فلسفة "لحم الخنزير"... إدارة البلاد كمزارع تسمين

الخميس 28 مايو 202002:58 م

 الأخ الأكبر يعود... اعتباراً من هذا الأسبوع 24 ماي/ إيار، ستقوم الحكومة السويسرية باختبار تطبيق بشكل واسع في سويسرا، هذا التطبيق الاختياري بالطبع "SwissCovid" يتيح لمستخدمي الهواتف الذكية عبر استخدام البلوتووث" للكشف عن المصابين بكوفيد-19 من حولك، الذين هم أيضاً بالتأكيد يستخدمون التطبيق نفسه، ويوافقون على شروطه، حيث يمنح الطبيب للمصاب رمزاً من 12 رقماً، وهذا الشخص حرّ بكتابته في تطبيقه أولا، وبالتالي حر في الكشف عن لإصابته بكورونا أم لا لمن يتشاركون التطبيق معه، طبعاً مع إشارات عديدة من أن المعلومات السرية والتي لا يرغب المريض، أو مستخدم التطبيق بالكشف عنها ستبقى قيد الكتمان وهي الفكرة التي تقال في نهاية كل قرار من هذا النوع وعادة ما نلخصه بالتالي: بلا بلا بلا.

تمت الموافقة في العديد من البلدان الأوروبية على استخدام تطبيق يُعلم، بعد موافقة مستخدمه، المارون قربه، عبر تقنية بلوتوث، بأنه يحمل فيروس كوفيد-19، أو يخبره أنه قبل أسبوعين مثلاً كان قرب شخص مصاب بالفيروس، في عودة مدهشة "للأخ الأكبر" الذي يراقب الجميع ويقيس كمية انفعالاتهم

والتطبيق شبيه بتطبيق آخر- ويا للمفاجأة، تستطيع تنزيله من متجري أبل وجوجل أيضاً- كشفت عنه هذا الأسبوع شركات تكنولوجية كبرى، وتم اعتماده حتى الآن في ثلاث ولايات أميركية، لكن تمّت الموافقة عليه من قبل 22 دولة أخرى، مع تسمية أميركية هذه المرة "CrushCovid"، وهذا بالتأكيد نموذج عن الفكرة الأولى التي قامت بتنفيذها بعض الولايات الأميركية لتوظيف متتبعين للمصابين، لكن تمّ استبدال العنصر البشري بتطبيق يكشف هذه المرة المصابين بالفيروس أو الذين يشتبه بإصابتهم، وإعلام المشتركين عبر هواتفهم الذكية بوجود إصابة محتملة قريبة منهم ليكونوا أكثر حذراً.

ثمة نموذج آخر للانتهاك تمارسه الدول عندما تحاول الخروج من عباءة الشموليّة السياسيّة لتقع في فخِّ شموليةٍ أخرى، فضمن مشروع الحكومة الصينيّة 2020 لإنشاء نظام الائتمان الاجتماعي، لبناء مواطنين "نظيفي السمعة"، يتمّ منح كلّ مواطن درجات تتراوح بين 350 و950 درجة، اعتماداً على "مسموعيته" ويعتمد النظام هذا على أداة مراقبةٍ جماعيّة لتقييم وضع المواطنين الاقتصادي والاجتماعي وربما السياسي أيضاً، وتتمّ محاصرة المواطنين ضعيفي درجة التصنيف ضمن قطاعات النقل والسفر، التوظيف، الائتمان، رخص قيادة السيارات والدراجات وغيرها.

واللافت كان شموله مؤخّراً نظام الاتصالات، حيث يسمع المتصلون بشخصٍ مدينٍ رسالةً تقول: "تمّ إدراج الشخص الذي تتصل به على قائمة محكمة المقاطعة، يرجى حثّه على الوفاء بالتزاماته الماليّة...شكراً لك" ويتجاوز الاذلال حدّاً آخر، إذ في بعض المقاطعات يظهر بدائرةٍ قطرها 500 متر أسماء الأشخاص المتعثّرين ماليّاً على هواتف المارّة، لكن أيضاً تدعي الحكومة الصينية كما تقعل الأمريكية والأوربية أيضاً، بأن أي معلومة خاصة لن يتم.. بلا بلا بلا.

تقوم شركة "والمارت"، المختصّة بتجارة التجزئة والتي توظّف 1% من القوى العاملة في الولايات المتحدة (1.4) مليون عامل، بمنع المحادثات في الممرّات، وتطلق عليها اسم "سرقة الوقت"، وتمنع شركة "تايسون فودز" عمّالها من استراحة المرحاض، مما يضطرهم لوضع حفّاضات أطفال، أما شركة "أمازون" فتقوم بفحص إنتاجيّة عمّالها الكترونيّاً كلّ ساعة

نهاية الرأسمالية المتوحشة وولادة الرأسماليون المتوحشون

في نقاش جرى على إحدى الصحف الفرنسية في عام 2015 وردّاً على سؤال وجهه أحد القرّاء للمحلّل الاقتصادي للصحيفة: هل تخلصنا من الرأسمالية المتوحّشة؟

فيردّ المحلّل الكبير ويقول: لقد تخلّصنا من عمالة الأطفال، ومن ساعات العمل الطويلة، ومن أجر الكفاف، وفرضنا التأمين الصحّي والإجازات مدفوعة الثمن، نعم لقد تخلّص الغرب من الرأسماليّة المتوحّشة.

لكن مهلاً، لم يعد أحد يتحدّث عن حقوق العمال، أصبح العمال في ظلِّ طغيان المؤسّسات الخاصّة عناصر تشبه المكاتب أو الكراسي أو الخوذ، لقد تمّ انتهاك حقوقهم مرّة واحدة وإلى الأبد، بينما يستطيع العمال الحكوميّون القيام بالإضرابات والاعتراض على سياسات الحكومة، لا يمكن القيام بالأمر نفسه ضدّ الشركات الخاصّة، فقد طوّرت هذه الشركات أنظمةً ديكتاتوريّةً للغاية وفائقة الحقّ والصلاحية باستنزاف الحدود القصوى للقوانين الرأسماليّة، بدون أي رادع أخلاقي أو قانوني، حيث أصبحت تلك الشركات عبارة عن حكوماتٍ خاصّةٍ مصغّرة في بلدانها الأصليّة، لكنها أحياناً تدير حجم استثمارات وتحوي موظفين بقدر بلدٍ صغير.

الحكومات الخاصّة

نشأت ما تسمّى بدكتاتوريّة الأعمال الخاصّة أو الشركات الخاصّة مع ازدياد عدد الموّظفين وتشعّب العملية التشغيليّة، ففي حين نشأت الأفكار الأولى لليبراليّة الاقتصاديّة على فيضٍ من الإبداعات الفرديّة وتقديس مبدأ: دعه يعمل دعه يمرّ بتأثير من نظريات آدم سميث الاقتصاديّة في حرية التجارة،  تمّ لاحقاً محاصرة هذه الحرية بشدّة وقمعها، لدرجة أنها قيّدت حرية التعبير، أي أن الأمر وصل إلى الحقوق الدستوريّة في الشركات الضخمة، حيث يتعرّض العمال لمزيجٍ من المضايقات ولفقدان التأمينات الاجتماعيّة والصحيّة، ويتعرّضون للتحرّش الجنسي والعنصريّة، إضافةً للتلاعب النفسي الذي يخضعون له عبر "علم النفس الإيجابي" وهرطقات منظّري التدريب المهني، الذي يستهدف استنزاف قواهم العاملة لآخر قطرة.

جاء في تقرير حول وضع العمّال الأميركيين في الشركات الخاصّة الأميركيّة أن أكثر العمال تضرّراً هم الذين يعملون في السجون وفي قطاع الصحة والخدمات الصحّية، ثم قطاع الفنادق والزراعة، مراكز الاتصال، البيع بالتجزئة، فعلى سبيل المثال تقوم شركة "والمارت"، المختصّة بتجارة التجزئة والتي توظّف 1% من القوى العاملة في الولايات المتحدة (1.4) مليون عامل، بمنع المحادثات في الممرّات، وتطلق عليها اسم "سرقة الوقت"، وتمنع شركة "تايسون فودز" عمّالها من استراحة المرحاض، مما يضطرهم لوضع حفّاضات أطفال، أما شركة "أمازون" فتقوم بفحص إنتاجيّة عمّالها الكترونيّاً كلّ ساعة.

تقول اليزابيث أندرسون، أستاذة الفلسفة في جامعة ميشيغان، في كتاب: "الحكومة الخاّصة، كيف يحكم أرباب العمل حياتنا": "إذا فرضت علينا الحكومة الأميركيّة لوائح مماثلة لما يُفرض على العمال فسنحتجّ على انتهاك حقوقنا الدستوريّة، لكن العمّال الأميركيين ليس لديهم مثل هذا الحقّ ضدّ الرؤساء، وفي الحقيقة مجرّد وقوفهم ضدّ هذه القيود يمكن أن يفقدهم وظائفهم".

بمجرّد قيام العامل بالتوقيع على العقد يتخلّى عن نفسه لصالح الشركة، يبيع، ليس فقط قوّة عمله، بل أيضاً إرادته الحرّة في الاختيار، في الانضمام إلى النوادي، إلى النقابات، يبيع نفسه ببساطة لـ"شيطان العمل، ضمن وهم "الجدّ في العمل" و"التقدّم في المهنة"، يتمّ استنزاف قوّة العمل بشكلٍ كامل

ذلك أن الحرية الممنوحة لأرباب العمل تُبقي على شروط التعاقد المجحفة، والأمرُ مرهونٌ بوضوح عملية التعاقد، فبمجرّد قيام العامل بالتوقيع على العقد يتخلّى عن نفسه لصالح الشركة، يبيع، ليس فقط قوّة عمله، بل أيضاً إرادته الحرّة في الاختيار، في الانضمام إلى النوادي، إلى النقابات، يبيع نفسه ببساطة لـ"شيطان العمل"، فبينما كانت خيارات النظم الاقتصاديّة التقليديّة بين اقتصاد السوق الحرّ وبين سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، يعيش العامل البالغ تحت سيطرة نمطٍ ثالث، هو فاشيّة أصحاب الشركات، ضمن وهم "الجدّ في العمل" و"التقدّم في المهنة"، يتمّ استنزاف قوّة العمل بشكلٍ كامل.

والفاشية الجديدة الناشئة في أحضان الليبراليّة الاقتصاديّة، كما الحكومات، تستخدم سياساتٍ مماثلةً بدعوى المراقبة وتقسيم العمل، مثل المكافأة أو تأخير الترقية، المماثلة لسياسة الجزرة والعصا، بل أن بعض الشركات الكبرى لديها قوى أمنيّة خاصّة تعتقل من يقاوم النموذج المعمول به في الشركات.

هذا الإجحاف الذي يتستّر بغطاء الحريّة والتعاقد الحرّ، يقوم بتعزيز الاستبداد تحت وهم الحرية: العامل يبيع قوة عمله والتاجر يشتري.

ذلك أن العلاقة بين الطرفين غير مكتملة لأنها تفتقد لأهمّ عنصر في العلاقات الإنسانية الحقيقيّة وهو الكرامة والاهتمام، فالعلاقة في المولات الضخمة بين الموظف والمشتري لا تشبه العلاقة بين الخبّاز والزبون، تقول أندرسون: "المشتري ليس موظّفاً يبحث عن خدمة"، هو لا يأمر الخبّاز أو الجزّار بمنحه ثمار عمله، يحتاج المشترون والباعة أن يهتمّوا بمصالح بعضهم البعض، حيث يتعهّد كلّ طرف من جهته بالاحتفاظ بكرامته واستقلاله الشخصي الذي يؤكّده الطرف الآخر، إنه نموذج العلاقات الاجتماعيّة الإنسانيّة بين الناس الأحرار والمتساوين.

الأعمال المميتة

لا ريب أن مياهاً كثيرة جرت منذ البيان الشيوعي 1848، ثم انتصار الليبراليّة الرأسماليّة الساحق، ولا ريب أن التحوّلات تلك لم تكن تجري بنعومة، إنما بوحشيةٍ فائقة، لكن الحكومات الاستبداديّة، على اختلاف شعاراتها المعلنة، صارت أكثر جبناً وارتهاناً لرأس المال، ولم تعد راغبةً بفرض التحوّلات بشكلٍ قسري، بل صارت تستخدم فلسفة "لحم الخنزير" والتعبير للمعارض الحائز على نوبل للسلام في 2010 الصيني ليو شياو باو، حيث يتمّ كلّ شيء بحيث تغفو الخنازير "أي السكّان" عندما تشبع وتأكل عندما تستيقظ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard