تهريب الكبتاغون... لماذا يحاسب الخليج لبنان ويتسامح مع النظام السوري؟

الجمعة 14 يناير 202212:00 ص

في اليوم الأخير من العام 2021، أصدرت البحرين مرسوماً قضى بتعيين السفير وحيد مبارك سيار، رئيساً للبعثة الدبلوماسية للمملكة لدى سوريا، بلقب "سفير فوق العادة مفوّض". أتى التعيين بعد عشر سنوات من تخفيض مستوى العلاقات بين البلدين، عقب بدء الثورة السورية.

وانفتاح البحرين على النظام السوري ليس جديداً، إذ استأنفت في عام 2018، العمل في سفارتها في دمشق، وكذلك السفارة السورية في المنامة، وتزامن الحدث أيضاً مع إعادة الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في دمشق.

وعلى الرغم من أنّ سفير السعودية لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، أكّد في كلمة عن حقوق الإنسان ألقاها في مقر الأمم، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، رفض الرياض فكرة أن تحذو حذو دول عربية اتخذت خطواتٍ لتطبيع علاقاتها مع دمشق، مؤخراً، إلا أن المعطيات تُشير إلى زيارات سريّة لمسؤولين في الدولتين.

تهافت الدول العربية للتصالح مع نظام بشار الأسد، حليف إيران الأول، بعد سنوات من الحرب التي قادها ضد السوريين المنتفضين عام 2011، قابلته مقاطعة خليجية (باستثناء قطر وسلطنة عُمان)، للبنان، بدأت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، غداة تصريح وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي، في 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حول الحرب في اليمن، واصفاً إياها بالعبثية.

ازدادت الأوضاع سوءاً بين الخليج ولبنان مع محاولات عدة لتهريب مادة الكبتاغون إلى عدد من الدول الخليجية، أبرزها بواسطة الفواكه والخضار

وازدادت الأوضاع سوءاً مع محاولات عدة لتهريب مادة الكبتاغون إلى عدد من الدول الخليجية، أبرزها بواسطة الفواكه والخضار، وأولى عمليات التهريب من لبنان وفق الطرق الجديدة، بدأت في نيسان/ أبريل 2021، حين ضبطت الجمارك السعودية أكثر من 5.3 مليون حبة كبتاغون مُخبّأةً ضمن شحنة من الرمّان، فأوقفت استيراد الفواكه والخضار من لبنان.

وشهد شهر كانون الأول/ ديسمبر 2021، نشاطاً غير مسبوق، في محاولات تهريب "الكبتاغون" من لبنان إلى دول مجلس التعاون الخليجي، أُحبطت جميعها بالتنسيق بين الجهات الأمنية في تلك الدول، وبين الأجهزة اللبنانية، من دون ذكر أي اسم لموقوف، أو للجهة المتورطة فيها، والاكتفاء بالتلميح، من قبل الدول الخليجية، إلى أن حزب الله هو من يدعم تلك الأنشطة.

وذكرت القوى الأمنية اللبنانية، في كانون الأول/ ديسمبر، أنها داهمت مستودعاً في منطقة بئر حسن ( جنوب بيروت، ومعقل حزب الله)، ضبطت فيه أربعة ملايين حبة كبتاغون مخبأة بشكل احترافي داخل شحنة من أكياس البن، كانت جاهزةً للشحن من لبنان إلى الأردن، ومن ثم إلى السعودية، من دون أن يذكر البيان سوريا، مع العلم أن الطريق إلى الأردن يمرّ بدرعا السورية.

قبل يومين من نهاية العام 2021، خرج وزير الداخلية اللبناني، بسام المولوي، ليعلن عن إحباط تهريب تسعة ملايين حبة كبتاغون مخدّرة إلى إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، عبر مرفأ بيروت، ولم يحدد الوزير تلك الدولة. في اليوم عينه، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية ضبط تسعة ملايين حبة من المخدّر المذكور، قبل تهريبها من بيروت براً إلى الكويت بواسطة شحنات برتقال، وبالتنسيق بين الأجهزة الأمنية الكويتية واللبنانية.

تُصنَّع حبوب الكبتاغون بمعظمها داخل سوريا، وجزء منها يُعدّ في لبنان، والآلة التي توضّب حبوب الكبتاغون وغيرها داخل الحمضيات، استوردتها الشبكة من أوكرانيا، ويعمل عليها فريق عمل كبير بين الحدود اللبنانية-السورية

قبل بيان المولوي بخمسة أيام، أعلنت شرطة دبي توقيف أربعة مقيمين قالت إنهم من جنسية عربية، حاولوا تهريب أكثر من مليون قرص من الكبتاغون، أخفوها في شحنة ليمون، ولم تعلن عن جنسية هؤلاء، ولا أسمائهم، لكنها نشرت فيديو يظهر أكياساً تحوي المخدرات مخفيةً في حبات ليمون بلاستيكية مخلوطة بفاكهة ليمون حقيقي، وتُظهر صور العملية المنشورة عبارة "صنع في لبنان" على الصناديق المحجوزة.

يُشير مصدر أمني لبناني رفض ذكر اسمه، إلى أن "عدم ذكر أسماء الموقوفين من الطرفين اللبناني والخليجي، هو لأسباب أمنية، لأن هناك رؤوساً كبيرة نتعقّبها في لبنان، ومن خلال الموقوفين سنصل إليها"، ويضيف لرصيف22: "الحبوب تُصنَّع بمعظمها داخل سوريا، وجزء منها يُعدّ في لبنان، والآلة التي توضّب حبوب الكبتاغون وغيرها داخل الحمضيات، استوردتها الشبكة من أوكرانيا، ويعمل عليها فريق عمل كبير يتجاوز الستين شخصاً بين الحدود اللبنانية-السورية".

وفي سؤال عمّا إذا كان هناك تنسيق بين الجهات الأمنية اللبنانية والسورية للكشف عن تلك الأسماء، يتحفظ المصدر عن الإجابة، كونها "مسائل أمنيةً حساسةً، ولا نقدر التصريح أكثر من ذلك".

تتركز ردود الفعل الخليجية على لبنان فحسب، في وقتٍ يستمر فيه الانفتاح على النظام السوري، والمصانع في أكثر من منطقة سورية، تعمل تحت إشراف الأمن السوري

اللافت في كُل ما سبق، أن المُعطيات تُشير إلى أن تصنيع حبوب الكبتاغون بغالبيته يحصل في سوريا، وجزء بسيط منه يحصل في لبنان، إلا أن ردود الفعل الخليجية تتركز على لبنان فحسب، في وقتٍ يستمر فيه الانفتاح على النظام السوري، مع العلم أيضاً أن المصانع المنتشرة من درعا إلى حمص، وغيرها من المناطق، تعمل تحت إشراف الأمن السوري وعناصر من الميليشيات اللبنانية والإيرانية، وحمايتهم.

لا يرى الباحث السياسي البحريني، عبد الله الجنيد، في حديثه إلى رصيف22، أن لبنان وسوريا يتماثلان بكونهما مصدرين متوازيين لعمليات التهريب، فبرأيه، "سوريا لا تُعدّ دولةً ذات سيادة على أراضيها في الوضع الراهن، نتيجةً للحرب الدائرة، أما لبنان فهو دولة اختارت التفريط بسيادتها طوعاً".

ويضيف: "لذلك لم يكن قرار الدول بسحب السفراء كردة فعل على استهداف حزب الله لدول الخليج العربية بدعم الإرهاب وتصدير المخدرات، إنما هو موقف رافض لدعم حالة الدولة الفاشلة في لبنان، أو شرعنتها".

من وجهة نظر العميد السعودي المتقاعد، محمد قبيبان، فإنّ "إعادة فتح سفارتي البحرين والإمارات، هي مبادرة لتشجيع الدول الخليجية للإقدام على تلك الخطوة، لإرجاع سوريا إلى مقعدها على خريطة الدول العربية، وطبعاً جامعة الدول العربية لاحقاً".

ويُضيف: "موضوع تهريب المخدرات إلى السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، الآتية من سوريا ولبنان، لا يمكن حلّها في الوقت الراهن، إلا عبر التحاور مع سوريا، مع الإشارة إلى أن الرئيس السوري بشار الأسد لديه ازدواجية في الخطاب، إذ يبعث رسائل تبدو أنها إيجابية للمنطقة ولمصالحه، لكن فعلياً لم يعمل جدّياً مع المسؤولين، بدليل أن خطاب أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الأخير، وما فيه من تصعيد ضد الخليج والسعودية تحديداً، دليل على أن عملية تهريب المخدرات والأسلحة من سوريا إلى لبنان مستمرة".

تقول دول الخليج إن هذا الكيل بمكيالين مرده إلى أن حزب الله هو من يدير السلطة في لبنان، فيما يكون التبرير بما خص سوريا متناقضاً لكنّه يُركز على الإشارات الإيجابية التي يُرسلها الأسد 

ولكن لماذا محاسبة لبنان بهذه الطريقة، من دون حتى المرور على ذكر النظام السوري؟ يقول القبيبان: "الوضع اللبناني مختلف عن سوريا، بيد أنه بات معلوماً أن حزب الله هو من يدير السلطة في لبنان. لا توجد حكومة لبنانية متوازنة، والكلمة هي للحزب في ظل صمت رئيس الجمهورية والسلطات التشريعية والتنفيذية في لبنان، وقادة الخليج لن يتحاوروا مع الميليشيات. أما في سوريا، فهناك قوات عظمى تتدخل فيها، كروسيا وأمريكا وإيران، وهذا يتطلب مبادرات دبلوماسية لحل هذا المشهد المعقّد، وحتى لو عادت العلاقات بين السعودية وسوريا، فهي ستكون دبلوماسيةً فحسب، حتى يتم الاتفاق لاحقاً على التفاصيل الأخرى".

من جهته، يقول مصدر دبلوماسي إماراتي: "موضوع تهريب المخدرات هو جزء من ملفات كثيرة في لبنان، منها تهريب الأسلحة، ونصر الله لا يكتفي بذلك، بل يهاجم دول الخليج علناً، ويهدد من لبنان، وليس من سوريا، وبعض المسؤولين هناك (أي لبنان)، يصدرون بيانات استنكار ليس إلا، لكن مع سوريا نتحاور مع نظام رسمي، ويحتاج الأمر إلى قنوات دبلوماسية رسمية حتى نبدأ بحل المشكلات تباعاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard