هذا النصّ عن بيروت ليس تشاؤمياً

الخميس 23 ديسمبر 202112:27 م

يوم 31 كانون الأول/ ديسمبر2018، نُشر لي في رصيف22 نصّ بعنوان "لقد كان عاماً مليئاً بخيبات الأمل"؛ أعدت قراءة النص قبل يومين، وأنا أقول في نفسي: "أووووف، شو كان عندي بصيرة!". أيعقل أنني كنت أتوقّع انهيار الليرة قبل أربع سنوات؟ نعم، كنت أتوقّع ذلك، لكنني لم أكن أتوقّع أن ينهار بلد بالكامل، مقابل سعر صرف الدولار. لم أكن أدرك أن القاع عميق إلى هذا الحد، وأننا سنستمر في السقوط، من دون أن نرتطم بالأرض بعد. لم أكن أدرك أننا سنشعل ثورةً -نعم هي ثورة، شاؤوا ذلك أم أبوه- ولم أكن أدرك أننا سنحمل ذنبها، وذنب سقوط البلد يوم انطفأت. أربع سنوات منذ نشر ذاك النص "اللا تشاؤمي"، وفي هذا النص سأعيد الكرّة: نصّ اليوم هذا ليس تشاؤمياً أبداً، وسيعيد سرد الحقيقة كما هي، ومن دون مجاملات، وسيكون بمثابة الخطوة الأولى للألف ميل في مسيرة التصالح مع كل ما يجري.

بعيداً عن التحليل السوسيو-اقتصادي، لأنه بحاجة إلى خبراء، وأنا لست خبيرةً، "وأصلاً ما بعرف إذا كلمة سوسيو-اقتصادي صحيحة"، يمكنني القول إن الأزمة في لبنان قد خلقت، بالإضافة إلى حالة الاكتئاب المزمن لـ90% من الشعب، أغنياء جدداً،ـ وفقراء جدداً. أغنياء جدد، وأنا منهم.

بعيداً عن التحليل السوسيو-اقتصادي، لأنه بحاجة إلى خبراء، وأنا لست خبيرةً، "وأصلاً ما بعرف إذا كلمة سوسيو-اقتصادي صحيحة"، يمكنني القول إن الأزمة في لبنان قد خلقت، بالإضافة إلى حالة الاكتئاب المزمن لـ90% من الشعب، أغنياء جدداً،ـ وفقراء جدداً. أغنياء جدد، وأنا منهم، يتقاضون رواتبهم بالدولار الطازج، "شو سخيفة تسمية دولار طازج"، وفقراء يتقاضون روابتهم بالليرة اللبنانية، كما لو كانت تلك لا تزال على سعر الصرف القديم مقابل الدولار، "يعني 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد"؛ وطبعاً، تمثّل الفئة الأخيرة أغلبية الشعب اللبناني، بالإضافة إلى غيرهم من المقيمين على أراضيه.

أغنياء جدد لديهم حرية التصرّف بحساباتهم البنكية، يستغلون ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، وقادرون -إلى حد كبير- على شراء ما يريدون؛ وفقراء جدد، بالإضافة إلى الفقراء القدماء. وعلى عكس الفقير القديم، يتمتع الفقير الجديد بحسابات بنكية، وأموال قد تكون طائلةً في بعض الأحيان، لكن لا يملك حرية التصرف بها، وينتظر رحمة البنك والمصرف المركزي، لتحديد قيمة السحوبات -بالليرة اللبنانية طبعاً- مع تحديد سعر الصرف الذي من سابع المستحيلات أن يتساوى مع سعر الصرف في السوق الموازية. لنقف قليلاً عند تسمية "سوق موازية": هي تعني السوق السوداء، التي يعتمدها الكل باستثناء المصرف المركزي، والمصارف كافة، وسُمّيت بالسوق الموازية لأنه تعبير ألطف، و"كيوت"، مقارنةً بتسمية السوق السوداء، لأنه "عيب ومش professional". أما بالنسبة إلى الطبقة الوسطى، فهي لم تعد موجودةً، إما لأنها هاجرت من البلد، أو لأنها سقطت سهواً بين الطبقتين المستحدثتَين.

تذكّروا: هذا النص ليس تشاؤمياً.

كأغلبية الطبقة الوسطى، عندما كانت موجودةً، وكنت أنا من ضمنها، حزمت حقائبي في كانون الأول/ ديسمبر 2019، وودّعت رفاق الشارع متّجهةً إلى عمّان-الأردن، "الحب الثاني". ولكن على عكس الأغلبية، حزمت خيبتي الكبرى، وعدت إلى بيروت في عزّ أزمتها، الصيف الماضي.

لنقف قليلاً عند تسمية "سوق موازية": هي تعني السوق السوداء، التي يعتمدها الكل باستثناء المصرف المركزي، والمصارف كافة، وسُمّيت بالسوق الموازية لأنه تعبير ألطف، و"كيوت"، مقارنةً بتسمية السوق السوداء، لأنه "عيب ومش professional"

يتساءل كثيرون ممن هم حولي، ولا يعرفونني جداً: "من يترك الأمن والأمان ليعود إلى الفوضى؟ إلى أزمة الكهرباء والبنزين والمولدات والمازوت والليرة... إلخ؟". سأقولها لمرةٍ واحدة على سبيل التصالح نفسه مع كل ما يجري، ولكن من دون الخوض في التفاصيل: "الوجع يلّي متعوّد عليه، أهون من الوجع يلّي ما بتعرفه"، أي وبالمختصر، الوجع في الغربة، أسوأ من انقطاع التيار الكهربائي 20 ساعةً في اليوم، وأسوأ من الوقوف لساعات في طابور محطة البنزين. أنا التي بقيت في جنوب لبنان خلال أسوأ 33 يوماً من تاريخه، تحت وابل القنابل والانقطاع المستمر للمياه والكهرباء، انكسرت أمام دمعةٍ واحدة لأمي في الغربة، فحزمت خيباتي وعدت.

أما بالنسبة إلى القصاصات التي احتفظت بها، علّها تصبح كتاباً في يومٍ من الأيام، فقد أقفلت عليها بمفتاح الدرج الأبدي. لم تعد الأحلام كما كانت، ولم يعد ذلك الرجل المؤمن بي موجوداً. كم من خيبةٍ تتسّع لخمسةٍ وثلاثين عاماً؟ من تجربتي الشخصية، أستطيع أن أقول إنها تتّسع للكثير الكثير، والدولار الذي "يتصمّد"، لا يستطيع سدّ الفجوات الموجودة في القلب، ولو القليل منها. كلّ شيء تغيّر في الأربع سنوات التي مضت؛ لم تعد الشوارع هي ذاتها، ولا الناس هم أنفسهم، وبيروت المتحركة ابتلعت ما تبقّى منها من جمالٍ، لتبصق في وجوهنا كلّ بشاعة الكون، دفعةً واحدة.

هذا النص يُكتب الآن، ليسرد الحقيقة كما هي، من دون مجاملات.

لا تدِر ظهرك لهذه المدينة الحزينة، ولو كانت هي سبب تعاستك، لأن حبّ هذه المدينة "مش عَ المزاج"، ولا حسب سعر صرف الدولار. تذكّر: هذه المدينة هي نفسها المدينة التي علّمتك كيف تكون الحياة، وهي نفسها التي علّمتك الرقص، والتي عرّفتك إلى الحبيب الأول، والتي منحتك أوّل قُبلة

أدوّن ملاحظاتي هذه بلهجةٍ ساخرةٍ، ليس استخفافاً بكلّ ما يجري. على العكس، أدوّنها بهذه اللهجة كي لا "تتشردق/ تختنق"، بالسمّ، عزيزي القارئ. عندما كنت في السادسة عشر من عمري، نصحني أستاذ اللغة العربية بالكتابة، لأنه رأى أنني أستطيع أن أضع مشاعري على الورق؛ أنا اليوم أبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وأضع مشاعري المبعثرة كلها في هذا النصّ، على أمل أن تفهمها، ولا تقدّسها، ففي التقديس جنون.

أنت بحاجة إلى نصٍّ كهذا، في نهاية العام، علّك أيضاً تعدّد خيباتك، وتتصالح معها، وتمضي. لا تدِر ظهرك لهذه المدينة الحزينة، ولو كانت هي سبب تعاستك، لأن حبّ هذه المدينة "مش عَ المزاج"، ولا حسب سعر صرف الدولار. تذكّر: هذه المدينة هي نفسها المدينة التي علّمتك كيف تكون الحياة، وهي نفسها التي علّمتك الرقص، والتي عرّفتك إلى الحبيب الأول، والتي منحتك أوّل قُبلة، والتي قبضت فيها "أوّل معاش"، وصرفته على أوّل سهرة. هي المدينة نفسها التي أنزلتك إلى الشارع مرات عدة، وفي كل مرةٍ لم تيأس، فلماذا تيأس الآن؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard