ يروي محمد بن حبيب في كتابه "المنمق في أخبار قريش"، أن كثيراً من الناس قالوا إن ابن جفنة "سقاه سماً وحسده، وظن أنه غالبه على ملكِه."

ولما بلغ مقتل عثمان بن الحويرث ابن عمّه ورقة بن نوفل، أخذ يرثيه شعراً، فقال: "أسُقيتَ سمّاً في الإناء المصعد/ أم كان حتفاً سيق ثمّ لحينه/إن المنية للحمام لتهتدي/ قد كان زيناً في الحياة لقومه/ عثمان أمسى في ضريح ملحد/ ولقد برى جسمي وقلت لقومنا/ لما أتاني موته لا تبعد/ أمسى ابن جفنة في الحياة مملكاً/ وصفيّ نفسي في ضريح مؤصد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard