رأس السنة الأمازيغية "عيد رسمي"... حلم مغربي طال انتظاره

الأربعاء 12 يناير 202201:45 م

تتجدد مع مطلع كل سنة، دعوات ناشطين أمازيغ في المغرب، لإقرار رأس السنة الأمازيغية، المعروفة باسم "إيض / كانون الثاني/ يناير"، الذي يصادف يوم 12  كانون الثاني/ يناير من كل سنة، وتعود إلى الواجهة مطالب بجعل هذا اليوم عيداً مكرّساً كسائر الأعياد الدينية والوطنية، وعطلةً رسميةً على غرار رأسي السنة الميلادية والهجرية، إلاّ أنه، وكسائر السنوات الماضية، لم تبدِ الحكومة أي استعداد للاستجابة لمطالب الحركة الأمازيغية التي دأبت على المطالبة بإقراره عطلةً رسميةً بعد دستور 2011، الذي جعل من الأمازيغية لغةً رسميةً في المغرب.

من جهتها، لم تعبّر الحكومة المغربية عن نيتها إقرار هذا المطلب المتجدّد كل سنة، واكتفت خلال مؤتمرها الصحافي المنعقد عقب اجتماع المجلس الحكومي، الخميس الماضي، بأن صرح الناطق الرسمي باسمها، مصطفى بيتاس بالقول: "سنحتفل جميعاً بهذا اليوم كما يجب، وبقوة".

مع الاحتفال برأس السنة الأمازيغية تعود الانتقادات للحكومة المغربية لعدم جعلها اليوم عطلة وطنية رغم الطابع الدستوري للثقافة واللغة الأمازيغية

رأس السنة الأمازيغية طقس ثقافي وأنثروبولوجي يحتفل المغاربة به، أو من يُصطلح عليهم تاريخياً بسكان شمال إفريقيا، باختلاف لغاتهم ولهجاتهم وعاداتهم، وقاسمهم المشترك هو الهوية الأمازيغية التي تربّوا عليها، ووُلدوا في أرض يقولون إنها إرث لأمازيغ شمال إفريقيا.

صمت حكومي

المنسق الوطني لمشروع حزب التجمع من أجل التغيير الديموقراطي، عمر إسرى، قال في حديثه إلى رصيف22، إنهم يستقبلون السنة الأمازيغية الجديدة، وكلهم أمل بأن يتم الإعلان عن هذه المناسبة عيداً وطنياً، وعطلةً رسميةً، كما يورد أن الحكومة الجديدة لم تقم بأي مبادرة ذات أهمية لصالح الأمازيغية إلى حد الآن؛ سمعنا الكثير من الشعارات، والكثير من الوعود، ونحن ننتظر. إذا قامت هذه الحكومة بمبادرات في هذا الاتجاه سنصفق لها من دون مواربة، لكننا سنؤاخذها إن استمرت على نهج الحكومة السابقة نفسه، والتي كانت حصيلتها سلبيةً على جميع المستويات.

يضيف إسرى: "نحن مشروع حزب سياسي شبابي يتبنى 'تمغربيت' شعاراً خالداً له، و'تمغربيت' بالنسبة إلينا تعني أيضاً الانتصار لهذا التنوع الثقافي واللغوي الذي تزخر به بلادنا. نحن نفتخر بأمازيغيتنا، لكن كذلك بدارجتنا وحسانيتنا، وبعمقينا الإفريقي والمتوسطي، وكذا بالإسلام كجزء من منظومتنا الثقافية، وبالعربية كلغة رسمية إلى جانب الأمازيغية، من دون نسيان المكون اليهودي. هذه الفسيفساء هي عامل قوة لوحدتنا ونهضتنا المأمولة".

ويتابع: "نحن نطالب بتكريس السنة الأمازيغية، لأننا ننتصر للدستور أولاً، ولتاريخنا العريق ثانياً، ولمكون أساسي لهويتنا الجماعية، ولمنظومة "تمغربيت" التي بنينا عليها مشروعنا، الأمر يتعلق كذلك بتثمين موروث ثقافي وتاريخي أصيل هو بمثابة رأسمال لا مادي غني جداً، وفي الوقت نفسه فالاحتفال الرسمي بهذه المناسبة سيرسخ في عقول الناشئة، وفي وجدانهم، الافتخار بالانتماء إلى بلد عريق، وتقوية الارتباط بالأرض، والانتصار للوطن وقضاياه المصيرية.

المسألة رمزية، لكن لها أبعاداً عميقة إذا ربطناها بتمكين الشباب والأجيال الصاعدة من تملك تاريخهم العريق وجعلناهم يتشبثون بخصوصياتهم وحضارتهم، لأن استحضار التاريخ مهم جداً لبناء الحاضر والمستقبل".

أما مسألة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية الذي نص عليه دستور 2011، فيقول إسرى إن هذا مطلب ملح لا يحتمل الانتظار، بعد هدر السنوات العشر الأخيرة من دون مبادرات تُذكر في هذا الاتجاه. ما يجب أن تقوم به الحكومة هو تسريع إدماج الأمازيغية في جميع القطاعات ومجالات الحياة العامة، أسوةً بشقيقتها العربية، كلغتين رسميتين، ويتابع: "من دون نسيان إعادة الاعتبار إلى دارجتنا التي تُعدّ لغةً بينيةً صقلها التمازج التاريخي بين الأمازيغية والعربية ولغات أخرى، وكذا الحسانية، من دون أن ننسى المكون العبري اليهودي".

ويختم إسرى حديثه بالقول: "نحن في مشروعنا ننتصر لكل مكونات هويتنا الجمعية كمغاربة، وروافدها، من دون تمييز يُذكر، وهذا الأمر سيكون عاملاً قوياً لتحقيق نهضة وطنية شاملة، وترسيخاً لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المغاربة".

مصيرها التجاهل؟

يرى الإعلامي والناشط الحقوقي الأمازيغي، سعيد الفرواح، في تصريح لرصيف22، أن الحكومة المغربية تجاهلت كلياً الدعوات المتعلقة بإقرار رأس السنة الأمازيغية كعيد وطني رسمي، ولم يصدر عنها أي رد مباشر حول ما إذا كانت ستتخذ قراراً بهذا الخصوص، أم لا؛ لم تنف ولم تؤكد، واقتصر الناطق الرسمي باسمها بجواب مراوغ حول سؤال بهذا الخصوص، بقوله: "إنهم سيحتفلون بها هذه السنة كما يجب"، ولا نعلم قصده بهذا القول ما دامت الحكومة لم تعلن عن أي احتفال، كما لم تجب عن التساؤلات حول إقرار هذه المناسبة من عدمه، ناهيك عن كون الناطق الرسمي باسم الحكومة تناسى ذكر مقترح قانون لإقرار السنة الأمازيغية سبق له تقديمه في البرلمان قبل سنة في إطار المزايدات الانتخابية على ما يبدو، ما دام لم يأتِ على ذكره بتاتا.

أما بخصوص الحركة الأمازيغية، فيقول الفرواح إنها اكتفت بعادتها في رأس السنة الأمازيغية بالمطالبة بإقرار هذه المناسبة الرمزية، ولكن هناك انحساراً للاحتفاء بها، وذلك راجع إلى رغبة جزء من الناشطين الأمازيغ في ترك الفراغ بما يُحرج حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي استغل الأمازيغية على نحو غير مسبوق في الحملة الانتخابية، واليوم وهو في الحكومة ينكشف زيف ادعاءاته حولها، بتقاعسه عن اتخاذ قرار رمزي بسيط يجعل السنة الأمازيغية عيداً رسمياً. بل أكثر من ذلك، يواجه الدعوات لاتخاذ ذلك القرار بالصمت والتهرب من التوضيح الصريح.

من جهته، يرى الباحث الأكاديمي صاحب كتاب الأمازيغية والحزب، عبد الله بوشطارت، في حديث إلى رصيف22، أن رأس السنة الأمازيغية، أو ما يُعرف شعبياً في كل مناطق المغرب بـ"إيناير"، أو السنة الفلاحية، ويتم تخليدها بطرق مختلفة ومتنوعة، ولكنها تجسد في نهاية المطاف الاحتفال بالزراعة، إذ يعمل الأمازيغ على تناول بعض المأكولات التي يتم استخراجها من الأرض، وطهيها، كالحبوب والقطاني والخضر والكسكس، حسب طبيعة المنتوجات الزراعية في كل منطقة. تاريخياً، لا يمكن معرفة الزمن الذي بدأت فيه هذه الاحتفالات؛ ربما بدأت منذ اكتشاف الأمازيغ الزراعة، والتعامل مع الزمن، لأن الأمازيغ بحكم أنهم مجتمعات زراعية ورعوية كانت تحتاج إلى ضبط الدورة الزمنية للفصول، وبما أنهم مجتمعات قديمة جداً في شمال إفريقيا، فإنها تطورت مع البنية التاريخية الطويلة من مرحلة الصيد، إلى مرحلة الزراعة، ثم مرحلة النقش والكتابة... إلخ، فلا جدوى من البحث عن أصول الاحتفال، وبدايته، أو تخليد السنة الأمازيغية، لأنها غير مرتبطة بحدثٍ ديني، أو بميلاد شخصية مقدسة، أو بشيء من هذا القبيل، فهي غير مرتبطة بالدين كما هو الحال في التقويم الزمني المعروف في العالم حالياً، هي مرتبطة بعلاقة الإنسان مع الأرض، فهي تخلد الزراعة، وهذا ما يتضح في التسمية التي أُطلقت عليها في مرحلة من المراحل، "السنة الفلاحية". لكنه في الأصل تخليد اليوم الأول من الشهر الأول في السنة الجديدة، "إيض إيناير"، والتي هي تركيب من "يان" و" أيور"، أي الشهر الأول.

تاريخ رمزي

يورد بوشطارت أنه على المستوى التأريخي، فإن الحركة الأمازيغية المعاصرة في عموم شمال إفريقيا، والتي ظهرت في مرحلة ما بعد الاستقلال، أي ما بعد 1960، حصل شبه إجماع على ضرورة التأريخ للسنة الأمازيغية، وضرورة تقعيده وتقويمه من أجل مأسسته. وحصل إجماع على اختيار حدث وصول الأمازيغ إلى الحكم في الأسر الفرعونية المصرية سنة 950 قبل الميلاد، بفضل الملك أگليد شيشونغ (شيشنق)، إذ تولى حكم الأسرة رقم 22 في تاريخ الأسر الفرعونية. عُرفت أسرته بالأسرة الليبية، بحكم أن الأمازيغ آنذاك كانوا يُسمّون بالليبيين. إذاً، هذا الاختيار تم في العقود الأخيرة في إطار النهضة الأمازيغية المعاصرة التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا خلال القرن الـ20، وذلك لتأريخ السنة، وجعل تقويم أمازيغي سليم يرافق احتفالات "إيض إيناير".

"نطالب بتكريس السنة الأمازيغية، لأننا ننتصر للدستور أولاً، ولتاريخنا العريق ثانياً، ولمكون أساسي لهويتنا الجماعية، ولمنظومة "تمغربيت"". #رأس_السنة_الأمازيغية

وعن طقس التخليد، يقول بوشطارت إنه يكشف عن عدة قيم كانت منغرسةً ومتجذرةً في المجتمعات الأمازيغية، أهمها الوعي بالزمن، ثم الاحتفال بالأرض، وتخليد الزراعة، والتيمّن بمحصول جيد في السنة المقبلة، ثم إن الطقوس التي يتم تنظيمها تنم عن الكثير من مظاهر الحضارة القديمة التي تتميز بها الشعوب الزراعية القديمة.

اليوم، هذا التخليد، وهذا التأريخ، ينتظران المأسسة والترسيم من الدول الحاكمة في شمال إفريقيا، بعد صدور دساتير رسمت واعترفت باللغة الأمازيغية في كلٍّ من المغرب والجزائر، وننتظر من الدول الأخرى، خاصةً تونس وليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا، أن تتخلص من الأيديولوجيات، وأن تعترف بهوية الأرض والشعوب.

يورد علي خداوي، الباحث في الثقافة الأمازيغية، في تدوينة على فيسبوك، أن الاحتفال برأس السنة، أو إيض سكاس، يدخل في إطار الذاكرة الجماعية لكل سكان شمال إفريقيا، بغض النظر عن لغتهم الأمّ اليوم، وهذا التذكير بالبديهيات الجغرافية والتاريخية والأنتروبولوجية واللسانية، وهذا التدقيق في مصطلحات الأمازيغ والأمازيغية، هدفهما رفع اللبس الذي يواجه به خصوم الحقوق الطبيعية والمشروعة للحركة الأمازيغية، عن وعي، أو عن جهل في غالب الأحيان، كما أنها حركة اجتماعية وحقوقية وسياسية تناضل من أجل تجاوز الهتك الاستعماري الذي عرفته تامازغا، وتصحيح الأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها الدول في هذه المنطقة منذ الاستقلال في حق شعوبها.

الأمازيغية تراث مشترك

ويرى خداوي أن الأمازيغية هي ذلك التراث المادي، وغير المادي المشترك، وهي تلك التقاليد والعادات والقيم الإنسانية الموروثة، كاحترام المرأة والتضامن (تيوزي)، والتقاليد الديمقراطية كمؤسسة أمغارن المنتخبة مباشرةً من طرف السكّان (داخل القبيلة أو التحالف القبلية). كما أن الأمازيغية هي تلك المقومات الفنية والحضارية التي تعطي للمغرب تميّزه بين الأمم في انفتاح دائم يتم فيه التكييف بين التقليد والحداثة، إذ إنه في الوقت نفسه الذي تحيلنا فيه على قرون من الوجود على هذه الأرض، انفتحت على كل الديانات السماوية، وعلى كل الثقافات واللغات الوافدة التي احتكت معها، وتعاملت معها في أخذٍ وعطاء.

مطلب ترسيم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الأمازيغية، أضحى بالنسبة إلى كثيرين ضروريا يخرج الثقافة من "سجن الفلكلور" إلى واقع يومي للمغاربة على اختلاف ألسنتهم ومرجعياتهم.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard