عن "إقامتي" مدة عشرة أيام في "تندر" الأردني

السبت 8 يناير 202204:26 م

لن أدّعي أنني أنشأت حساباً على تطبيق التعارف "تندر" في الأردن، لغايات رصد صحافي أخرج منه بمادة صحافية "دسمة". ولن أتبع نصيحة صديقتي بالادعاء هنا في هذا المقال، أنني تجولت على مدار عشرة أيام في الموقع، لأنني أريد أن أدخل العام الجديد بمقالٍ جريء. لا لم أسجل حضوري على "تندر"، لغايات صحافية، ولست جريئةً إلى حد الكشف عن اسمي الحقيقي في المقال.

اخترت طريق الاستسلام للخوف من النظرة المجتمعية في بلدي الأردن، بدلاً من اختيار الطريق الذي ربّوني أهلي عليه، كما كانوا يقولون لي: "ضلك داعسة وما تخافي". ليس لأن أهلي توفوا، فغاب وتد الخيمة الذي كنت أحتمي به، بل لأن مجتمعي يملك ذاكرة السمكة القصيرة في كل شيء، إلا عندما تخرج المرأة عن الصورة النمطية التي وُضعت في إطارها. اخترت طريق الاستسلام للخوف من نظرة مجتمعي، لأنني ببساطة "ما بقدر عليه".

لا لم أسجل حضوري على "تندر"، لغايات صحافية، ولست جريئةً إلى حد الكشف عن اسمي الحقيقي في المقال.

لم يقتصر تستّري خلف ستارة، على الكشف عن اسمي الحقيقي في هذا المقال، بل طال أيضاً اسمي على موقع "تندر" الذي أنشأته بكامل إرادتي، وبعد نجاح "زن" صديقتي علي. لكنني احترمت أنني، وفي هذا العالم الذي لا يشبه العالم الأردني الذي أعرفه، تمسكت بمبادئي، مثل أنني لم "أسرق" صورةً لإحداهن كما لاحظت في الموقع، على أنها صورتي، بل وضعت صورةً لي يظهر فيها شعري من الخلف. حتى اسمي، لم أزجّه باسم مختلف عنه، بل استخدمت عبارةً أحب قولها خلال لعبي لرياضة "اليوغا".

عشرة أيام على "تندر" علمتني الكثير، أو بالأحرى كشفت جوانب في شخصيتي لم أكن على علم مسبق بها، على الرغم من أني كنت أعتقد أن دخولي إلى سوق العمل منذ أن كان عمري 16 عاماً، جعلني حافظةً الحياة "بصم". لكن يبدو أن سني الخبرة الحياتية ليست مقياساً، عندما يتعلق الأمر بالقلب. وحده القلب هو القادر على أن يتجاوز سني العمر، وحدود القارات. وحده القلب القادر على أن يحطم قيود المجتمع، وشروطه الظالمة. القلب يشبه روح الإنسان لحظة نفخ الله بها. تلك اللحظة الوحيدة التي يكون فيها الإنسان حراً متجرداً وسابحاً في ملكوت الصفاء.

يقال عني، وفق وصف أصدقائي، إنني فتاة تغلق أبواب قلبها للتعرف إلى المعجبين بها. تتعدد "إثباتات" تلك النظرية حسب ما يرون، فمنهم/ ن من يرون أنني أخاف من الارتباط، ومنهم/ ن من يرون أنني إنسانة حالمة تنتظر فارسها على حصان أبيض، ومنهم/ ن من يرون أنني "رهبنت" نفسي لخدمة قلوب الآخرين، إلا قلبي. جميعهم/ ن وضعوا اللوم علي، بسبب عدم ارتباطي حتى الآن، على الرغم من أنني دخلت عامي السادس والثلاثين، من دون أن يعلموا أن الحقيقة هي أنني مرعوبة من أن ينكسر قلبي مرةً أخرى. فلا جسدي، ولا حيلتي، قادران على تضميد نزيف آخر. قلبي لا ينتظر فارساً، ولا يهاب من الارتباط. كل ما يحتاج إليه هو أن يمتزج بقلب يخيط جروح الماضي، ويبث فيه من روح الله الخالصة.

عشرة أيام على "تندر" علمتني الكثير، أو بالأحرى كشفت جوانب في شخصيتي لم أكن على علم مسبق بها، على الرغم من أني كنت أعتقد أن دخولي إلى سوق العمل منذ أن كان عمري 16 عاماً، جعلني حافظةً الحياة "بصم". لكن يبدو أن سني الخبرة الحياتية ليست مقياساً، عندما يتعلق الأمر بالقلب

"ماشي رح أنزل تندر"؛ كانت هذه الجملة رداً مني لإيقاف فم صديقتي في جلسة جمعتني بها، وهي تنهال علي بالاتهامات التي ذكرتها آنفاً عن سبب عدم ارتباطي إلى الآن، وقلت لها بالحرف: "سأثبت لك وللباقين أنني لم أغلق باب قلبي... يلا نزليلي تندر".

هناك شيء جميل، وغير جميل، في الوقت نفسه، لمن لديهم/ ن حساب على "تندر"، إذ يتيح لك أن تختار/ ي من ستعطيه فرصة للتعارف، بمجرد أن تزيح/ ي الشاشة إلى جهة اليمين. الشيء الجميل في هذا الجانب، أنك تسيطر/ ين على من يدخلون حسابك، والشيء غير الجميل في الأمر أنك تشعر/ ين كأنك أمام كومة ملابس معلقة في محل لبيع الملابس. وخلال تصفحك للصور، يكون وضعك تماماً مثل حركة التنقل بين فراغات علّاقات الملابس، ما يعجبك على اليمين، وما لا يعجبك على اليسار. تبيّن أن المظهر الخارجي أول أساس من أساسات "تندر"، وهو ما لا كنت أعتقد أنه يهمني كثيراً في السابق!

جانب جديد قمت بتجربته خلال إقامتي في "تندر"، لمدة عشرة أيام، وهو عدم الشعور بالذنب، بمعنى أنني وفي الواقع أحرص عندما أتعرّف إلى شخص معجب بي، ألا أجعله يتعلق بي كثيراً، حتى لا أشعر بالذنب، خصوصاً في حال لم أبادله الإعجاب. لست من الفتيات صاحبات ثقافة "شو المشكلة تكسري قلبه؟ ما هم دايماً بكسروا قلوبنا!". أما في "تندر"، فكنت وبمجرد أن شعرت بأن هذا الشخص، ومن خلال الرسائل التي نرسلها لبعضنا، غير مناسب، كنت أنقر على خيار "غير ملائم"، من دون أي ذنب، ومن دون أي استئذان منه أصلاً. اكتشفت أن الاستغناء شيء سهل يأتي بكبسة واحدة فقط.

هناك شيء جميل، وغير جميل، في الوقت نفسه، لمن لديهم/ ن حساب على "تندر"، إذ يتيح لك أن تختار/ ي من ستعطيه فرصة للتعارف، بمجرد أن تزيح/ ي الشاشة إلى جهة اليمين.

لم ألعن صديقتي حتى الآن، لأنني بسببها أنشأت حساباً على موقع تندر. لكنني سألعن المجتمع الذي يسمح للشبان بأن ينشئوا حساباً في الموقع مع صورهم الشخصية، هم أنفسهم الذين يستغربون من أن تنشر فتاة على الموقع ذاته صورتها الحقيقية، وهو ما لاحظته في نقاشات جمعتني مع بعض منهم. سألعن الموقع الذي بفضله رأيت أزواج صديقات لي يبحثون عن فتيات للتعرف إليهن، ويدرجون صورهم بعبارات تدّعي أنهم "سينغل"، لكنني لعنت الموقع عندما جعلني أواجه أمراً لم يسبق أن تخيلت أن أمرّ به من قبل.

تربيت وتعودت على ألا أقبل القيود المجتمعية التي تحرم شخصين من الارتباط. على العكس، أنا حريصة، وما زلت، على محاربتها، ليس لأنني كنت ضحيتها يوماً ما فحسب، بل لأنني أسير على قاعدة والدتي رحمها الله: "الله لا يسامح كل من يحرق قلوب محبين". فطوال عمري ما اقتنعت بقيود فرق العمر بين شخصين، ولا بالفرق الاجتماعي، أو الأكاديمي، أو حتى العرقي، و"مرض" الأصل والفصل، فالقلوب كما ذكرت سابقاً عابرة للقارات والقيود والشروط، لكنني في "تندر" تعرفت للمرة الأولى على قيد لم أحسب له حساباً مسبقاً.

"أحب وجع الرأس"؛ هذه أنا، بشهادة المقربين مني. فـ"تندر" الذي لم يعجبني العجب فيه، والذي مارست فيه للمرة الأولى مشهد التي تختار فستاناً بين كومة فساتين، وأنا أبحث عمن قد يعجبني من حسابات الشبان، لم يحلُ لي أن أعجب إلا بشخص من غير ديني! في تندر تعرفت على قيد يجسد المعنى الحقيقي لعبارة "أكبر مني ومنك". فيه خضت تجربة أن تتوقف، عندما يصل الأمر إلى الدين، ليس بسبب الدين على فكرة، بل بسبب المجتمع الذي يضعه أول تابو في العلاقات.

"أكبر مني ومنك"؛ هكذا اتفقنا أنا والشخص الوحيد الذي منحته فرصة التعارف عبر "تندر"، عندما تصالحنا مع فكرة أن اختلاف دينينا كفيل بألا يحول التعارف إلى حقيقة، وليس لأن ديني أو دينه يمنعان ذلك، بل لأن "المجتمع والعشيرة والناس والعالم والأجداد والأحفاد..."، وغيرهم من "اللاءات"، يمنعون ذلك. بفضل "تندر" أصبحت مثل الأغلبية، وعلى الرغم من أنني كنت المختلفة، أصبحت الراضخة لحكم المجتمع.

"أكبر مني ومنك"؛ هكذا اتفقنا أنا والشخص الوحيد الذي منحته فرصة التعارف عبر "تندر"، عندما تصالحنا مع فكرة أن اختلاف دينينا كفيل بألا يحول التعارف إلى حقيقة، وليس لأن ديني أو دينه يمنعان ذلك، بل لأن "المجتمع والعشيرة والناس والعالم والأجداد والأحفاد..."، وغيرهم من "اللاءات"، يمنعون ذلك

لم ألتقِ بذلك الشخص وجهاً لوجه حتى الآن، على الرغم من أنني مارست دوري الصحافي في البحث والتنقيح عبر اسمه على مواقع التواصل الاجتماعي. لا أعلم حتى الآن سبب عدم مقابلتي له في الواقع. ربما تغريني فكرة علاقتي به التي شبهتها بمسلسل الكرتون: "جودي وصاحب الظل الطويل"، أو من الممكن أن صوته الذي اعترفت له بأنه يعجبني كثيراً، عوّض مساحةً لا بأس منها، تفتقد الاهتمام والكلمة والطيبة، أو ربما أنا خائفة عليّ وعليه، من أن يصبح قلبانا ضحيتي مجتمعٍ قاسٍ.

رددنا ممازحين في أكثر من مرة، أنا و"صاحب الظل الطويل"، أكثر من مرة مقطع الأغنية الذي يقول: "لا تسألني عن ديني/ مديون وعايف ديني/ لا دينك رح يوفي الدين ولا ديني رح يغنيني!"، واستمعت أكثر من مرة، من دون أن أخبره، حتى لا يتعلق بحبال الأمل، إلى أغنية رشا رزق من فيلم "وهلأ لوين؟": يمكن لو!

ذكرت في بداية المقال أنه القلب وحده، هو القادر على أن يتجاوز سني العمر، وحدود القارات. وحده القلب القادر على أن يحطم قيود المجتمع وشروطه الظالمة، لكن لا قوة للقلب في الدفاع عن حقه بـ "لمن ينبض"، طالما أن هناك مجتمعاتٍ ظالمةً لا تؤمن بالحب، بل تؤمن بـ"الإيمايج" أكثر.

المهم، أغلقت حسابي على "تندر"، ولم أقطع علاقتي بالشخص الـ"من غير ديني"، لأنني كسبت رفيقاً، وهذه نعمة بحد ذاتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard