تظاهرة في وسط بيروت ضد "اللقاح الشيطان"

الجمعة 7 يناير 202211:32 ص

يشهد وسط العاصمة اللبنانية بيروت، غداً السبت، تظاهرةً غير مسبوقة، يشارك فيها الرافضون لأخذ لقاح كورونا، إذ دعا الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، أمس الخميس، للتظاهرة، ما أثار حالةً من الجدل في البلد الذي يئنّ القطاع الصحي فيه تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتفشٍ خطير لمتحور أوميكرون شديد العدوى.

وتأتي الدعوة لتظاهرة الرافضين لتلقي اللقاح، مع تسجيل لبنان 7،247 إصابةً بفيروس كورونا، أمس الخميس، في أعلى رقم إصابات يومي تسجّله البلاد، على إثر التجمعات الكبيرة التي حصلت في فترة عيدَي الميلاد ورأس السنة. 

وحسب الأرقام الرسمية اللبنانية المحدثة، تبلغ نسبة الملقحين بجرعتين على الأقل من لقاح كورونا، نحو 36% فقط من اللبنانيين، فيما بلغت نسبة إشغال مرضى كورونا لأسرّة العناية الفائقة 80%.

 التظاهرة في وقتها، لرفض إلزامية التلقيح، ولدعم حرية الاختيار، وعلى  "جميع اللبنانيين" المشاركة و "النقليات مؤمنة"

وعلى الرغم من تدهور الوضع الصحي، وتفاقم الحالة الوبائية، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، مارون الخولي، إن التظاهرة "هي في وقتها، لرفض إلزامية التلقيح، ولدعم حرية الاختيار"، داعياً "جميع اللبنانيين" للمشاركة في التظاهرة، من دون أن ينسى الإشارة إلى أن "النقليات مؤمنة".

لكن الناشط السياسي، ضومط قزي، يرى في دعوة اتحاد النقابات "دعوةً مشبوهةً"، مشككاً في "عقلانيتها ومنطقها، خاصةً أنها تأتي من اتحاد يدّعي أنه للعمال، في زمنٍ باتت القدرة الشرائية للعمال متدنيةً جداً، وتساوي أجورهم ما يقارب الـ21 دولاراً، فيما يتعرض العمال للطرد التعسفي من دون تعويض، وترتفع معدلات البطالة بشكل هائل". 

تأتي الدعوة لتظاهرة الرافضين لتلقي اللقاح، مع تسجيل لبنان 7،247 إصابةً بفيروس كورونا، أمس الخميس، في أعلى رقم إصابات يومي تسجّله البلاد

وتدنّت القيمة الشرائية لرواتب العمال في لبنان نحو 95%، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، خلال العامين الماضيين، فيما أقفلت العديد من المؤسسات أبوابها نتيجة الأزمة الاقتصادية، مسرّحةً عمالها من دون دفع أي تعويضات. ويؤكد قزي أن "دور النقابات والاتحادات العمالية يجب أن يكون الوقوف خلف العمال، والنضال من أجل حقوقهم، وليس تأمين نقل مجاني إلى تظاهرة ضد ما يسمّى إلزامية اللقاح، وهو أمر غير مطروح".

ويرد الخولي على هذا الرأي، بأن اتحاده أعطى الحكومة اللبنانية الجديدة (حصلت على ثقة البرلمان في أيلول/ سبتمبر الماضي)، مهلةً زمنيةً قبل محاسبتها، "ونحن لا نريد أخذ الناس إلى تظاهرات يمكن أن تُدخل البلاد في أزمة جديدة، وقد تؤدي إلى حرب أهلية"، فيما يلفت قزي إلى أنه "سبق واختبرنا هذه المنظومة، وهي لم تلتفت يوماً إلى حقوق العمال، وتالياً لا معنى للحديث عن مهلة لها".

ويؤكد أن "على النقابات والاتحادات العمالية أن تواكب الحكومة بخطتها لتوزيع الخسائر والنهوض، لا أن تعطيها مهلةً، وهي يجب أن تجلس معها على طاولة المفاوضات". ويشدد قزي هنا على أنه "ليس من الوارد أن يؤدّي النضال من أجل حقوق العمال إلى حرب أهلية"، متسائلاً: "حرب أهلية بين من ومن؟ فيما العمال هم الطبقة المهيمنة، وهم الطبقة الأكبر في المجتمع، والطبقة العابرة لكل الطوائف والمناطق".

هناك فئةً كبيرةً من الناس ترفض أخذ اللقاح، لأن لديها هواجس يجب الإجابة عنها، مثل اليوتيوب، وكلام رجال دين عن أن اللقاح عمل شيطاني

تحرُّك الاتحاد العام لنقابات العمال اليوم، يعود إلى قرار الحكومة اللبنانية هذا الأسبوع فرض إبراز شهادة تلقيح، أو نتيجة سلبية لفحص كورونا على جميع العاملين في القطاعات الصحية والتربوية والأمنية والإدارة العامة، قبل الحضور إلى مراكز عملهم.

ويشهد لبنان أزمةً اقتصادية غير مسبوقة، تضرب القطاع الصحي، كسائر القطاعات، وباتت تهدد اليوم بإقفال المستشفيات. وتبدو الحكومة اللبنانية عاجزةً عن اتخاذ قرار الإقفال العام بسبب الأزمة الاقتصادية عينها، ما يدفعها إلى التشديد على ضرورة تلقي اللقاح. 

تحرُّك الاتحاد العام لنقابات العمال اليوم، يعود إلى قرار الحكومة اللبنانية هذا الأسبوع فرض إبراز شهادة تلقيح، أو نتيجة سلبية لفحص كورونا على الموظفين

ويرى الخولي أن هناك "فئةً كبيرةً من الناس ترفض أخذ اللقاح، لأن لديها هواجس يجب الإجابة عنها"، معدداً منها "اليوتيوب، وكلام رجال دين عن أن اللقاح عمل شيطاني، وما نسمعه في الأخبار عن أشخاص يموتون بسبب اللقاح"، ضمن ما يرى أنه "مبررات محقّة للخوف من اللقاح"، مشدداً على رفض "تجاهل حرية الجسد، وفرض الإملاءات من قبل الحكومة على الناس". 

وظهر الجدل الشعبي في العالم، حول أمان لقاح كورونا، منذ طرح اللقاحات نهاية عام 2020، لكن الدراسات العلمية حسمته باكراً، مؤكدةً أن هذه اللقاحات آمنة، وهو ما خلصت إليه الأوساط الطبية في مختلف دول العالم، خصوصاً بعد أن تم إعطاء أكثر من تسعة مليارات جرعة من اللقاح حول العالم، على مدى أكثر من عام. 

في المقابل، يرى الخولي أن ليس من واجبه كنقيب "استعراض دراسات عن مضار أو فوائد اللقاح، بل الإضاءة على رفض شريحة واسعة جداً تلقي اللقاح، نتيجة مخاوفها وهواجسها"، عادّاً أن "الرافضين للقاح يستمدون قوتهم من الدستور اللبناني في رفضهم لإلزامية اللقاح"، في مقابل ما وصفه بـ"إملاءات المنظمات الدولية، كمنظمة الصحة العالمية"، التي توصي بأخذ لقاح كورونا. مشدداً على ضرورة ما يسميه "لبننة القضية، وفتح حوار مع الرافضين لأخذ اللقاح".

نستمد قوتنا من الدستور اللبناني في رفض إلزامية اللقاح في مقابل إملاءات المنظمات الدولية، كمنظمة الصحة العالمية

يدحض رئيس اللجنة الوطنية للقاح كورونا، الدكتور عبد الرحمن البزري، في حديث إلى رصيف22، كل المزاعم التي تشكك في أمان لقاح كورونا، مؤكداً أن "لا قرار في لبنان أصلاً بإلزامية التلقيح، لكن وبما أن الحالة الوبائية تتفاقم، ومع ثبوت أن الأشخاص الملقّحين يمرضون بشكل أقل، وينقلون المرض بنسبة أقل، وبما أن التلقيح يمنع ظهور المتحوّرات، وبما أن الأشخاص غير الملقّحين يعرّضون أنفسهم والآخرين لخطر الإصابة بالمرض الذي قد ينتهي إلى الموت، فإن الحكومات، ومن بينها حكومة لبنان، تضع توصياتٍ لإلزام غير الملقحين بإجراء فحوص كورونا، قبل مزاولة الأعمال التي تتطلب احتكاكاً مباشراً بأعداد كبيرة من الناس، لحماية المصلحة العامة والصحة العامة".

لا قرار في لبنان أصلاً بإلزامية التلقيح، لكن وبما أن الحالة الوبائية تتفاقم، فإن الحكومات، تضع توصياتٍ لإلزام غير الملقحين بإجراء فحوص كورونا

وفي مقابل الكلفة المادية لفحوصات كورونا التي سيُجبَر العمال الرافضون لأخذ اللقاح على تحملها، والتي يعدّها رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مبرراً لتظاهرة السبت، يشير البزري إلى أن "كلفة الدخول إلى المستشفى، وإلى غرف العناية الفائقة في حال الإصابة بكورونا، أعلى بكثير، وبشكل غير قابل للمقارنة". 

ويؤكد البزري على أن فرض الفحوصات على العمال الرافضين للقاح قبل ذهابهم إلى عملهم، هو حل اقتصادي أفضل، في مقابل الإقفال العام الذي قد تذهب إليه البلاد مع تفاقم الحالة الوبائية، "وحينها ستُغلَق جميع المصالح الاقتصادية، وسيُجبَر جميع العمال، من ملقّحين وغير ملقّحين، على الجلوس في منازلهم، عاجزين عن تأمين قوت يومهم، في ظل التدهور المعيشي الحاصل".

وعلى الرغم من ذلك، يُقرّ البزري بأن "للجميع الحق في التعبير عن رأيهم، والتظاهر، ومن ضمنهم الرافضون لأخذ اللقاح، وبأن باب الحوار يجب أن يكون مفتوحاً"، لكنه يشير إلى أن حملات التوعية بأمان الحصول على اللقاح وفوائده، قد تمت بالفعل خلال سنتين من عمر الوباء، "ومن يريد أن يقتنع، فقد اقتنع، إما من خلال الحديث العلمي، أو تجربة آلام المرض ومخاطره عليه، وعلى أحبائه، ومن لا يريد أن يقتنع، فلن يقتنع".

اتحاد نقابات العمال متأثر جداً بنظرية المؤامرة، بينما هناك مؤامرة واضحة تقودها المنظومة ضد العمال والطبقات الشعبية والكادحة، لا يريد رؤيتها

بدوره، يرى الناشط السياسي ضومط قزي، أنه من الواضح أن النقيب الخولي، الذي يتبنى مخاوف مستندةً إلى كلام اليوتيوب ورجال دين غير عقلانيين يصفون اللقاح بأنه "شيطان"، وشائعات لا أصل لها عن وفاة الناس بسبب اللقاح، "كان أسهل عليه أن يرصد مؤامرةً شيطانيةً ما ورائية غير موجودة، على أن ينتبه إلى وجود مؤامرة عمرها أكثر من سنتين تقوم بها الطبقة الحاكمة لنهب أموال الناس، ومقدّرات المجتمع، وضرب العمال، ربما بسبب ارتباطاته السياسية مع الجهات التي وضعته في مركزه"، عادّاً أن اتحاد نقابات العمال "متأثر جداً بنظرية المؤامرة، بينما هناك مؤامرة شبه واضحة وعلنية تقودها المنظومة والنظام الحاكم، ضد العمال والطبقات الشعبية والكادحة، ويعجز عن رؤيتها، أو بالأحرى يرفض رؤيتها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard