Metoo# في الجامعات المغربية... تحرّر الكلام عن الاستغلال والابتزاز الجنسي للطالبات

MAIN_Me-too-Morocco

الثلاثاء 11 يناير 202204:13 م

"إذا كنتِ ضحية تحرش جنسي في المدرسة، أو الجامعة التي تدرسين، أو تدرس فيها، أرسلي وأرسل شهادتك دون ذكر الاسم مصحوبةً بالهاشتاغ metoouniv# "؛ كان هذا إشعار الحملة الرقمية التي أطلقها ائتلاف "خارجات عن القانون" في المغرب، لكسر جدار الصمت حول قضايا الابتزاز الجنسي داخل "الحرم الجامعي".

النقاط مقابل الجنس

ما أدى إلى المبادرة التي خلقت "مي تو" المغربية، تعودُ إلى بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حين قرر الوكيل العام للملك في محكمة الاستئناف في مدينة سطات، متابعة أستاذ جامعي في جامعة الحسن الأول في حالة اعتقال، على خلفية تهمة هتك عرض طالبة، وممارسة الجنس معها مقابل منحها نقاطاً جيدة.

بذلك تفجرت واقعة "الجنس مقابل النقاط"، التي ندّد بها بعض الأساتذة الجامعيين سابقا، وتداولتها الصحافة المغربية بشكل واسع في السنوات الأخيرة، بعد تداولٍ واسعٍ لصور محادثات "إباحية" بين أستاذ وطالبة، ومقايضتها بالجنس مقابل تزوير النقاط، ومساعدتها في الترشح لشهادتي الماستر والدكتوراه، وهو ما دفع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى فتح تحقيقٍ في الموضوع.

تفجرت واقعة "الجنس مقابل النقاط"، بعد تداولٍ صور محادثات "إباحية" بين أستاذ وطالبة، ومقايضتها بالجنس مقابل تزوير النقاط، ليتحرّر الغضب والكلام عن الابتزاز الجنسي.  ولادة لحركة "MeTOO" في الجامعة المغربية

هذه القضايا التي خرجت إلى العلن، دفعت إلى موجة احتجاج في أوساط الطلبة والطالبات في مجموعة من المؤسسات الجامعية، وانتشار شهادات لحالات أخرى من الابتزاز الجنسي في كلٍّ من "المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير"، في مدينة وجدة (شرق المغرب)، على خلفية تعرض إحدى الطالبات للابتزاز من قِبل أستاذ جامعي، ثم في "مدرسة الملك فهد العليا للترجمة" في طنجة (شمال المغرب)، بعد وضع 12 طالباً وطالبةً شكوى لدى النيابة العامة، ضد أستاذ عرض فيديو إباحياً على طالبة خلال الحصة.

وفي اتصال برصيف22، استهجنت مجموعة من الطالبات اللواتي درسن في مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، ما تعرّضت له الطالبة من تحرش وابتزاز، داعياتٍ الطالبات ضحايا الابتزاز الجنسي كلهن، للتبليغ وتقديم شكاوى بكل جرأة، لكسر الصمت والخوف السائدَين بينهن.

المتهمون أمام العدالة

باشرت المحكمة الابتدائية في مدينة طنجة، أولى جلسات البث في قضية الأستاذ الجامعي المتابَع في حالة الاعتقال، بعد وضعه تحت الحراسة النظرية، إذ حددت يوم 21 كانون الثاني/ يناير الحالي، تاريخاً لبدء النظر في الملف، بعد إعفاء الأستاذ المتهم بالتحرش الجنسي، واستبداله بأستاذة لاستكمال بقية المحاضرات، كما أوردت منابر إعلامية محلية.

على مستوى جامعة محمد الأول في وجدة، راسلت وزارة التعليم العالي رئاسة الجامعة نفسها، بعد تقرير المفتشية العامة، على خلفية ما عرفته المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، إذ ارتأت توقيف الأستاذ المتهم فوراً، عن ممارسة مهامه كأستاذ مكلّف بمجموعة من الوحدات، ورئيسٍ لشعبة التدبير، والتسريع في مجلس تأديبي استعجالي بحقه، إلى جانب إعفاء كل من نائبة المدير، والكاتب العام للمدرسة من مهامهما، ومطالبة مدير المؤسسة بالاستقالة الفورية. 


وأدانت منظمات دولية ما تعرضت له مجموعة من الطالبات من ابتزاز جنسي، إذ استهجن فرع المغرب لمنظمة "ترانسبرانسي الدولية"، في بيانٍ، ما عدّه عنفاً يحطّ من كرامة الطالبات، ويعرّض سلامتهن المعنوية والجسدية للضرر، كما نوّهت بالمتابعة القضائية السريعة التي تقدمت بها وزارة التعليم العالي، والمؤسسات الجامعية كلها، على خلفية ما حدث.

من جهة أخرى، دعت المنظمة إلى عدّ الابتزاز الجنسي شكلاً من أشكال الرشوة وشطط السلطة ضمن مشروع القانون الجنائي، كما حثّت السلطات العمومية على "اتخاذ كل التدابير الاستباقية في كل الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة، لمواجهة ظاهرة الابتزاز الجنسي، واعتماد وسائل آمنة للإنصات والاستماع واستقبال الشكاوى والتعبئة، لعدم إفلات مرتكبيها من العقاب".

"لن ندافع عن سمعة الجامعة"

وسط غليان الطلبة والطالبات، وسيادة انطباع "الاستياء" من الأستاذ الجامعي، قرّر عدد من الأساتذة الاصطفاف إلى جانب موقف "النقابة الوطنية للتعليم العالي"، التي دافعت عن هيئة الأساتذة، واستهجنت "حملة التشهير" التي تعرضوا لها، على خلفية قضايا الأساتذة المتابَعين بشبهة الابتزاز الجنسي في الجامعة.

مقابل ذلك، رفض أساتذة آخرون هذه المبادرة التي يرومُ أصحابها الدفاع عن "سمعة" الأستاذ الجامعي، وعن سمعة الجامعة، لأن مبادرة الدفاع عن "شرف الأساتذة" لم تستهجن الممارسات المشينة التي أسقطت أساتذةً أمام العدالة، في ما بات يُعرف إعلامياً بالابتزاز الجنسي للطالبات.

وإلى جانب ذلك، فإن "هذه الفضيحة لا تهمّ الأساتذة الباحثين كهيئة، بل تهم المعنيين بها كأفراد تصرفوا من منطلقات ذاتية شخصية"، كما ورد في بلاغٍ وقعته كل من الأستاذة الجامعية لطيفة البوحسيني، والأستاذ الجامعي عدنان الجزولي.

الأساتذة في الميزان؟

لتوضيح هذا الموقف، قالت الأستاذة الجامعية، لطيفة البوحسيني، لرصيف22، إنه "لسنا في حاجة إلى الدفاع عن سمعة الجامعة، لأن سمعتها ليست إيجابيةً لأسباب متعددة، من بينها القضية التي انفجرت اليوم"، موضحةً أنه "إذا كانت هناك فرصة ملائمة للدفاع عن سمعة الجامعة، فهي أن نقف بالضبط ضد أي تصرف وأي سلوك مشينَين، كالابتزاز واستغلال موقع السلطة بين الأستاذ والطالبة، مقابل النقاط أو أشياء أخرى".

شهادات الطالبات عن الابتزاز الذي يتعرضن له من طرف الأساتذة أدت إلى محاكمات وفتح تحقيق في عدة قضايا. لكن الكثير من الأساتذة الرجال دافعوا عن سمعة "الأساتذة" بدل التنديد بهذه السلوكيات المسيئة للجامعة

وأضافت البوحسيني، رداً على الأساتذة الذين فتحوا النقاش حول سمعة الجامعة: "لا يمكنني أن أستوعب أنه يجب أن ندافع عن السمعة، السمعة لا ندافع عنها، لأنها تفرض نفسها، وهي تحصيل حاصل، وسلوك وتصرف يوميان يُبنيان على مدى زمني، ويفرضان ذاتهما سواء بشكل إيجابي، أو سلبي".

البوحسيني التي استغربت اللقاءات التي نظّمتها مجموعة من الأساتذة للدفاع عن سمعة الأستاذ الجامعي، شدّدت على أن "سمعة الجامعة لن تردّها لقاءات بين عدد من الرجال، وما سيردّها هو أن نقوم بعملنا ومهامنا في ما يتعلق بالتكوين والتعليم والبحث، الملقاة على عاتق الأستاذ الجامعي على أحسن وجه، وأن نتصرف بناءً على قيم، ونكون أمثلةً يُحتذى بها في ما يتعلق بالاستقامة والنزاهة والمصداقية، وهذا ما سيعيد إلى الجامعة سمعتها".

وفي هذا السياق، رأت الأستاذة الجامعية أن "الذين ينظّمون مثل هذه اللقاءات، يشعرون وكأنهم معنيون بالأمر، وأقصد بذلك أنهم يشعرون بأنهم في قفص الاتهام"، مضيفةً أن "الأستاذ البريء والمتّزن والمستقيم الذي يقوم بمهامه على أحسن وجه، لا يشعر بتاتاً بأنه معنيٌّ بهذا الأمر"، رافضةً بذلك "كيف أننا في مواجهة ابتزاز واستغلال وتحرش جنسي، وبقدرة قادر نتحول إلى فئة تدافع عن نفسها من شرٍّ يأتيها من الخارج".

مبرّرات المدافعين

موقف آخر يدعو إلى التوضيح، وليس الدفاع عن سمعة الجامعة، يُعبّر عنه الأستاذ الجامعي عبد الرحيم العلام، مؤكداً بدوره أنه يجب دق ناقوس الخطر، وليس شيطنة الجامعة، ومحاكمتها، المبالَغ في توصيفهما بشكل مغلوط، كما لو أنها "وكر للدعارة"، حسب تعبيره.

ويرى العلام، في تصريح لرصيف22، أن "هناك من يحقد على الجامعة، ويتربص بها، من أجل الهجوم على الأستاذ الجامعي، والتحامل عليه. نحن في حربٍ، الكل فيها ضد الكل، لتشويه سمعة مجموعة من الوظائف، إلى أن يثبت العكس"، مؤكداً في الوقت ذاته أن "هناك ابتزازاً جنسياً ومالياً يمارَس على الطلبة، لكن ليس من طرف الأساتذة كلهم".

وفي هذا السياق، يرفض الأستاذ الجامعي أن "يكون الابتزاز الجنسي من طرف الأستاذ، والاستغلال من طرف الطالب والطالبة"، داعياً المتضرر من الطلبة إلى التعبير عن أي تعرض لهم لما أسماها جريمة الابتزاز، وهي الرشوة الجنسية، مُحمّلاً بذلك "جهات متعددة المسؤولية".

ولم ترُق مبادرة الدفاع عن سمعة الجامعة لبعض الطلبة، بالنظر إلى مشكلات كثيرة تنخر الوسط الجامعي من جهة، ثم إلى تغييب الصوت النسائي في النقاش الذي فتحته مجموعة من أساتذة التعليم العالي من الرجال، حول الموضوع نفسه.

في هذا الصدد، قالت مريم بليل، طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، في تصريح لرصيف22: "لا أتّفق مع الحملة، لأن هناك مناسباتٍ كثيرةً يمكن للأساتذة فيها أن يطلقوا حملةً لإنقاذ سمعة الجامعة"، مُتسائلةً: "لماذا يكون التحرك دائماً حين يتعلق الأمر بقضايا تمسّ النساء، خاصةً مثل هذه القضايا التي تكون فيها النساء في حلقة أضعف، ما دامت هناك مشكلات الغش والاكتظاظ والتحصيل الدراسي الضعيف لعدد من الطلبة؟".

واستهجنت المتحدثة بدورها، ظاهرة التحرش الجنسي الذي "ينخر المجتمع من الشارع إلى الجامعة إلى كل الفضاءات العمومية والمهنية. أما ربطه بالجامعة، فيزيد الأمر هولاً وصعوبةً، لأن المفترض أنها مركز للعلم والتثقيف، ومركز لتكوين النخبة".

تغييب النساء

وعلى مستوى آخر، انتقدت بليل غياب الأستاذات الجامعيات، والطالبات والطلبة، عن النقاش الذي أطلقته مجموعة من الأساتذة الرجال، وأكدت أنه "حتى إذا كان من المهم أن تتم مناقشة هذه الإشكاليات من زاوية الدفاع عن سمعة الجامعة، كان يجب إشراك النساء".

وأسفت المتحدثة لغياب "وجهة نظر نسائية وطلابية خلال ندوة تم تنظيمها، فهذا يدلّ على الذكورية في التعاطي مع هذه المواضيع، في حين أن إشكالات التحرش يمكن أن تتسبب بتوقف النساء عن الدراسة، وبمشكلات عائلية، وعقد نفسية".

الملاحظة نفسها، شدّدت عليها الأستاذة لطيفة البوحسيني، إذ تساءلت: "لا أفهمُ كيف تتجرأ مجموعة من الأساتذة الرجال ليست بينهم امرأة واحدة، سجلت نفسها للدفاع عن هذه السمعة التي يراد بها شرّ؟"، مؤكدةً أنه "من المفترض مبدئياً الاصطفاف إلى جانب القيم النبيلة، وضمن إطارها أنه لا يمكن أن نضل الطريق، وأن ننحو نحو الدفاع عن سمعة الجامعة، والحال أننا أمام حالات تحرش جنسي تقدمت بشأنها براهين ودلائل مادية وملموسة".

ورأت المتحدثة أن "من يريد أن يدافع عن سمعة الجامعة، هو الذي يدين بشكل قاطع وحاسم سلوكيات التحرش الجنسي، واستغلال السلطة من أجل الابتزاز الجنسي الذي ينتج عن تراتبية العلاقة بين الأستاذ والطالبة، ولا يبررها".

ورداً على من يريد الدفاع عن الجامعة، قالت الأستاذة الجامعية: "لا يمكنكم أن تتكلموا إلا بأسمائكم الشخصية، وليس لكم الحق في أن تقحموا إطار أستاذ جامعي للدفاع عن سمعة الجامعة، لأن أي أستاذ جامعي يحترم نفسه، ولا يتصرف ضمن إطار الابتزاز، لا يشعر بتاتاً بأنه معني بالأمر".

وفي هذا السياق، أشارت المتحدثة إلى أن "القانون لا يستهدف الأساتذة الجامعيين، أو الجامعة كهيئة، بل الأفراد من داخل الجامعة الذين استغلوا سلطتهم التراتبية لممارسة الابتزاز"، ودعت إلى إسقاط جدار الصمت والخوف أكثر فأكثر، وتعبير الطالبات عما تعرّضن له بالأدلة الملموسة، وهو ما يحدث في فضاء الإنترنت الذي صار مساحةً للإفصاح عن المسكوت عنه، ونقل "العار" إلى معسكر المتحرشين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard