هل يقرأ أطفال العرب قريباً بلهجاتهم المحلية؟

الاثنين 24 يناير 202210:29 ص

في شهر أكتوبر الماضي ظهرت تغريدة على حساب جائزة اتصالات لكتاب الطفل، تطرح فكرة ما إذا كان علينا أن نكتب أدب الأطفال بالفصحى أم باللهجات المحلية؟ ورغم جرأة السؤال، إلا أنّ من كتب التغريدة يميل بوضوح إلى تفضيل الفصحى،  كونها "فضاء يفهمه الجميع في كل البلدان العربية". التغريدة لم تنتهِ هنا، بل ختمت بسؤال آخر - يبدو بريئاً أول الأمر - مفاده "هل تفضّل القراءة بالفصحى أم بالعامية؟".


فلنبدأ بالإجابة عن السؤال الأخير: لم أعثر على استبيانات رسمية صادرة عن مؤسسات حكومية أو أهلية حول العادات القرائية في العالم العربي، ولكن إذا استندنا إلى إصدارات دور النشر الكُبرى التي نراها في معارض الكتاب العربية، واستمعنا إلى المناقشات التي تدور في الفضاءات العامة، فسوف يبدو لنا أنّ القارئ العربي الراشد يفضّل القراءة بالفصحى.

ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟

ولكن ماذا عن الطفل العربي؟ أيقرأ هو الآخر بالفصحى؟ وهل لديه حرية اختيار النشأة على قصص مكتوبة بالعامية إن أراد ذلك؟ الإجابة بديهية، فليس بمقدور الطفل أن يختار أو يميّز شيئاً من هذا القبيل في طفولته المبكّرة، بل هناك مَن يقرّر مصيره، من آباء ومعلّمين ومقرّرات دراسية ومناهج تدريسية. فما هو هذا المصير؟

يبدو من التغريدة أن تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى تهدف إلى تربية جيل قادر على التواصل مع أشقائه العرب، وقراءة أيّ منتج أدبي وفكري صادر في الوطن العربي، كون الفصحى هي اللغة التي يشترك فيها جميع من تلقّى قدراً لا بأس به من التعليم. ولكن المفارقة هي أنّ المؤسّسات التعليمية لم تنجح في تحقيق هذه الأهداف النبيلة لأسباب عديدة، نذكر منها الآن ضعف مقرّرات اللغة العربية ومحتواها الثقافي، وعدم قدرتها على جذب اهتمام الطلبة، إضافة إلى غياب التدريب المهنيّ المُستدام الذي يؤهّل المعلّمين ويُكسبهم المهارات التعليمية الفعّالة، هذا إن أردنا استخدام لغة حياديّة لوصف ما يحدث.

لأنّ الحقيقة هي أنّ مناهج اللغة العربية المستخدمة اليوم لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه الطالب ولا باهتماماته، بل هي مليئة بنصوص بالية ومملّة لا تحفّز على حب اللغة العربية، ويقوم بتدريسها – في أحيان كثيرة - معلّمون ينتهجون أساليب تلقين اعتدنا عليها منذ عقود، ولعّلها موروثة مِن قرون.

واقع يصعب إنكاره 

 لم تنجح المؤسّسات التعليمية في تحقيق تنشئة الطفل العربي على القراءة بالفصحى

هذا الواقع التعليمي - الذي يصعب إنكاره بالأدلّة - يرسّخ نفور العرب من لغتهم العربية الفصحى، ويساهم في شعور جيل الشباب بالخوف والقلق عند الاستماع إليها أو الحديث بها، كما تخبرنا الباحثة المصرية زينب إبراهيم، في دراسة قامت بها عام 2011 اشتملت على أكثر من ألفي طالب جامعي من قطر ومصر. نتائج الاستبيانات - التي أشرفت عليها هذه الباحثة المعروفة - خلصت إلى أنّ الشباب العرب يعانون من تخبّط في المشاعر تجاه الفصحى ولهجتهم الأم. فمن ناحية لا يفهم الشباب جيداً طبيعة العلاقة القائمة بين هذين المستويين من اللغة؛ فهم يعتقدون أن مصطلح "اللغة العربية" يشير فقط إلى الفصحى، وأنّ اللهجات، بالتالي، ليست إلّا نتاجاً مشوَّهاً عن العربية، ومشوِّهاً لها أيضاً. ومن ناحية أخرى، تُظهِر الدراسة أن الجيل المتعلّم يشعر بارتياح أكبر عند التحدّث بلغة أجنبية - مقارنة بالفصحى – لدرجة أنّ عندما سُئلوا بشأن إحساسهم عند التحدّث بالفصحى، أجاب 78% من الشباب بأنـهم يشعرون بتوتّر وخوف وخجل وقلق، مقابل 22% فقط من الشباب الذين يشعرون بالراحة عند التحدّث بها.

الشباب العرب يعانون من تخبّط في المشاعر تجاه الفصحى ولهجتهم الأم

الوحش البريء الجالس بيننا

وعلى الرغم من أنّ المؤسّسات التعليمية أدّت – وما زالت تؤدّي - دوراً في خلق هذا الواقع، إلا أنّ هناك عوامل أخرى لا يمكن إغفالها ساهمت في عزوف الأطفال واليافعين والشباب عن القراءة باللغة العربية. من بين هذه العوامل غياب ثقافة القراءة في أغلب الأسر العربية (كما هو معروف وموثّق في آخر تقرير للبنك الدولي حول تعلّم اللغة العربية)،التحاق نسبة كبيرة من أبناء الطبقات الميسورة بمدارس خاصة ودولية، قائمة على مناهج تعليمية مستوردة (بل وتفضيل اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كلغة التواصل اليومي داخل هذه الأسر)، إضافة إلى تعلّق هذه الفئة العمرية الشديد بوسائل التواصل الاجتماعي واندماجهم المتزايد في عالم معلوماتي ينطق في أغلبه باللغة الإنجليزية، وباللهجات العربية عندما يكون المحتوى عربياً.

وهذا العامل الأخير هو ما أريد التوقّف عنده، لأنه بمثابة الوحش البريء الجالس بيننا: نراه جميعاً ولكننا لا نتمعّن في ماهيّته أو تأثيره على البيئة اللغوية والثقافية التي يتوغّل فيها.

جميعنا يعلم أنّ أغلب الشباب واليافعين (ونسبة كبيرة من الأطفال!) اليوم لا يفارقون أجهزتهم الذكية، وأنها أصبحت مكوّناً أساسياً في حياتهم الشخصية والدراسية. وتشير البيانات (2019) إلى أنّ 67% من الشباب العربي الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15-24 سنة مِن مُستخدمي الإنترنت، ويستهلكون بالدرجة الأولى محتوى منصّات التواصل الاجتماعي؛ بينما تشير تقارير أخرى أنّ بحلول عام 2025 سيمتلك 80% من العرب هاتفاً ذكياً.

من خلال هذه الأجهزة، تتعرّض هذه الفئة العمرية - التي لم تصل إلى سن الرُشد - إلى كمّية مهولة من المادة البصرية والسمعية تتجاوز في أحيان كثيرة الأربع ساعات يومياً. وفي أغلب الأحوال لا تكون هذه المادة باللغة العربية الفصحى، بل باللهجة المحلية أو بلغة أجنبية، أو بمزيج من الاثنتين. ماذا يعني ذلك؟

أولاً، ذلك يعني أنّ القائمين على صناعة المحتوى العربي المرئي الناطق باللغة العربية الفصحى غير قادرين على استقطاب هذه الفئة العمرية بنفس الدرجة التي نراها في المحتوى الأجنبي أو في المحتوى الناطق باللهجات. ففي مصر مثلاً، واحد من أهم البرامج العلمية-المعلوماتية على يوتيوب هو "الدحّيح"، فبمجرّد أن يتمّ رفع حلقة جديدة على الإنترنت يكون نصف مليون شخص قد شاهدها في غضون 24 ساعة. وهذا في حد ذاته لا يُعتبر مأخذاً على المادة المحكية باللهجات، لأنّ البرنامج ذو قيمة تعليمية عالية لا نجدها في المناهج المدرسية الرسمية! بل على العكس، يمكن القول إننا بحاجة إلى مضاعفة هذه المادة المرئية العالية الجودة إنْ أردنا إصلاح ما تقوم به الأنظمة التعليمية.

ثانياً، اليافعون والشباب لا يشاهدون مثل هذه البرامج التعليمية فقط، بل يستمعون أيضاً إلى موسيقى راب وهيب هوب تتصدر قوائم أكثر الفنانين رواجاً بين الشباب العربي. وهذه الأغاني تنطق تارة بلهجة محلية مفهومة (في حالة مروان بابلو مثلاً) وتارة أخرى تنطق بلغة عربية مشفّرة، يجب أن نتأمّلها جيّداً لكي نكتشف عُمق الهُوة التي تفصلنا عن الأجيال الناشئة التي نريد تلقينها الفصحى. هؤلاء الفنانون الذين يتصدّرون اليوم منصّة Spotify في مصر، لهم مقابلهم في دول شقيقة أخرى مثل المغرب، وحضورهم سيزداد في السنوات المقبلة في كل الدول العربية، لأن هذا ما يطلبه المستمعون.

نضيف إلى ذلك أنّ الشباب واليافعين الذين يستمعون إلى هذا النوع من الموسيقى - التي تخالف كل أعراف الفن العربي الأصيل أو الرفيع، بحسب أغلب الآباء والمعلّمين والأكاديميين والمثقفين - هم ذاتهم مَن يستهلكون أدب الرعب المحكي، ومَن يقرؤون قصصاً وروايات مكتوبة باللهجات المحلية أو بمزيج من الفصحى والعامية. من بين هذه الروايات التي انتشرت في السنوات الأخيرة، رواية "عتبة الألم" للكاتب الفلسطيني-السوري حسن سامي يوسف، و"ربع جرام" للمؤلف المصري عصام يوسف. المثير في هذا الإنتاج الأدبي أنّ مؤلفيه ينتمون إلى طبقة متعلّمة تدرك تماما مدى تأثير الكتابة بالعامية ودورها في الوصول إلى شريحة كبيرة من القُرّاء، فعصام يوسف (وهو ابن رئيسة تحرير مجلة سمير للأطفال الشهيرة) يخبرنا بأنه قصد استخدام لغة عربية لا تُرهِق القارئ في روايته "ربع جرام" التي طُبِع منها أكثر من مليون نسخة، بينما حسن سامي يوسف يشبّه اللغة التي يستخدمها في "عتبة الألم" باللغة التي "أوجدتها وسائل التواصل الاجتماعي".

هل تسهم الأعمال المكتوبة بلهجة من اللهجات المحلية إيجابياً أم لا في كسر الحاجز النفسي الذي يفصل الناشئة عن القراءة باللغة العربية؟

عودةً إلى تغريدة جائزة اتصالات وطرحها لقضية الكتابة باللهجات الدارجة في أدب الأطفال: لا أعلم إن كان هناك أي دار نشر رشّحت في الدورة الأخيرة للجائزة أعمالاً مكتوبة بلهجة من اللهجات المحلية وتمّ رفضها مِن قِبل المُنظّمين؛ ولا أعلم إن كانت جائزة اتصالات تنوي خلق فئة خاصة لأدب الأطفال مكتوب باللهجات في المستقبل القريب. ولكن إذا كانت شروط الترشيح تُملي بأن يكون الكِتاب مكتوباً باللغة العربية، فيجدر بالقائمين على الجائزة توضيح ماذا يقصدون بـ"اللغة العربية"، خاصة وأنّ واحدة من أهداف الجائزة الأساسية هي "تعزيز مكانة كتاب الطفل في مواجهة البدائل التقنية".

أما السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا - ونجيب عليه بكل صراحة – هو ما إذا كنّا نعتقد أنّ الترويج لمثل هذا النوع من الأدب سيُسهِم إيجابياً أم لا في كسر الحاجز النفسي الذي يفصل الناشئة عن القراءة باللغة العربية، وجسراً بإمكانه – إن بُني على أسس لغوية مدروسة – أن ينقل الطفل بشكل طبيعي من لغته المنطوقة إلى محكية مكتوبة، ثم إلى فصحى مبسّطة تصعد تدريجياً بالطفل إلى فصحى أكثر تركيباً وتعقيداً، عندما يحين الوقت لذلك؟

هل التعوّد على القراءة باللهجات منذ الصغر سوف يعرقل لاحقاً تعلّم الفصحى - كون العاميات أقرب إلى قلوبنا، وربما إلى عقولنا أيضاً؟

في ظل غياب ثقافة القراءة بين الشعوب العربية، ربما يبدو ذلك حلاً منطقياً ومعقولاً بالنسبة للبعض، فمن اللافت، في هذا السياق، تأسيس عدة دور نشر عربية في الغرب تنشر كتباً للأطفال مكتوبة باللهجات (مثل "لِبلِب" و"قُصَص") مدفوعة بهاجس لدى عرب المهجر بأن تنقطع صلة أبنائهم باللغة العربية.

السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان التعوّد على القراءة باللهجات منذ الصغر سوف يعرقل لاحقاً تعلّم الفصحى - كون العاميات أقرب إلى قلوبنا، وربما إلى عقولنا أيضاً - وما إذا كان منهج كهذا بمثابة تجربة لن تجدي نفعاً – في أحسن الحالات – أو مُقامرة تربوية لن نحمد عقباها، إذا ما تمّ اعتماد اللهجات كمصدر أساسي للغة العربية المكتوبة في السنوات الأولى من الطفولة.

اليوم 59% من الأطفال العرب دون سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نصوص مكتوبة بالعربية

اليوم 59% من الأطفال العرب دون سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نصوص مكتوبة بالعربية، حتى وإن كانت بلغة بسيطة (بحسب تقرير البنك الدولي الأخير حول تعليم اللغة العربية وتعلُمها)، وكثيراً ما نسمع أنّ حل مشكلة القراءة في العالم العربي لن يأتي إلا من خلال ضبط المنظومة التعليمية مركزياً – بل وعبر التنسيق بين الدول والحكومات وجميع مؤسساتها - وعن طريق تدريب المعلّمين والأساتذة بشكل مُمنهَج ومُستدام لكي يتمكّنوا من تدريس اللغة العربية الفصحى طِبقاً لآخر المستجدات التربوية. وليت ذلك يحدث؛ لربما استطعنا إنقاذ أطفالنا من أمية المعرفة قبل أن يكبروا.

ولكن ماذا عن جيل اليافعين والشباب؟ هل نقصيهم ونتجاهل المنظومة الثقافية واللغوية التي يعيشون ويُبدعون فيها؟ أم نحاول إدماج البيئة التي أوجدوها لأنفسهم في المقرّرات الدراسية والمادة المطبوعة؟ هل ينبغي علينا استثمار كل طاقاتنا ومواردنا في إغراق منظومة النشر ووسائل التواصل الاجتماع بالمُنتج الفصيح؟ هل سيشجعهم ذلك على القراءة باللغة العربية الفصحى، ويحبّبهم بها؟ ليتني أملك الأجوبة... كل ما أملكه هو أمل كبير في أنْ يكون جيل اليافعين والشباب جزءاً من الحلّ والحوار الذي يدور في الأروقة الرسمية. لأنّ قطار العولمة سيتسارع طردياً بكل حمولته الثقافية واللغوية، وقريباً لن يجد حُرّاس اللغة العربية الفصحى مكابح تستجيب لرغباتهم النبيلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard