جماليات النصّ القرآني من إيران إلى ألمانيا... في حوار مع الكاتب نَفيد كِرماني

الاثنين 17 يناير 202205:47 م

الباحث والكاتب الألماني من أصول إيرانية، نَفيد كِرماني، ولد عام 1967 في زيجن بألمانيا. بدأ مشواره في الكتابة في عالم الصحافة واتسعت اهتماماته يوماً بعد يوم لتشمل أشكالاً واتجاهات مختلفة. ويحتل اليوم موقعاً متميزاً ضمن ألمع الباحثين في حقل دراسات الشرق الأوسط، ويعتبره الكثيرون جسرَ تواصل مهماً بين الشرق والغرب وحاز كِرماني على جوائز عدة منها ميدالية "بوبر- روزنتسفايج"، وجائزة "كلايست" الثقافية، فضلاً عن "جوزيف برايتباخ"، الجائزة الأعلى شأناً في ألمانيا، كما حصل على منحة "فيلا ماسيمو" في روما. علماً أنه أحد أعضاء الأكاديمية الألمانية للغة والشعر وعضو في المؤتمر الإسلامي في ألمانيا،  فضلاً عن عضويته في أكاديمية هامبورغ للعلوم.


أنت من مواليد 1967، ما هي أسباب هجرة العائلة لألمانيا؟ وما هي الأجواء التي كانت محيطة بك؟

أنا مولود لأب وأم من أصول إيرانية وقد تركا إيران عام 1959، وتوجها نحو ألمانيا في أعقاب الانقلاب الذي جرى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد حكومة محمد مصدق -الداعية لتأميم البترول في البلاد-، وأدى ذلك إلى فقدان كثير من الشباب للأمل في ذلك الوقت. وتم استقبالهما في ألمانيا بالأحضان، وكان وراء هذا الترحيب أن المانيا كانت بحاجة إلى متخصصين في مجالات كثيرة، وكان لديها عجز وتحتاج إلى هذه القوة العاملة والمتخصصة. وأنا الابن الرابع لأبي.

إخوتي كلهم تخصصوا في مجال الطب، وكذلك أعمامي وخيلاني، وشعر أبي بخيبة أمل كبيرة لأنني لم أدرس الطب، وقد نلت بعض الرضا منه بعدما حصلت على درجة الدكتوراه في تخصص علوم الاستشراق.

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كان هناك تعددية ثقافية ولكن لم يكن يشار إليها، ولم يتم تناول هذا الموضوع من الأساس، ولكن التعدد الثقافي موجود، لكنه لم يكن مطروحاً للنقاش. وفي مطلع الثمانينيات حدثت أول الاعتداءات على الأجانب في ألمانيا، ومن هنا بدأ تناول هذا الموضوع، وجاء موضوع الأصولية الإسلامية والإرهاب، وأخذ يكبر ويكبر.

في العالم العربي القرآن جزء من الثقافة الأدبية، بينما في إيران عندما يودّ الناس الاستماع إلى نصوص أدبية يستمعون إلى الرومي، حافظ الشيرازي، وعمر الخيام، ومن هنا بدأت أبحث في هذا الأمر

في مطلع شبابي لم يكن يلعب هذا أي دور على الإطلاق. كنت أتحدث الفارسية في المنزل والألمانية في المجال العام والمدرسة، ولم يكن هذا يعرضني للمضايقات في بدء الأمر. عندما تم تناول هذا الموضوع كان الحديث عن الأتراك لأنهم يشكلون العدد الأكبر من ذوي الأصول الأجنبية الموجودين في ألمانيا، ولم أشعر أنني معني بما يتم تناوله. ثم انتقل الحديث في مرحلة تالية للكلام عن الأجانب، وبالطبع شعرت أن ذلك يلمسني، ولكن تعدى الموضوع ذلك، ثم أصبح الكلام عن المسلمين والأصولية الإسلامية، وبالتالي تم تحويل الكلام لأسلمة الموضوع بدلاً من التعددية الثقافية.

تنوعت دراستك بين علم الدين الإسلامى والفلسفة والمسرح في مدينتيْ كولن وبون وأيضاً القاهرة، حدثنا عن هذه الدراسات.

لم أدرس اللاهوت الإسلامي، ولكنني درست اللغة العربية والفارسية في إطار علم الاستشراق، وفي هذا الإطار تناولتُ نصوص الدين. كنت شاباً يافعاً عندما أتيت إلى القاهرة ودرست بها لمدة عام، وكان عاماً حاسماً بالنسبة لي. كنت أسمع دائماً القرآن، فكان يتم الاستماع إليه في كل مكان حتى في التاكسي، ولم أر ذلك في أي مكان آخر.

ذات يوم سألت سائق التاكسي لماذا تستمع إلى القرآن دوماً؟ فأجابني لأنه جميل جداً. إن سألت شخصاً مسيحياً نفس السؤال عن الإنجيل، سوف يقول لأنه ينتمي إليه روحياً. وكان لدي صديق قبطي واصطحبني معه لتلاوة القرآن الكريم، وعندما سألته لماذا تصطحبني لتلاوة القرآن الكريم، قال لأنها شيء جميل.

القرآن نص أساسي في الثقافة العربية بغضّ النظر عن الديانة، وهو في صميم الثقافة العربية وجمالياتها، وكان هذا أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن يستمع شخص إلى نص لأسباب جمالية بحتة. خلال ذلك العام في القاهرة كنت أذهب لأماكن تلاوة القرآن الكريم وأستمتع، وللأسف انحسرت هذه الظاهرة الآن، ولم يعد هناك أماكن كثيرة لتلاوة القرآن.

القرآن هنا جزء من الثقافة الأدبية، بينما في إيران عندما يودّ الناس الاستماع إلى نصوص أدبية يستمعون إلى الرومي، حافظ الشيرازي، سعدي، وعمر الخيام، ومن هنا بدأت أبحث في هذا الأمر.

تعرفت على نصر حامد أبو زيد، وأصبح معلمي وقد لعب ذلك دوراً كبيراً في اتجاهي للبحث

موضوع علاقة الأدب بالدين يشغلني منذ 30 عاماً، ومن هنا بدأت في دراسة الدين الإسلامي، واكتشفت أن معظم من دخلوا الإسلام في صدر الإسلام كان نتيجة استماعهم للقرآن الكريم وانبهارهم به، مثل عمر بن الخطاب. وللأسف العلاقة الوثيقة بين الأدب والدين ضاعت في عصر الحداثة. وقد بدأت دراستى في نفس العام الذي قدم فيه نصر حامد أبو زيد دراسته بخصوص النص.

ما الذي قام به نصر حامد أبو زيد؟

الذي قام به أنه جمع بين دراسات الأدب، ونقل الأدب ودراسات تحليل النصوص الدينية، الأمر الذي كان يتم القيام به من قبل علماء الدين منذ قديم الزمن، وكان رد فعل الرأي العام الذي يعاني من الجهل الشديد وعدم الإلمام بتاريخه في هذه الفترة في المنطقة أنه اتهم نصر حامد أبو زيد بالكفر. وقد تعرفت عليه في ما بعد وأصبح معلمي، وقد لعب ذلك دوراً كبيراً في اتجاهي للبحث.

أنت من أصول مسلمة، كيف يتعامل المجتمع الألماني مع المسلمين؟ وهل هناك مشاكل تواجه المسلمين في ألمانيا؟

نعم هناك مشكلات مثل التي تحدث في أوروبا حيث أن عملية الرفض تتزايد. ما أود أن أقوله هو أن الدولة لا تمارس أي نوع من أنواع التميز ضد المسلمين، ولا القضاء، ولا المحاكم. المسلمون سواسية أمام القانون. المشكلة مشكلة مجتمع، وهناك كتب سيئة تساهم في ذلك، كما أن هناك كثيراً من التحفظات ضد المسلمين والدولة تسعى إلى الحوار بشكل دائم.

كنت عضواً فى مؤتمر الإسلام لمدة ثلاث سنوات فى بداية تأسيسه؛ كانت هناك محاولات لجمع لمّ شمل الروابط الإسلامية حيث أنه لا توجد منظمة واحدة ينضوي تحتها كافة المسلمين، إضافة إلى ذلك، تكتلات الإسلام والمسلمين هي تكتلات قومية؛ فهناك على سبيل المثال المسلمون الأتراك وغيرهم، وبالتالي لا توجد منظمة واحدة تتحدث باسم الإسلام.

هل هناك بالفعل صراع بين أوروبا والدين الإسلامى؟ وكيف ترصده؟

أعتقد أن هناك الكثيرين ممن يسعون إلى إيجاد هذا الصراع، ولكن من وجهة نظري هؤلاء أعداء لأوروبا، لأنهم يعملون ضد الفكرة الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي؛ فكرة أوروبا القائمة على فكر وأدباء القرن الـ19 من عصر التنوير، حيث لم تكن الفكرةُ الأساسية سوالَ من أين أتيت؟، ولا ما هي أصولك أو جذورك؟ ولكن مدى إيمان الشخص بحقوق الإنسان والإنسانية، والبحث عن هذا الصراع يضرب هذه الأفكار في مقتل. لذلك نجد أن تلك الأحزاب المعادية لأوروبا يعملون كوحدة مشتركة لأنهم ضد هذه الفكرة فكرة التنوير.

كيف رصدتَ علاقة المسلمين بالقرآن الكريم من خلال كتابك "بلاغة النور، جماليات النص القرآني"؟

أريد أن أقول شيئاً عن ترجمة الكتاب؛ هذه الترجمة كارثة، حيث ترجموا الأحاديث النبوية والنصوص التراثية ترجمةً مباشرة من اللغة الألمانية إلى العربية، لأنهم أكسل من أن يبحثوا ويدققوا ويرجعوها إلى أصلها العربي. كانوا يريدون الحصول على الأموال من المؤسسة الألمانية المانحة.

كانوا ستة أو سبعة مترجمين، وهذا مؤشر يظهر إلى أي مدى لا يتم احترام الكِتاب. ولا أعني كتابي شخصياً، ولكن الكتاب ككتاب. لذا أحاول دوماً إخفاء هذه الترجمة، ولكن هناك ترجمة جيدة جداً إلى اللغة الإنكليزية، وقريباً ستصدر ترجمة جيدة إلى الفرنسية، وكان أمل نصر حامد أبو زيد قبل أن يموت بقليل أن يحصل على ترجمة جيدة إلى العربية يستطيع أن يقرأها، ولكن للأسف توفي قبل أن يتحقق ذلك.

من خلال تتبعي لتاريخ تلقي القرآن الكريم، وجدت أن الناس كان لديهم علاقة طيبة مع القرآن الكريم بصفته نصاً تلعب الكلمة فيه دوراً محورياً، فعلى سبيل المثال إذا فتحنا أحد التفاسير، وليكن تفسير الطبرى أو الزمخشرى، نجد الآية الكريمة، ونجد إحالات إلى تفسيرات؛ قال فلان، وتفسير فلان، ثم يقول الطبري أو الزمخشري رأيهم: أما أنا فأقول كذا وكذا، وينتهي الكلام بـ"الله أعلم"، بما يعنى إفساح المجال لتفسيرات أخرى.

حين كنت في القاهرة ذات يوم سألت سائق التاكسي لماذا تستمع إلى القرآن دوماً؟ فأجابني لأنه جميل جداً. إن سألت شخصاً مسيحياً نفس السؤال عن الإنجيل، سوف يقول لأنه ينتمي إليه روحياً

وهناك آخرون مثل عبد القادر الجرجاني الذي كان يحلل بشكل أدبي، وذكرتُ ذلك في كتابي، وبالرغم أن هذه التفاسير ليست أدبية، ولكن التعامل مع النص القرآني مفهوم، ويعطي للمقطع أكثر من معنى، وهو شيء فى صميم طبيعة الأدب، حيث أن بيت الشعر وليكن لأدونيس أو محمود درويش يحمل أكثر من معنى، وهو متعدد الأوجه. كذلك أيضاً طبيعة القرآن الكريم الذي يحتمل أكثر من تفسير، وقد كان كل مفسري القرآن الكريم الكلاسيكيين القدامى لديهم هذا المفهوم، ولذلك كان معظمهم مفسرين للأدب.

أثر القرآن الكريم على الثقافة العربية والإسلامية تأثيراً جباراً؛ على سبيل المثال فيروز عندما تغني فهي متأثرة بالقرآن الكريم، وقد درست علم التلاوة، وحتى شاعر مثل أدونيس الذي لا يعتبر نفسه مؤمناً شديداً، إلا أنه في كتاباته يستعين بالقرآن الكريم ويستخدمه.

من خلال كتابك "على دروب اللاجئين عبر أوروبا" تقدم تحقيقاً حول أوضاع اللاجئين ممن سلكوا طريق البلقان، ماذا رصدت من خلال هذا الكتاب؟

أرصد أموراً عديدة أبرزها أن مشكلة اللاجئين لم تبدأ عام 2015، بل قبل ذلك بعدة سنوات، حيث كان هناك الآلاف يموتون كل عام في البحر المتوسط، ولقد رصدنا بعد 2015 مخيمات اللاجئين في الجنوب التي أنشأتها الأمم المتحدة، وقد انخفضت المخصصات المالية الخاصة بها إلى النصف، كما قلّت الإمدادات العينية بشكل كبير نتيجة لفشل سابق لعام 2015.

كان هناك فشل أوروبي كبير في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه اللاجئين وأيضاً عدم توحيد التوجهات تجاه الربيع العربي، حيث كان ساركوزي يمدّ الرئيس التونسي بن على بالأسلحة أثناء الربيع العربي، بينما نزل وزير الخارجية الألماني إلى ميدان التحرير لتحية الثوار عقب ثورة 25 يناير.

لا أريد أن أقول إن عام 2015 عام الانفجار؛ الانفجار حدث قبل ذلك، ولكن هو كما أسميه "لحظة بزوغ الحقيقة"، حيث أدرك الألمان والأوروبيون أن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام في الخارج، وقد اتخذت ألمانيا على صعيد الدولة وعلى صعيد المجتمع خطوةً شجاعة، عندما استقبلوهم عام 2015 بترحاب شديد لمّا كانوا على الطريق السريع وكانت خطوة يجب الثناء عليها.

حصلت عبر مشوارك على العديد من الجوائز، ولكن ماذا يعني لك حصولك على جائزة "السلام" وهي أهم جائزة ثقافية ألمانية منحت لك كوافد مسلم؟

المشاعر التي أشعر بها تجاه هذه الجائزة نفس مشاعر أي شخص غير مسلم كان سيحصل عليها، حيث أن لها قيمة كبيرة لدي ولدى عائلتي، فمنذ صباي كان لدينا تقليد أسَري، حيث كنا نجلس كلّ عام نشاهد إعلان الجائزة، وكانت تسلَّم في الخريف في أحد أيام الأحد، وتُبثّ مباشراً، وكنا نتجمع في المنزل ونشاهد هذا الاحتفال.

بالتالي نشأتُ على إدراك أهمية هذه الجائزة وقد ألقيت كلمة في حفل تسليم الجائزة، وتمّت ترجمتها للعديد من اللغات، وكنت أتمنى وقتها بشدة أن يتمّ تداول هذه الكلمة التي ألقيتها، وتتناول رحلتي في 30 عاماً بما فيها إلى سوريا، وأتمنى أن يتمّ تداول هذا النص بشكل أو بآخر.


ترجمة: د. منار عمر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard