تفسير بيئي-اجتماعي... لماذا يكره اليهود والمسلمون الخنزير؟

الأحد 16 يناير 202210:37 ص

في جراحة هي الأولى من نوعها (أشرف عليها جرّاح مسلم)، تلقّى مريض مصاب بمرض قلبي نهائي في السابع من كانون الثاني/ يناير 2022 زرعاً ناجحاً لقلب خنزير معدّل وراثياً، في مركز جامعة ماريلاند الطبي. جاء ذلك بعد بضعة أشهر من إعلان جرّاحين في جامعة نيويورك نجاح تجربة زرع كِلية خنزير معدّلة وراثياً في جسد مريضة متوفاة دماغياً في أيلول/ سبتمبر 2021.

وبالتزامن مع احتفاء العالَم بالمنجزَيْن العلميين التاريخيين، واللذين يمثّلان مَعْلماً على طريق أبحاث زرع الأعضاء بين الأنواع (xenotransplantation)، والذي يأمل الباحثون في أن يعوّض ذات يوم النقص في عدد الأعضاء البشرية المتبرَّع بها للمرضى المحتاجين، انقسم الأزهريون بين مَن رأى أن "لا خصومة بين الإسلام وأي حيوان" ومَن رأى أن "الخنزير نجس بكل أعضائه وما ينفصل عنه من سوائل وأعضاء ولحوم وشحوم"، وعجّت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الناطقة بالعربية بتعليقات مستنكرة وشاجبة وبتفسيرات مؤامراتية لاستخدام أعضاء الخنازير في الزروع بدلاً من أعضاء الأبقار أو الأغنام، على سبيل المثال.

يمقت الملايين من اليهود ومئات الملايين من المسلمين الخنزير الذي يعدّه الكتاب المقدس والقرآن حيواناً نجساً يُحرّم أكل لحمه (أو لمسه، بحسب الكتاب المقدس)، على الرغم من حقيقة أنه يستطيع تحويل الحبوب والدرنيات إلى دهون عالية الدرجة وبروتين بكفاءة تفوق كفاءة أي حيوان آخر، ما يقودنا إلى التساؤل: لماذا يدين دينان جليلا القدْر حيواناً مسالماً، بل حتى محبّباً، يتلذّذ بلحمه الشطر الأكبر من الجنس البشري؟

في كتابه Cows, Pigs, Wars and Witches: The Riddles of Culture (نقله أحمد م. أحمد إلى العربية تحت عنوان "مقدّسات ومحرّمات وحروب: ألغاز الثقافة)، يحاول مارفن هاريس "تفسير أنماط من الحياة تبدو للوهلة الأولى لاعقلانية وغير قابلة للتفسير"، مثل كراهية اليهود والمسلمين للخنزير.

الخنزير محرّم لأنه محرّم

يسوق هاريس التفسيرات التي قدّمها الأكاديميون الذين يسلّمون بالإدانة الكتابية والقرآنية للخنزير، ويذكر أن التفسير الأشيع قبل عصر النهضة كان أن الخنزير بالمعنى الحرفي حيوان قذر، بل أقذر من الحيوانات الأخرى لأنه يتمرّغ في بوله ويأكل البراز. لكن ربط القذارة الفيزيائية بالمقت الديني يؤدي إلى التناقض، ذلك أن الأبقار التي تُربّى ضمن حيز مغلق تغوص هي الأخرى في بولها وروثها، كما أن الأبقار الجائعة ستأكل بإقبال البراز البشري، وتفعل الكلاب والدواجن الأمر ذاته من دون أن تثير في المرء الامتعاض الشديد.

ويرى هاريس أننا ندين لموسى بن ميمون، طبيب بلاط صلاح الدين في القرن الثاني عشر في القاهرة، بالتفسير الواقعي–الطبيعي للنبذ اليهودي والإسلامي للحم الخنزير، إذ قال إن الرب قصد من وراء حظره نظاماً صحياً شعبياً، لأن للحم الخنزير "أثراً ضاراً وسيئاً في الجسم".

يمقت الملايين من اليهود ومئات الملايين من المسلمين الخنزير الذي يعدّه الكتاب المقدس والقرآن حيواناً نجساً، ما يقودنا إلى التساؤل: لماذا يدين دينان جليلا القدْر حيواناً مسالماً يتلذّذ بلحمه الشطر الأكبر من الجنس البشري؟

في منتصف القرن التاسع عشر، اكتُشف أن سبب داء الشَّعْرية (Trichinosis) هو أكل لحم الخنزير غير مكتمل الطهو وفُسّر على أنه إثبات أكيد لحكمة ابن ميمون، ولكن يشوب تفسيره تناقضات طبية ووبائية. فعلى سبيل المثال، يُعدّ لحم العجل غير المطبوخ جيداً مصدراً للطفيليات، ولا سيما الديدان الشريطية، كما أن الأبقار والماعز والأغنام نواقل لداء البروسيلا، وتنقل الماعز والأغنام الحمى المالطية الأكثر خطورة. وأخيراً هناك مرض الجمرة الخبيثة الذي ينتقل من الأبقار والأغنام والماعز والأحصنة والبغال، لكن ليس من طريق الخنازير، والذي يمكن أن يتخذ مساراً سريعاً يبدأ ببثور على الجسد وينتهي بالموت بانسمام في الدم.

أما وقد ووجِه معظم اللاهوتيين اليهود والمسلمين بهذه التناقضات، فقد أقلعوا عن البحث عن أسس واقعية–طبيعية لكراهية الخنزير. وثمة موقف باطني يتمثّل في أنه يُنصح بالانسجام مع التحريم الغذائي من دون معرفة ماذا كان بالضبط في نية يهوه أو الله أن يقوله، ومن دون محاولة اكتشاف ذلك.

ولقد وصلت الأبحاث الأنثروبولوجية الحديثة إلى مأزق مشابه. فعلى سبيل المثال، أكد جيمس فريزر، مؤلف كتاب "الغصن الذهبي"، أن الخنازير، كما "سائر الحيوانات التي توصم بالقذارة، كانت في الأصل مقدسة، ويعود سبب عدم أكلها إلى أن الكثير منها كان في الأصل مقدساً". وهذا ما لن يأخذ به المرء، من حيث أن الأغنام والماعز والأبقار عُبدت قديماً في الشرق الأوسط، ومع ذلك أكلت لحومَها الجماعات الإثنية والدينية في المنطقة كلها.

اقترحت بحوث أخرى أن الخنازير، جنباً إلى جنب مع سائر الحيوانات المحرّمة في الكتاب المقدس والقرآن، كانت في ما مضى رموزاً طوطمية بالنسبة إلى عشائر قبلية مختلفة. ولكن لا تكون الطواطم عادةً من الحيوانات ذات الأهمية كمورد للغذاء. يُضاف إلى ذلك أنه حتى حين يكون حيوان مفيد ما هو الطوطم، لا توجد قاعدة ثابتة تحرّم على شركائه من البشر أكله.

التفسير البيئي–الاجتماعي لتحريم الخنزير

يعتقد هاريس أن التوراة والقرآن دانا الخنزير لأن تربيته تشكّل خطراً على المنظومات البيئية الأساسية للشرق الأوسط، إذ تنسجم المناطق التي قطنها العبرانيون والمسلمون الأوائل مع السهول والتلال غير الحرجية، لذلك تكون الحيوانات الداجنة الأفضل تكيفاً مع هذه المناطق هي المجترّات، بينما يُعدّ الخنزير كائن أحراج وضفاف أنهار مظللة في المقام الأول.

يعتقد هاريس أن التوراة والقرآن دانا الخنزير لأن تربيته تشكل خطراً على المنظومات البيئية الأساسية للشرق الأوسط، إذ تنسجم المناطق التي قطنها العبرانيون والمسلمون الأوائل مع السهول والتلال غير الحرجية، لذلك تكون الحيوانات الداجنة الأفضل تكيفاً هي المجترّات

وعلى الرغم من أن الخنزير من آكلي النبات والحيوان، إلا أن معظم ما يكسبه من وزن يأتي من الغذاء منخفض السللولوز، خصوصاً الحبوب، ما يجعله المنافس المباشر للإنسان. كما أن للخنزير سيئة إضافية في أنه ليس مصدراً عملياً للحليب ولا يمكنه الانتظام ضمن قطيع عبر المسافات الطويلة. بذلك، شكّل الحظر الإلهي للخنزير إستراتيجية بيئية سليمة.

في شروط ما قبل الصناعة، يُعدّ أي حيوان يُربّى في المقام الأول من أجل لحمه ترفاً. وفي أوساط الجماعات البشرية الزراعية والرعوية القديمة في الشرق الأوسط، كانت تُقدّر قيمة الحيوانات الأليفة بصفتها مصادر للحليب والأجبان والجلود والسماد والألياف والجر بغرض الحراثة، ولقد قدّمت الماعز والأغنام والأبقار قسماً وافراً من هذه المواد مع إضافة غذائية من اللحوم خالية الدهون بين الفينة والأخرى.

بناءً على ذلك، كان لا بد من أن يكون لحم الخنزير منذ البداية طعاماً كمالياً له مكانته بسبب خصائصه البضّة واللينة والدهنية، وكلما ازداد الإغواء تزداد الحاجة إلى تحريم إلهي، والشرق الأوسط هو المكان الخطأ لتربية الخنازير، فالأفضل إذاً أن يُحظر استهلاك لحم الخنزير بشكل كلي، ويُركّز على تربية الماعز والأغنام والأبقار.

يترك لنا هذا سؤالاً أخيراً: لماذا يستمر اليهود والمسلمون الذين لا يقطنون الشرق الأوسط اليوم، بتفاوت درجات الانضباط الصحي والحمية، في مراعاة القواعد الغذائية قديمة العهد؟

يذكّرنا هاريس هنا بأنه لا توجد تفسيرات بيئية لكل الممارسات المرتبطة بالطعام الموسوم بالرفض الديني، إذ للمحرّمات مهمات اجتماعية أيضاً، مثل مساعدة الناس في أن ينظروا إلى أنفسهم كونهم جماعة مميزة، الأمر الذي يفسر المراعاة المعاصرة للقواعد الغذائية الدينية وسط المسلمين واليهود خارج مواطنهم الشرق أوسطية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard