رسائل غرامية للشاردات.. لهذا كنت كاتباً

السبت 8 يناير 202201:16 م

البدايات 


أمي أرادتني طبيباً، أما أبي فأرادني أن أدخن معه، فيما بنت شاردة أرادتني أن أكون كاتباً، أما أنا فكنت قد كتبت رسالة غرامية لـ "الشاردة"، مشحونة بمناخات "ضياع في سوهو"، تلك الرواية التي تحكي قصة "هاري" الذي يتساءل في عالمه الضبابي: من أنا؟

لم تكن "الشاردة" وحدها من أرادت لي أن أكون كاتباً، فالرسالة التي كتبتها إليها، كنت نسختها ووزعتها على مجموعة هائلة من البنات (الشاردات أيضاً)، كل منهن ظنت أن الرسالة مكتوبة إليها، ولم يفتضح الأمر بما يكفي ليشكل فضيحة، مع أنه حدث خطأ لوجستي، حين أرسلت رسالتين لبنتين، كانت الأولى قد عنونت للثانية، والثانية قد عنونت إلى الأولى، وبعدها كان عليّ أن أختفي تماماً ريثما يصبح الأمر منسياً، وهو مالم يحدث، فللبنات ذواكر تخال أنهن يُستَنبّتن منها.

في تلك الفترة (يحلو أن أسميها الحقبة)، كان الكاتب الأكثر شهرة في مدينتي مصاب بجائحتين، أولاهما عناده في تفسيرات كتاب "ما العمل؟" لـ ف. إ. لينين، وجائحته الأخرى إصابته بقمل العانة، حتى بدا للصبايا الساهرات كما لو أنه على وشك أن يغتصبهن من فرط حكّه لقضيبه.

كان أربعينياً، طويلاً وفارغاً، وينمو على وحول الصراع الطبقي ومدرسة "الواقعية الاشتراكية"، تلك التي تتنكر للمناجل الذهبية، فعلى المناجل أن تكون من الفولاذ مع كل آن، ولهذا فقد هاجم الشاعر الروسي "فلاديمير مايكوفسكي" على قصيدته التي تناجي مناجل العمال الذهبية، متتبعاً خطى "ثوريين" روس، أنتجوا فيما أنتجوه للأدب انتحار مايكوفسكي، ابن الأم التترية وعاشق "ماريا ألكسيفنا دينيسوفا" الصبية التي غسلت قدميها بدماء قلبه.

أمي التي ترجوني طبيباً، وأبي الذي يرجوني مدخناً، و"الشاردة" التي ترجوني كاتباً، كلهم عانوا من وقائع حرب 1967 التي جردتهم جميعاً من كرامتهم، أما أنا فلم يبتسم لي القدر بما يكفي لأعرف ماذا أريد أن أكون، وكنت على دراية كاملة بأن مصير كل الأصوات البشرية إلى الهواء، سوى أن لوقائع الحياة استحقاقاتها، ومن وقائعها أن جميع حروبنا ماكانت لتخاض سوى بالأصوات، فزمن المبارزة بالسيوف التي تترك جراحها بمثابة وسام شرف على صدر المحاربين، كان زمن قد ارتحل، ولم يتبق سوى زمن: الكلام.

كان الكاتب الأكثر شهرة في مدينتي مصاب بجائحتين، أولاهما عناده في تفسيرات كتاب "ما العمل؟" لـ ف. إ. لينين، وإصابته بقمل العانة، حتى بدا للصبايا الساهرات كما لو أنه على وشك أن يغتصبهن من فرط حكّه لقضيبه... مجاز في رصيف22

لم يكن "البعث" قد أصّل لخطابه بعد (ولم يؤصل فيما بعد، فالدوغما ليست كلاماً)، كل ما كان لديه من كلام هو خليط من النازية والستالينية مع شطحات وجودية، ولكن برداء "كاكي"، رداء حرسه القومي. كان حزب البعث هو "صغار الكسبة" حتى ذلك التاريخ، وكانت لغته أشبه بـ "سرعوف الأوركيد"، تلك الحشرة التي لاتختبئ لتكون غير مرئية بين زهور الأوركيد، بل تتشكل على هيئة هذه الزهور، كما تحاكي بتلات الأوركيد، وحين تكون ساكنة لاتتنبه الحشرات الأخرى إلى هذا التمويه فتسقط في براثنها.. هي حشرة لاحمة، وكذا كان حال "البعث"، الذي طردني من كافة مدراس السويداء، لألتحق بثانوية أمية في مدينة حلب.. الثانوية الخاصة الواقعة في حي الجميلية، الحي ذي الغالبية اليهودية آنذاك.

ـ إنه حيّ "لوبا"، البنت المتحدرة من أب روسي مجهول بقية الهوية، وأم ماكرة يحلو لها افتضاح ساقيها، وقد عبثت بهما أيام استراحات عابرين لا يتركون أثراً يشير إلى هوياتهم.

لم أكن "سرعوف أوركيد"، غير أنني كنت حتى ذلك التاريخ متعدد الجوانب مثل مكعّب ملون، خليط من ثقافات:

درزية (تبدأ بالفاتحة الغامضة التي تبجّل الحاكم بأمر الله)، ماركسي ينحاز لفريدريك أنجلز ولا يطيق رأسمال كارل ماركس، وجودي في اللامنتمي وما بعد اللامنتمي للرفيق كولن ولسن، ومسحور بشخص محمد نبي الإسلام، وقد بلغ شقائي مابلغ من خيال السيدة عائشة، البنت الصهباء التي كنت أظنها معملاً لتوليد الأنبياء، حتى أوشكت على الاعتقاد بأن عائشة هي من قالت لمحمد: "إقرأ"، وليس جبرائيل.

حتى هذا الاستخلاص، لم أكن قد تجاوزت السادسة عشر من العمر، ولكنني كنت قد قرأت تشيخوف، مكسيم غوركي، بعض من دستيوفسكي، وكل إصدارات نجيب محفوظ، دون نسيان المثابرة على قراءة "نضال الشعب"، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي لصاحبه خالد بكداش، والتي طالما هتفت لنا بإحياء الصداقة العربية السوفييتية، دون نسيان تأكيدات محرريها على قراءة "عشرة أيام هزّت العالم" لكاتبه جون ريد، وكان شبه مقدّس من بين الكتب، دون أن يشتغل على إنقاذ مشاعر فتى تائه مابين خيارات الأم، ورغبات الأب، والكاتب الذي يمتلك مقود الكلام.

عازب في وكر النساء

كنت الفتى العازب الوحيد الذي يسكن في عمارة كلّها من المتزوجين، زوجات فاتنات يعرفن بالتمام والكمال قواعد إطاعة السلطات الزوجية، كما يعرفن بالتمام والكمال احتضان فتى يتنفس برئة فاسدة، ويتساءل عما يحدث، ويقفز عن الشرفة ليختبر الألم، وقد يضرم النار بثيابه ليستمتع بانتهاك تلك الطاعة، حتى يمحو كل ما يتصل بالمُطاعين والطائعات.

آنذاك كانت حرب 1973. وقعت الحرب، وقبل وقوعها بأيام كان وليد إخلاصي قد نشر لي قصة في جريدة "الجماهير" الحلبية، مع مكافأة بلغت (25) ليرة سورية، كانت القصة تدور حول رجل أنيق يقود قطاً محمّلاً بالأناقة، وكنت على حدس بأن هذه الحرب ستكون راعية لطغيان قادم. في بيتي، كان مجموعة من الضباط الدروز، ومن طلبة الكلية الحربية، كانوا في طريقهم إلى الحرب، واحد منهم فقط كان يستلقي في الفراش بوضعية جنين.

كانت الشيخوخة قد التهمته في عمر مبكّر ربما لعيب في الجينات. كان له زوجة طارِدة، لم تكن تُحب الاستيقاظ قط، ولم تكن ذات مزاج طيب في الصباحات، كانت بالغة الاكتئاب لسبب ليس عابراً أبداً، فقبل زواجها منه، كانت تبحث عن رجل يحمل لقباً.

بلغ شقائي مابلغ من خيال السيدة عائشة، البنت الصهباء التي كنت أظنها معملاً لتوليد الأنبياء، حتى أوشكت على الاعتقاد بأن عائشة هي من قالت لمحمد: "إقرأ"، وليس جبرائيل... مجاز في رصيف22

حال أن أيقظته من غفوته، قلت له: التحق بالحرب، فقد تمنحك الحرب لقب "شهيد" فتكف "ردينة" عن خيانتك.

كان الكل (أقصد كل زواري من الضباط الصغار وطلبة الكلية الحربية) قد التحقوا بالحرب سواه، وكنت على علم أن معظمهم لن يخرج بلا لقب منها، واللقب الأكثر ترجيحاً كان لقب "شهيد".

يومها عقدت العزم على أن أذهب إلى "بحسيتا" حلب، وللعلم، فـ "بحسيتا"، وهي الماخور المرخّص حكومياً، هو اسم ملصق بالماخور، فأصل التسمية تعود إلى مسجد في منطقة باب الفرج الحلبية، آل إلى الخراب فعمّره الحاج علي السبك، ومن بعده سوّرت منطقة الماخور ليبقى المسجد خارجها، فيما تتراوح خدمات سيداته ما بين 2.5 ليرة سورية، وبالحد الأعلى (5) ليرات، وكانت "بحسيتا" ترفع أناشيد الحرب ومن بينها: "خيوط الفجر بتنوّر و كل الشعب بيكّبر... و في رمضان وبالإيمان أراضينا بتتحرّر".

كانت بحسيتا خالية من الزبائن، أو شبه خالية، سوى من فلاحين باعوا محاصيلهم وجاؤوا إليها. رجال "بتول"، لايعرفون الجنس سوى عبر تعدد الزوجات، زوجات لايتقن دفع الرجال إلى الحائط وهن يقبلونهم ويرددن: "أنتم حثالة".

كان عائد القصة المنشورة لي في جريدة الجماهير، قد بات كافياً لاستئجار خدمات أربع مومسات، والخامسة كنت قد وهبتها للرجل الذي لم يحمل لقباً.

يومها أدركت أن الكتابة تطعم خبزاً... تُطعِم مومساً.

يومها أدركت أنني لن أكون طبيباً كما رغبت أمي، سأزاوج بين رغبتي أبي في التدخين ورغبة "الشاردة" في أن أكون الكاتب. وها أنذا قد غدوت كاتباً، وماذا بعد؟

كل ماكان عليه الحال، هو بعض من الاستخلاصات: لا ينمو الكاتب في الأصيص، في حدائق النعناع، هو كما القصب، ينمو على وحل المستنقعات، وأي مستنقعات يمكن أن تجود بـ "القصب"، كما المستنقعات العربية، مستنقعات تتدرج من المسجد إلى القصور الرئاسية، ومن القتل غيلة إلى إماتة الناس بالسأم؟

على الكاتب أن يشتغل على "الكمال"، وهو يعلم تمام العمل أنه يسعى دون أن يصل، فالكتابة ناقصة على الدوام.

الكتابة فعل حرّ، والسابح في الحرية متسابق بين آلاف المتسابقين. الكتابة هي الطيران إلى الأماكن التي نعرفها، غير ذلك سيكون الكاتب محبوساً في قشرة بندق، في فضاء مغلق ممتلئ بالكوابيس. كل ذلك دون نسيان أن مهنة الكتابة تجعلك أقرب الكائنات إلى السلاحف البحرية، عندما تنزل الماء، لا تعود إلى الرمل أبداً، باستثناء أنثاها التي ستعود لتضع بيضها.

غرور اللغة وتواضع المهزومين

وفي الكتابة غرور اللغة، وتواضع المهزومين، وكنت مهزوماً حتى نخاع النخاع، حتى بتّ أفضّل لو اخترت لنفسي مهنة أخرى، مهنة من مزاج "نافخ أبواق"، أو حذّاء خيول، دون نسيان مرارة العمل كاتباً في الصحافة. الصحافة التي تعني "جمع القاذورات"، قاذورات نشر الخبر دون التحقق من صحته، لتنتج صحيفة تجعلك تتقيأ رقائق خبزك اليومي.

اليوم بات لي سبعة أعمال روائية، وعدد كبير من الكتب الصحفية، ومئات المقالات، ومازلت أتجول بقدمين جميلتين وحذاء مفتوح.

لن يُحبّ أحد أمه كما أحببت أمي، لهذا خالفت إرادتها وبتّ كاتباً. كاتب، كلما عزم على الدخول في الكتابة يخلع ضرسه، لأنه لا يريد أن يذهب إلى المكان الذي ستأخذه الكتابة إليه، أو لايريد اقتفاء آثار كتّاب آخرين. كيف يكون ذلك والحال أنه ما من شاطئ تدخله إلاّ وعليه آثار أقدام وقد سبقك إليه غوّاص ما؟

إنها الكتابة، تلك الرحلة التي تتوهم أنها تشتغل على إنقاذ المشاعر، ولتكون الكتابة هكذا سيكون عليك أن تُخطئ في اللغة، أو ماوراء اللغة، وسيحدث ذلك وسط تكريس إلهي لكتّاب لم يتركوا وراءهم سوى بيوضهم على الشاطئ، سيكون على السماء أن تهبك معجزة ما لتكتب متجاوزاً "سأم" البيرتو مورافيا، أو لنقل متاهات "شراميط" غابرييل غارسيا ماركيز، فإذا لم تحدث المعجزة فسيكون عليك أن تبقى في قعر الزجاجة وسط آلام الكتابة.

واليوم، ها أنت تكتب روايتك، ولكنك لم تسأل نفسك: هل أنت قادر على حياكة كنزة؟... مجاز في رصيف22

نعم، أقول آلام الكتابة، فالكتابة شأن مؤلم، بل بالغ الألم (وأعني الكتابة الروائية) ، وهي تتطلب بالإضافة إلى الخيال الأشد هولاً من الديانات الكبرى، تتطلب جسد "بغل" ليحتمل أوجاعها، فثمة ساعات متصلة ستكون فيها وراء "الكيبورد" بعد أن نزحت الأقلام عن طاولتك، سيكون عليك احتمال آلام الكتفين وأوجاع العامود الفقري، وعليك أن تنتظر الشرارة التي ستولع حربك، ولو لم يكن الأمر كذلك لما وضع يوهان شتراوس سيمفونية "الدانوب الأزرق" وهو يتصور بأن السيدة العذراء تستحم في مياهه.

لقد كان يوهان شتراوس روائياً لحظة كتب موسيقاه تلك، بل وروائي دموي إن شئت، وقد استعانت يده بيد الله ليستكمل سمفونيته. واليوم، ها أنت تكتب روايتك، ولكنك لم تسأل نفسك: هل أنت قادر على حياكة كنزة؟

كيف لك أن تكتب رواية وأنت عاجز عن حياكتها، فالروائي نسّاج، قد يستعين بـ "أسطى" تمديدات صحية للحيز المكاني في روايته، وهو نجّار لتأثيثها في لحظة ما، ولكنه قبل هذا وذاك هو نسّاج يشتغل على ذاكرته قطبة قطبة، دون نسيان تلك اللعبة الشهية التي لعبتها البشرية، بدءاً من تقشير الموزة، وهي لعبة حلّ الألغاز، الألغاز البشرية.

حلّ ألغازها لا من مقعد زبون في مقهى، بل من مقعد الإله، ففي الرواية أنت إله: يقتل، يحيي، يكره، يحب، يسأم، ويتقصى اختلاجات موت أبطاله أو نشوتهم.

كل ذلك دون أن ينسى الأثر المميت لمن كتب قبله، أعني لمن ترك آثار أقدامه على الشاطئ من قبلك، ومن بينهم مشاهير، أما من يجهلهم التاريخ، فهؤلاء هم أبطال روايتك.

من يجهلهم التاريخ؟

ياله من تعبير موجع، أقرأ هذا الصباح "سوامي فيفيكانادا" بترجمة أسامة منزلجي، تستوقفني جملة ربما طويلة بعض الشيء، سأحاول اختصارها "في حياة بوذا نلاحظ على الدوام بوذا الخامس والعشرون، البوذات الأربعة والعشرون الذين سبقوه يجهلهم التاريخ"، ثم إن "أعظم الرجال هادئون، صامتون، ومجهولون".

كيف لك أن تعثر على من سبق بوذا من البوذيات في روايتك؟

كل ماعليك هو أن تمنع دماغك من العمل، تمنعه بقرار واضح، صارم، صريح لتستريح، وتتوقف عن الكتابة، غير أنك قد لا تنجح في إحراز هذا التقدم المدهش، فالكتابة تتحول إلى فعل قسري، وخذ مثالاً: أثناء محاكمة أنطونيو غرامشي في عام 1928، قال المدّعي: "يجب أن نمنع هذا الدّماغ من العمل لمدة 20 عاماً". حكمت الحكومة الفاشية لبنيتو موسوليني بالسّجن على غرامشي، الزعيم السّابق للحزب الشيوعي الإيطالي والمنظّر والصّحفي الماركسي، حيث قضى سنوات حياته الأخيرة فيه وقضى جرّاء التّعذيب.

أسهمت العزلة في ازدهار أفكاره. قام بمهمة فكريّة هائلة كان هدفها تقديم إرثٍ لا يموت. مؤلّفاته في السجن بلغت 33 مجلداً و3000 صفحة (دفاتر السّجن) من الملاحظات في التّاريخ، والفلسفة، والاقتصاد والاستراتيجيّة الثّوريّة، كلّها من الذّاكرة، بدون الإستعانة بالمراجع، وهو تحت المراقبة الفاشيّة.

إنه مثال يقول لك: مع الكتابة تستطيع حمل الحمار إلى المئذنة، ولكنك لن تستطيع إنزاله. هي التورط الذي لاشفاء منه. في الكتابة أنت على الدوام "حرب مابين الحروب".

عذراً يا أمي، مازلت أدّخن السجائر، ومازلت أطيع تعليمات البنت "الشاردة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard