أصعب ما في هجرتي استيعاب حقيقة وجود حياة آمنة

الثلاثاء 11 يناير 202210:21 ص

أيّامٌ قليلة وأُتمّ عامي الأول في مونتريال. 358 يوماً، وثمانية آلاف كيلومتر، وبحرٌ، ومحيطٌ، وقارّتان، يحجبون عني مدينتي. لكن عقدة الناجي تأبى تركي وشأني. يلتصق الشعور بالذنب فيّ كظلّي. التشبيه ليس دقيقاً، فحتّى ظلّي لم أَرَه هذه السنة سوى مرّات معدودة، حلّت فيها الشمس ضيفةً على بلدٍ أشدّ برودةً من تخت امرأة زوّجوها قريبها قسراً. حتّى يومنا هذا، تسترجع ذاكرتي مشاهد الدمار والدماء عقب انفجار مرفأ بيروت، وأحلم بأنّني نائمة في الغرفة الضيقة التي كنت أعمل فيها 15 ساعةً في اليوم، لأتمكّن من تسديد بدل إيجارها، والتمتّع بحدّ أدنى من الاستقلالية. تطاردني خيبات الأمل، وأستغرق شهوراً لأتجرّأ على استعادة الحلم بمستقبل يرضي طموحي. إنجازٌ رائع شكّل عائقاً أمام فرحي به، عجزُ من لم يجد بعد سبيلاً للهروب.

لستُ من هواة الوقوف على الأطلال، ولا أنتظر من شيءٍ البقاء على حاله. التغيير لا مفرّ منه في عمليّة تطوّر الحضارات، إلّا أنّ حاجتي إلى الشعور بالانتماء، تفوق حاجة مُخترع فكرة الإله إلى أجوبة تشعره بالاطمئنان، وتُلقي المسؤولية عن عاتقه

تبدّلت في السنوات الأخيرة معالم بيروت؛ الشوارع الصاخبة باتت لا تنقصها سوى نبتة صبّار، حتى تخالها مشهداً من فيلم سينمائي صُوّر في صحراء المكسيك. تكاد تسمع الموسيقى التصويرية التي غالباً ما ترافق هذا النوع من المشاهد. وجوه المارّة التي كنت تصادفها في الشوارع باتت باهتةً وخاليةً من أي تعبير، ووقع خطاهم يرغمك على الظّن أنّ أوزاناً حديديةً تلفّ أرجلهم. سائقو التاكسي قلّ كلامهم، وفقدوا قدرتهم الإبداعية على نسج روايات عن أمجادهم، والشركات التي كانوا يديرونها في بلاد الاغتراب. حتّى بائعو الورد، خفّ إلحاحهم إلى درجة أنك لم تعد مضطرّاً إلى إغلاق نافذة السيارة، لتجنّب دعواتهم بأن تُرزَق بصبيّ. في كلّ الأحوال، كان على مشغّلهم تحديث أساليبهم التسويقية، فعدد اللا إنجابيين ما انفكّ يرتفع في ظلّ الأزمات المتتالية التي خبطت البلاد.

لم يقتصر تغيّر المعالم على المدينة وشوارعها فحسب، فالروابط الاجتماعية، وأسس بناء العلاقات تبدّلت هي أيضاً، حتى تحرّرت طرق التعارف من cliché لقاءٍ عابر في حانة رقصت فيها مع أصدقائك، ثمّ دعوتم إلى "الترويقة" زبوناً طردكم الساقي وإياه بلباقةٍ عند الخامسة صباحاً، لينال قسطاً من النوم قبل بزوغ الشمس، لتُسجَن في قالب جديد قوامه المنفعة، سواء أكانت ماديةً كعلاقتك الحديثة بجارك منذ عشر سنوات، بهدف تقاسم ثمن الوقود في طريقكم إلى العمل، أو معنويّةً كما عندما يدور حديث بينك وبين صديق صديقتك، فيفاجئك بابتسامة ونظرة إيجابية للأمور تؤنس أفكارك السوداويّة مؤخراً، وتخفّف من وطأة اكتئابك، فتتخذه صديقاً.

ربّما أصعب ما في انتقالي إلى مونتريال، كان استيعاب حقيقة وجود حياة آمنة هادئة، يجدها مملّةً ومجرّدةً من الرّوح كلّ من اعتادوا خوض المعارك للحصول على أبسط الحقوق. هذه المدينة كريمة، تصالحك مع نفسك، وتنزع عنك عباءة الضّحيّة، لتُلبسك ثوب المخلّص

لستُ من هواة الوقوف على الأطلال، ولا أنتظر من شيءٍ البقاء على حاله. التغيير لا مفرّ منه في عمليّة تطوّر الحضارات، إلّا أنّ حاجتي إلى الشعور بالانتماء، تفوق حاجة مُخترع فكرة الإله إلى أجوبة تشعره بالاطمئنان، وتُلقي المسؤولية عن عاتقه. بيروت لم تعد تشبهني، ومونتريال أحاول جاهدةً وصمها بهويّة أحبّب نفسي بها، إلّا أنّ التّعدد الثقافي والإثني في كنفها يحول دون ذلك. هنا معظمنا مغتربون، وغريبون، نحاول خلق دوائر صغيرة نستطيع فيها السلطنة جميعاً على صوت أم كلثوم مساءً، من دون أن يرمقنا أحدهم بنظرة متعجّبة إذا ما صرخنا "عظمة على عظمة يا ست". نحصّن أنفسنا بأناسٍ نستطيع إزعاجهم بنكات تافهة من دون الحاجة إلى ترجمتها وشرحها، ثمّ تكييفها مع المخزون الثقافي للمتحدثين بالفرنسية، ونؤثر مجالسة من عاش خيباتنا، وتذوّق الألم الذي ألحقته مدننا بقلوبنا، لتجنّب نصائح "الرجل الأبيض" السريالية، وحلوله السحرية لإصلاح العالم، أو شفقته ومحاولة تعاطفه التي تزيد طين حزننا بلّةً.
ربّما أصعب ما في انتقالي إلى مونتريال، كان استيعاب حقيقة وجود حياة آمنة هادئة، يجدها مملّةً ومجرّدةً من الرّوح كلّ من اعتادوا خوض المعارك للحصول على أبسط الحقوق. هذه المدينة كريمة، تصالحك مع نفسك، وتنزع عنك عباءة الضّحيّة، لتُلبسك ثوب المخلّص. "أريدُ، فاطهُر"، أخالني أردّدها كلّما حوّلتُ مبلغاً، ولو زهيداً إلى لبنان، يفرج كرْب نفسٍ ذائقة الموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard