تحالفات "المستقبل" بدأت تتبلور... لماذا لا يعوّل العراقيون على المستقلّين؟

الأربعاء 12 يناير 202204:12 م

غيّرت الانتخابات الأخيرة من شكل الخريطة السياسية في العراق، إذ برزت قوى وشخصيات جديدة، وأفل في الوقت ذاته نجم أحزاب كانت تهيمن على السياسة في البلاد لسنوات، ما سبب حالةً من الإرباك، وتوقعاتٍ باحتدام الصراع والحرب الأهلية، فيما نشأت ائتلافات وتحالفات جديدة من شأنها إضفاء تأثيرها على الواقع السياسي والتشريعي في البلد.

الخلاف بين القوى التقليدية لم يهدأ حتى الآن، خاصةً في ظل استمرار المفاوضات بين الكتل، واحتمال الائتلاف في ما بينها، لتشكيل الكتلة الأكبر، ومن ثم تشكيل الحكومة، أو المساهمة بشكلٍ بارزٍ في ذلك.

يؤكد المحلل السياسي، سلام العزاوي، هذا الاتجاه خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن "خريطة التحالفات لا تزال مبهمةً حتى الآن، في ظل استمرار المفاوضات بين الكتل، ولا سيما الإطار التنسيقي الذي فشل في مفاوضاته مع التيار الصدري، والكتل السنية، فوجّه جهوده نحو المستقلين، من أجل زيادة عدد مقاعده النيابية، ومن ثم المساهمة بشكلٍ فاعلٍ في تشكيل الحكومة المقبلة". 

خريطة التحالفات لا تزال مبهمة، في ظل استمرار المفاوضات بين الكتل، ولا سيما الإطار التنسيقي الذي فشل في مفاوضاته مع التيار الصدري، والكتل السنية

في هذا الوقت، استطاع التيار الصدري التفاوض مع الكتل السنّية والكردية، بالإضافة إلى مستقلين آخرين لم يعلن عنهم. وذهبت الكتل السنّية إلى التوافق في ما بينها، إذ أُعلن عن تحالف جديد بين "تقدم" الذي يتزعمه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، و"عزم" الذي يترأسه خميس الخنجر، في قائمةٍ مكوّنةٍ من 74 نائباً.

يرغب السنّة من خلال هذا التحالف، في فرض استقلالية قرارهم السياسي، بمعزل عن ضغوط بقية القوى، والمساهمة في الحكومة من خلال مرشحيهم، حسب الباحث في الشأن السياسي العراقي، عثمان الموصلي، الذي يرى أن "هذا التحالف بدأ يوسّع عدد نوابه، من خلال انضمام المستقلين السنّة إليه"، ولكنّه يؤكد في الوقت ذاته، أن "التحالف السنّي مؤقت، وغرضه المحافظة على سلطاتهم، ومن ثم التفكك بعد تشكيل الحكومة لانتهاء الحاجة إليه".

ولم تشهد القوى الكردية أي اندماج أو تفاهم مشترك في ما بينها، ولكنها عمدت إلى التوافق مع الكتل السنية والتيار الصدري، يدفعها إلى ذلك رفضها عودة الإطار التنسيقي إلى الواجهة السياسية، ويعزو الموصلي هذا الرفض إلى "نبذهم تولّي نوري المالكي، منصب رئاسة الوزراء، بسبب الخلافات حول سياسته السابقة".

لم تكن الكيانات المنبثقة عن تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر، بمعزل عن التحالفات الجديدة، إذ أُعلن عن تشكيل تحالف يجمع حركتي امتداد والجيل الجديد الكردية، ويرجّح الموصلي أن "يكون هناك تفاهم مشترك بين المستقلين والكتل التشرينية، ويخص منها إشراقة تشرين، والجبهة الشعبية المستقلة التي شكّلها ستة نواب مستقلون".

تقول المعلومات إن معظم المستقلين قد استقروا بالفعل إلى جانب الكتل السياسية التقليدية، ولا سيما التيار الصدري، ولكنهم يعمدون إلى إخفاء هذا التقارب، لضمان استمرار التأييد الشعبي لهم

ويحوز المستقلون حالياً ما يقارب 30 مقعداً في البرلمان الجديد، وتسعى الكتل التقليدية إلى استقطابهم. يؤكد مصدر من داخل البرلمان العراقي أن "معظم المستقلين قد استقروا بالفعل إلى جانب الكتل السياسية التقليدية، ولا سيما التيار الصدري، ولكنهم يعمدون إلى إخفاء هذا التقارب، لضمان استمرار التأييد الشعبي لهم، إذ انتخب الشعب هؤلاء المستقلين رغبةً في التغيير والابتعاد عن السياسيين التقليديين".

ويتساءل العراقيون إن كانت هذه التحالفات ستغيّر من الواقع السياسي في البلد. لا يعتقد الباحث السياسي محمد العزي، أن "لهذه الكتل القابلية لهذا التغيير"، ويُرجع سبب ذلك إلى "محدودية خبرة المستقلين السياسية، كما لا تستطيع كتل تشرين المساهمة بشكل فاعل بسبب قلة عدد مقاعدها أمام بقية الكتل، وهي أدركت أنها أمام امتحان صعب، لذا تحاول اجتيازه من خلال التوافق مع التحالفات المقاربة لنظرتها السياسية، من دون الاندماج معها".

في هذا الوقت، قلّة من يعتقدون أن التحالفات السياسية ستأتي بجديد، خاصةً أن الكتلة الأكبر هي من الأحزاب التقليدية التي لا تزال تتصارع على جاري العادة، قبل تشكيل أي حكومة، إلا أن العزاوي يُرجّح أن "التحالفات الجديدة ستضيف فكراً سياسياً جديداً من شأنه تغيير واقع العراق التشريعي في المستقبل القريب".

يحوز المستقلون حالياً ما يقارب 30 مقعداً في البرلمان الجديد، وتسعى الكتل التقليدية إلى استقطابهم

في الجانب الشعبي، فإن خلاف الرأي حول هذه التحالفات يضع المجتمع العراقي أمام رأيين متناقضين، يعبّر أحدهما عن الترقب والأمل بمستقبل أفضل، ويعزز رأيه بأن هذه التحالفات، وخاصةً المستقلة منها، قد تؤثّر على الفكر السياسي التقليدي، حسب المحامي علاء البياتي، 37 عاماً من بغداد، والذي أعرب عن أمله بالتغيير والتقدم نحو الأفضل خلال السنوات القليلة القادمة.

ويُفسر رأيه بأن "الكتل السياسية أدركت مدى الاستياء الشعبي إزاء السياسات السابقة، وخاصةً في الانتخابات الأخيرة، لذلك تحاول التأقلم مع المستجدات، وكسب المستقلين الذين عايشوا معاناة الناس خلال السنوات السابقة، ومن ثم تساعد هذه الفئة في إيصال رغبات الشعب إلى الطبقة السياسية التقليدية".

يذهب علي الموسوي، 42 عاماً، وهو محامٍ من بغداد، إلى الاعتقاد بأن "هذه التحالفات لن تقدّم أي جديد، وهي تحاول زيادة عدد مقاعدها داخل البرلمان، من أجل المساهمة في صناعة القرار، والحفاظ على نفوذها داخل المؤسسات السيادية في البلد"، فيما يرفض فكرة أن تكون لهذه التحالفات جوانب إيجابية للواقعَين التشريعي والسيادي.

ويتفق عمر الصفار، 33 عاماً، ويعمل في وزارة الثقافة، مع طرح الموسوي، لافتاً إلى أن "التوافق بين الكتل السياسية يهدف في الأساس إلى تحقيق مكاسب سياسية أخرى، بغضّ النظر عن وعودها بالتمسك ببرامجها الانتخابية المعبّرة عن تطلعات الشعب، ورغباته، وبذلك يرتفع احتمال إهمالها لهذه البرامج مستقبلاً".

بحسب الكثير من العراقيين فإن التوافق بين الكتل السياسية يهدف في الأساس إلى تحقيق مكاسب سياسية أخرى، بغضّ النظر عن وعودها بالتمسك ببرامجها الانتخابية المعبّرة عن تطلعات الشعب ورغباته

ويعرب سجاد مجبل، 59 عاماً، ويعمل سائق تاكسي، عن أسفه لواقع البلد الحالي، متّهماً السياسيين بدمار العراق. في اعتقاده، أن التحالفات الحالية بين الكتل التقليدية، أو مع المستجدين، ستسبب إرباكاً بسبب اختلاف توجهاتها السياسية، وحداثة دخول المستقلين إلى المعترك السياسي، ما يسهّل على الكتل القديمة إمكان تمرير القوانين والتفاهمات بعيداً عنهم، وتجاهل أراء التكتلات والائتلافات الضعيفة".

حتى الآن، لا تزال الفرص متاحةً أمام كلٍّ من المستقلين والأحزاب السياسية لكسب بعضهم البعض، ولكن هل سيؤدّي النواب الجدد، أو المستقلون، واجبهم الرئيسي، والتعبير عن رغبات الشعب؟ أم ستستمر مسرحية الإهمال، وعدم تنفيذ الوعود الرنانة التي أُطرب الشعب بها طوال فترة الترشيح والتحضير للانتخابات؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard