"لأن الموت ‏سهل ورخيص في بلادنا"... وفاة منادي الحرية الشاعر الإيراني بَكتاش ‏آبْتين

الاثنين 10 يناير 202206:47 م

رغم أن الشاعر والمخرج الإيراني، بَكتاش آبتين (‏‎ (Baktash Abtin، الذي طالب بالحرية طوال حياته الأدبية والفنية، رثى من قبل شعراء وكتاباً قُتلوا في إيران لنضالهم ودفاعهم عن الحرية، من أمثال محمد مختاري، الذي قُتل في ‏عمليات القتل المتسلسل في تسعينيات القرن الماضي في إيران، إلا أنه اليوم ينعيه الكثير من محبيه ومحبي الحرية في إيران، الشاعر والكاتب ‏والمخرج الإيراني الشهير بانتقاداته للرقابة وتقييد الحرية، والذي توفي بسبب إصابته ‏بفيروس كورونا في المستشفى، وهو رهن الاعتقال، عن عمر يناهز 48 عاماً.‏

وأعلنت رابطة الكتاب الإيرانيين عن وفاته في يوم السبت 8 كانون الثاني/يناير 2022 في ‏مستشفى ساسان في طهران، بعد أيام من دخوله في غيبوبة‎، وقالت إن آبتين كرس حياته ‏‏"لتعزيز حرية التعبير والتنديد بالرقابة في إيران، ونشر العديد من الكتب في التاريخ وعلم ‏الاجتماع والنقد الأدبي".‏

وأدخلت وفاة بكتاش، الأوساط الفنية والثقافية الإيرانية في حالة حزن شديد، وغضب من ‏السلطات، واتهامها بالإهمال المعتمد في علاجه. وزاد من حدة هذا الحزن والغضب تزامن وفاة ‏بكتاش مع ذكرى إسقاط الطائرة الأوكرانية قرب طهران، والتي لا تُنسى لدى الإيرانيين رغم ‏مضي عامين منها.‏

رغم أنه لم يُسمح بعرض أفلامه في إيران، إلا أنها عُرضت في مهرجانات دولية، ‏وأصبح هذا الأمر إحدى التهم الموجهة إليه لاحقاً

في الأيام الماضية ومع تدهور حالة بكتاش، كانت قد ازدادت المطالبات بالإفراج عنه وتقديم رعاية طبية ‏أفضل له‎.‎‏ وقبل يوم من وفاته، بعثت جمعية القلم الأمريكية و18 من المؤسسات الداعية ‏لحرية التعبير وحقوق الإنسان، رسالة مشتركة إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أكدوا ‏فيها حالة بكتاش الصحية الحرجة، ودعوا إلى الإفراج الفوري عنه وعن السجناء السياسيين ‏الآخرين‎.‎‏ ‏

وأثارت وفاته ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصفها كثيرون بأنها ‏‏"جريمة قتل"، محملين القيادة الإيرانية مسؤولية وفاته.‏ ‏

وفي يوم السبت الماضي قامت القوات الأمنية بتفريق المعزين الذين حضروا لإضاءة الشموع أمام ‏المستشفى الذي توفي فيه بكتاش. ‏

وكان من المقرر أن تقام اليوم الاثنين مراسم تشييع جثمان الشاعر، إلا أنه يوم أمس الأحد تمّ تشييع ‏جثمانه، بعد ضغوظ من الأجهزة الأمنية الإيرانية التي طالبت بإجراء التشييع سريعاً‎.‎


وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو من مراسم التشييع تظهر المعزين وهم يرددون ‏هتافات مثل: "السلام لآبتين والموت للظالمين"، و"الموت للنظام القاتل"، و"آبتين سيظلّ حياً ‏ونهجه مستمراً".‏

وقالت محامية بكتاش في تصريح للصحافة الإيرانية "لو ذهب بكتاش إلى المستشفى عاجلاً لما ‏شهدنا وفاته".‏

وأعلنت منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيان أرفقته بصورة سابقة لبكتاش بلباس السجن، ومكبلاً ‏بسلسلة السجن التي تربطه بسرير في المستشفى: "علمنا بحزن بوفاة بكتاش آبتين. حُكم على الكاتب والصحفي ‏ظلماً بالسجن ستة أعوام ومعتقل في المستشفى، ومرض بكوفيد 19 وحرمانه من الرعاية ‏اللازمة. وتلقي مراسلون بلا حدود باللوم على سلطات النظام العليا بشأن وفاته".


وقالت جمعية "القلم" الأمريكية التي فاز بكتاش بجائزتها العام الماضي، في بيان بعد وفاة آبتين: ‏‏"تعرض آبتين للإهمال داخل سجن إيفين الإيراني، وكان بالإمكان الحيلولة دون وفاته. كورونا ‏قاتل طبيعي، لكن موت آبتين كان بمساعدة وتحريض من السلطات الإيرانية".‏

كما قال المدير التنفيذي لمركز حقوق الإنسان في إيران ومقرّه نيويورك، هادي قائمي، إن ‏‏"بكتاش مات لأن الحكومة الإيرانية أرادت أن تسكته في السجن... إنها مأساة كان بالإمكان ‏تجنبها... يجب أن يخضع رئيس السلطة القضائية الإيرانية للمحاسبة".‏

بطلاقةٍ
تهرب
من جدران السجون العالية ‏
والأسلاك الشائكة
رائحةُ الحرية العبقةُ!‏

وكتب موقع إذاعة "راديو فَردا" الفارسية والتي تبث من خارج إيران: "لم يكن معنى هذا السلوك للجمهورية الإسلامية عداءها ‏لشخص واحد فقط، بل أصبح آبتين رمزاً للكتاب الإيرانيين الذين لطالما اعتبرهم النظام الإيراني ‏أعداءه في الحرب الناعمة".‏

من هو بكتاش آبتين؟

اسمه الحقيقي مهدي كاظمي، لكنه اشتهر باسمه المستعار بكتاش آبتين‎ منذ تسعينيات القرن الماضي.

ونشر بكتاش المولود في مدينة ريْ في محافظة طهران عام 1974، دواوين شعرية، كما أخرج ‏عدة أفلام وثائقية، وقد حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان "سينما حقيقت" الدولي في إيران.

وفي قصائده، بالإضافة إلى التطرق إلى قضايا كالوحدة والموت، اهتمّ أيضاً بالقضايا ‏الاجتماعية المختلفة كالاحتجاجات‎.‎‏ وفي توضيحه لاهتمامه بالموت كان قد قال: "لأن الموت ‏سهل للغاية ورخيص في بلادنا".


كما عمل بكتاش في مجال السينما وأخرج العديد من الأفلام حول مواضيع خاصة مثل الرقابة. ‏ورغم أنه لم يُسمح بعرض أفلامه في إيران، إلا أنها عُرضت في مهرجانات دولية، ‏وأصبح هذا الأمر إحدى التّهم الموجهة إليه لاحقاً، إلى جانب مشاركته في احتجاجات عام 2009 ‏بعد الانتخابات الرئاسية، ومناسبات أخرى.‏

وفي 15 أيار/مايو 2019، حُكم على بكتاش واثنين من زملائه في رابطة الكتاب الإيرانيين ‏بالسجن خمس سنوات بسبب العضوية في رابطة الكتاب الإيرانيين وزيارة قبور السجناء ‏السياسيين الذين تم إعدامهم بشكل جماعي عام 1988، وبتهمة التجمع غير القانوني والتواطؤ ‏ضد الأمن القومي، وسنة واحدة بتهمة نشر دعاية ضد النظام، وبدأ قضاء عقوبته البالغة 6 ‏سنوات في سجن إيفين بطهران 26 أيلول/سبتمبر 2020. ‏

ورابطة الكتاب الإيرانيين هي منظمة غير حكومية تتكون من كتاب ومترجمين ومحررين وهي ‏جزء من رابطة الكتاب العالميين، وتم تشكيلها عام 1968 بهدف مواجهة الرقابة. وخلال ‏السنوات الماضية واجه أعضاؤها في إيران القمع والسجن والقتل، بسبب نشاطهم وانتقاداتهم للقيود ‏المفروضة على الكتاب الإيرانيين. وكان محمد جعفر بويَندِه ومحمد مختاري من بين أعضاء رابطة ‏الكتاب اللذين قُتلا في عمليات القتل المتسلسل في إيران في تسعينيات القرن الماضي. ومن أبرز ‏اعضائها السابقين كان كلّ من الشاعرين أحمد شاملو، ومحمد علي سِبانلو، والكاتبة سيمين دانشوَر.‏

في أيلول/سبتمبر 2021، قدمت جمعية القلم الأمريكية بشكل مشترك جائزة "حرية الكتابة" ‏لأعضاء رابطة الكتاب الإيرانيين الثلاثة المسجونين، بكتاش آبتين، ورضا خندان، وكيوان باجن.‏

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو من مراسم التشييع تظهر المعزين وهم يرددون ‏هتافات مثل: "السلام لآبتين والموت للظالمين"

وأصيب بكتاش في السجن بفيروس كورونا، ونقل قبل أشهر إلى المستشفى، وأثارت صورة ‏نشرت له وهو مكبل على سرير المستشفى، ضجةً على مواقع التواصل الاجتماعي وموجة انتقادات واسعة ‏في البلاد، الأمر الذي دفع إدارة السجون الإيرانية للإعلان أنه تم "التعامل مع المسؤولين ‏عن ذلك"‏‎.‎

وبعد إصابته للمرة الثانية بفيروس كورونا تمكنت أسرته من الحصول على موافقة السجن ونقله ‏إلى المستشفى يوم 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي‎.‎‏ لكن صحته تدهورت في بداية الشهر ‏الحالي، وبعد إجراء التحاليل الطبية، قرر الأطباء إدخاله في غيبوبة اصطناعية، وتوفي بعد ‏أسبوع من ذلك.‏

وأعلنت إدارة السجون بعد وفاته وردّاً على الانتقادات، أنها منحت بكتاش إجازة منذ 35 يوماً لإتاحة ‏الفرصة لأقاربه لنقله إلى مستشفى خاص، نافية أي سوء معاملة معه أو تأخير معتمد في علاجه.‏

لم يكن بكتاش الوحيد الذي توفي بهذه الظروف، حيث توفي سجناء سياسيون وناشطون آخرون في ‏سجون إيران بسبب الإضراب عن الطعام، أو عدم تلقي العلاج المناسب، وفي الوقت المناسب، أو ‏بسبب الظروف السيئة في السجن أو أسباب أخرى‎.‎‏ ‏

وتعد وفاة عادل كيانبور، السجين السياسي في سجن شيبان في الأهواز، والذي قيل إنه توفي ‏نتيجة إضراب عن الطعام قبل أيام، أحدث مثال على تكرار الوضع الراهن في السجون الإيرانية.‏

وأطلقت السلطات الإيرانية سراح عدد من السجناء مع تفشي جائحة كورونا في البلاد، لكن ‏القرار استثنى المدانين في قضايا سياسية وأمنية. ‏

واتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير لها إيرانَ بعدم توفير مجال المساءلة في شأن ما لا يقل ‏عن 72 حالة وفاة في السجون نجمت عن التعرُّض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة ‏منذ كانون الثاني/يناير 2010 إلى اليوم.‏

ونشرت مجموعة "عدالة علي" في أب/أغسطس الماضي فيديوهات مسربة من تسجيلات كاميرات ‏مراقبة في سجن إيفين في طهران، تظهر سوء معاملة السجناء.‏

وحسب مركز حقوق الإنسان في إيران ومقره نيويورك هناك 11 كاتباً على الأقل مسجونون ‏في إيران، أو صدرت بحقهم أحكام بالسجن ينتظرون أن يتم إبلاغهم بها.‏

بطلاقةٍ

تهرب

من جدران السجون العالية ‏

والأسلاك الشائكة

رائحةُ الحرية العبقةُ!‏

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard