جولة دي ميستورا المغاربية... هل يفلح المبعوث الأممي في فكّ طلاسم نزاع الصحراء الغربية؟

السبت 22 يناير 202205:09 م

جولة إقليمية هي الأولى من نوعها تلك التي باشرها المبعوث الشخصي للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، منتصف كانون الثاني/ يناير الجاري، للبحث في ملف الصحراء الغربية، وتطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2602، الذي دعت فيه الأمم المتحدة الأطراف المعنيين إلى المشاركة في مسلسل الموائد المستديرة.

حظيت الزيارة الأولى للدبلوماسي الإيطالي، منذ تعيينه قبل ثلاثة أشهر خلفاً للمبعوث الألماني السابق، هورست كوهلر، باهتمام سياسي وإعلامي لافت، لا سيما في ظل سياق الأزمة الثنائية بين الجزائر والمغرب، وفي ظل استباق جبهة البوليساريو محاولة "إفشال" مبادرة دي ميستورا، بعد اتهام الأمم المتحدة بعدم الحياد، ورفضها المسبق لأي مفاوضات في إطار الموائد المستديرة، مع التأكيد على أنها في حالة "حرب" مع المغرب.

زيارة لجسّ النبض

على الرغم من تأكيد المغرب موقفه بضرورة استئناف العملية السياسية في ظل الرعاية الحصرية لهيئة الأمم المتحدة، للتوصل إلى حل سياسي على أساس المبادرة المغربية "للحكم الذاتي"، فإن جبهة البوليساريو عبّرت عن تشبثها بحق "الشعب الصحراوي" في تقرير المصير، مدعومةً من الجزائر.

الخبير المغربي في شؤون الصحراء، أحمد نور الدين، يرى أنه "على الرغم من إعلان الجزائر رفضها المشاركة في أي مفاوضات حول الصحراء، منذ اليوم الأول من الإعلان عن تعيين المبعوث الجديد، تشكل هذه الجولة إدانةً لموقفها، وحشراً للجزائر في الزاوية الضيقة"، حسب تعبيره.

وأضاف نور الدين، في تصريح لرصيف22، أن "موقف الجزائر يكشف نواياها الحقيقية في إطالة أمد الصراع كوسيلة للتنفيس عن أزماتها الداخلية"، موضحاً أنه "تأكدت هذه العراقيل عبر المسيرة الطويلة لمسلسل التسوية، وآخر مؤشر على ذلك، هو رفضها لمبعوثين اقترحهما غوتيريش، قبل دي ميستورا، ويتعلق الأمر بوزير خارجية البرتغال الأسبق، والوزير الأول البلغاري السابق، وبهذه السلوكيات تجعل الجزائر نفسها في عزلة دولية لأنها ترفض القرارات الأممية، ومنها القرار الأخير 2602، الذي يدعوها للمساهمة بجدية وحسن نية في المفاوضات".

حظيت الزيارة الأولى للدبلوماسي الإيطالي، منذ تعيينه قبل ثلاثة أشهر خلفاً للمبعوث الألماني السابق، هورست كوهلر، باهتمام سياسي وإعلامي لافت، لا سيما في ظل سياق الأزمة الثنائية بين الجزائر والمغرب

وعلى مستوى آخر، يرى المحلل السياسي أنَّ "تعنّت" الجزائر، يؤدي كذلك إلى "عزلتها على المستوى العربي، إذ لم يفلح رمطان العمامرة على الرغم من جولاته المتكررة في المنطقة العربية، في إقناع الزعماء العرب بحضور القمة العربية التي كان من المفترض أن تلتئم في آذار/ مارس المقبل، وتم الإعلان عن تأجيلها"، مشدداً على أنه "لا يمكن للدول العربية أن تحضر قمة للوحدة العربية في بلد قطع علاقاته مع دولة عربية جارة، ويهدد بشن حرب عليها، ويسعى إلى هدم وحدتها، وفصلها عن أقاليمها الجنوبية. هذا يتنافى مع الأسس التي قامت عليها الجامعة العربية من التضامن والدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي وفتح الحدود وحرية التنقل".

الكرة في ملعب الجزائر

من جهته، يرى المحلل السياسي الجزائري المعارض، وليد كبير، أن جولة دي ميستورا جاءت برغبة من الأمم المتحدة في تحريك المياه الراكدة التي تسبَّبَ فيها النظام الجزائري، ومن أجل "الدعوة إلى الطاولة المستديرة، التي لم يبدِ المغرب أبداً رفضه لها، في حين يرفضها النظام الجزائري لأنه هو صاحب النزاع المفتعل الذي يدفع إلى تكريس شلل المنطقة، ورفضه للجلوس إلى الطاولة المستديرة هو تهرب منه، كونه يريد لهذا الملف الاستمرار والبقاء كي يُتاجر به".

على الرغم من أن "الجولة لن تأتي بالكثير، لأنها جولة جس نبض وترقب لمواقف الدول المعنية بالنزاع"، حسب تعبير المتحدث نفسهِ، فإنه شدّد على أن "الكرة في ملعب الطرف الجزائري الذي لا يريد حلاً لهذه الأزمة، لأنه يبني على استمرارها في إبقاء المغرب في صورة العدو، كيفما تم توظيف ذلك على المستوى الداخلي".

أمّا بالنسبة إلى الخبير السياسي الموريتاني، شيخاني ولد الشيخ، فإن حصيلة جولة دي ميستورا هي "تحريك المياه العكرة، لعل ذلك يُحدث جدولةً زمنيةً لجلوس جميع الأطراف على طاولة المفاوضات"، عادّاً أنه "لا توجد صفة مراقب تنطبق على جيران الصحراء، فالكل يكتسبون صفة الطرف الرئيسي، إما لوجوده العسكري في لكويرة، أو لرعايته لبوليساريو في تندوف".

وأضاف ولد الشيخ، وهو رئيس "الجمعية الموريتانية المغربية للدفاع عن الوحدة المغاربية"، قائلاً: "تحدثتُ مع المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا في أثناء زيارته لموريتانيا في جولته المكوكية، وحدّثته بموضوع الرسالة التي وجهتها إليه عن طريق منسق برامج الأمم المتحدة في موريتانيا، واستطعتُ أن أقرأ رغبته الصادقة في الاستماع إلى الجميع، وحزمه واستقلاليته في اتخاذ القرارات".

وبالنسبة إلى ولد الشيخ، فإن دول الجوار أطراف في النزاع، وقال: "قدّمتُ له (دي ميستورا)، الدليل القاطع عن تورط الجزائر في القضية كطرف رئيسي، وليس كمراقب، من خلال استعراضي معه وثائق ذات صلة بقضية إبراهيم غالي، وجواز سفره الجزائري المزوّر المعروض أمام القضاء الإسباني".

"لا توجد صفة مراقب تنطبق على جيران الصحراء، فالكل يكتسبون صفة الطرف الرئيسي، إما لوجوده العسكري في لكويرة، أو لرعايته لبوليساريو في تندوف". دي ميستورا في أول زيارة لحل نزاع الصحراء الغربية

وبخصوص موقف نواكشوط من نزاع الصحراء الغربية، يوضح ولد الشيخ أن "هناك من يُحسن لعب دور الحياد في هذا الملف كموريتانيا"، مضيفاً أن "الوصفة السحرية القادمة لمشاركة الجميع في الموائد المستديرة من جديد، هي المزيد من المصارحة الدولية للأطراف برفع صفة المراقب عن الجميع، وعدّهم أطرافاً رئيسيةً".

تجاوز الأزمة قبل القمة العربية

وحول تأثير زيارة دي ميستورا على أزمة الوضع الدبلوماسي بين كل من الجزائر والمغرب، يرى ولد الشيخ أن لِجولة المبعوث الأممي أهمية كونها "همزة وصل في إعادة الاتصال الدبلوماسي بين المغرب والجزائر، بعد قطع العلاقات من طرف الجزائر، وهذا الوصل قد يساعد في ترتيبات أخرى ذات صلة بتحضيرات القمة العربية المرتقبة في الجزائر، والهدف منها تنقية الأجواء مما يشوبها منذ استقالة المبعوث الأممي السابق إلى الصحراء، الألماني هورست كولر".

وأضاف المحلل السياسي، أنه "من السابق للأوان إجراء أحكام مسبقة حول فشل جولة المبعوث الأممي دي ميستورا. هو يحتاج إلى تشجيع الجميع، وهذا ما قامت به إسبانيا عندما تعلق الأمر بتمكينه من طائرة لإجراء جولته الإقليمية، إذ تحدثت بلغة الإشارة بأنها تدعم التوصل إلى حلّ أممي واقعي، والمرجح بطبيعة الحال أن هذا الحل هو المبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وحول اتهامات بوليساريو الأخيرة للأمم المتحدة بعدم الحياد حيال النزاع، يرى المتحدث حسب وجهة نظره، أن "مثل هذه الاتهامات لا تُفقِد جولة دي ميستورا طابعها، ولا الأمم المتحدة مصداقيتها، ولكن تجعل من بوليساريو والطرف الراعي له سطحيَين وفاقدَين للقدرة على الجلوس والتفكير والبحث عن حل واقعي لهذا النزاع المفتعل، وهو اتهام يؤكد من جديد للرأي العام الدولي أن بوليساريو شماعة تُعلِّق عليها الجزائر سوء نواياها".

دي ميستورا بين نارين

ويخلصُ ولد الشيخ في تحليله إلى أن "حصيلة جولة دي ميستورا لن تشوّش عليها المحاولات الفاضحة من بوليساريو والجزائر لتشويه الوقائع والتغطية على أسباب الأشكال الحقيقية في ضلوع الجزائر كطرف رئيسي في هذا النزاع المفتعل"، مضيفاً أن "رشق الأمم المتحدة بعدم الحياد من طرف الجبهة لا يحجب حقيقة تلطخ أيادي الجزائر في هذا المستنقع".

من جهته، يرى وليد كبير، أن ادعاءات البوليساريو هي ادعاءات النظام الجزائري، لأنه "صاحب القضية، وهو من يحرّك بوليساريو كي يضغط عبرها على الأمم المتحدة، ويعيد الكلام نفسه، خصوصاً عندما يتلقّون انتكاساتٍ دبلوماسيةً".

 "من السابق للأوان إجراء أحكام مسبقة حول فشل جولة المبعوث الأممي دي ميستورا. هو يحتاج إلى تشجيع الجميع"

وقال المحلل السياسي: "لا أعتقد أن الأمم المتحدة قادرة على حلحلة هذه المشكلة، لأن الطرف الذي افتعل القضية وما زال، يساهم في تكريس بقائها على حالها، ولا يمتلك النية الخالصة من أجل حل سياسي".

وأضاف المتحدث أن "المشكلة يجب أن تُحسم أولاً على المستوى الداخلي في الجزائر، حتى نتمكن من المساهمة في حلحلة النزاع"، في إشارةٍ إلى الأزمة الداخلية الجزائرية منذ الحراك الشعبي الذي أدى إلى رحيل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم.

وبالنسبة إلى المحلل السياسي، أحمد نور الدين، فإن أهمية جولة دي ميستورا، "تكمن في فضح الأطراف التي تُعرقل الجهود الدولية لحل نزاع دام نصف قرن من الزمن، وضيَّع فرصاً كبيرةً للتنمية، وعرقل البناء المغاربي".

وأضاف المتحدث أن "تقرير الأمين العام الذي سيقدّمه لمجلس الأمن، بناءً على خلاصات جولة دي ميستورا، سيتضمن اقتراحات (...) لإغلاق الملف وإخراجه من مجلس الأمن كما كان قد اقترحه الأمين العام الأسبق كوفي عنان سنة 2004، وهذا الموقف يسير في اتجاه القرار الأمريكي بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء".

ويرتقبُ النواب البرلمانيون في المغرب، أن يقدّم وزير الخارجية، ناصر بوريطة، نتائج المباحثات التي أجراها مع ستافان دي ميستورا في الرباط، إذ تقدّم الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكي، بطلبٍ إلى رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج، لعقد اجتماع للجنة، للاطلاع على خلاصات اللقاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard