المفوضية السامية للاجئين… قارب النجاة المُعطَّل في ليبيا

السبت 23 أكتوبر 202102:46 م

"لقد تُركنا وحدنا، لمواجهة العنف والتهديد والسلاح، ولم يسمحوا لنا حتى بالعيش آمنين. لقد أخذوا أبنائي من دون حق، سوى أنّهم وجدوا أنفسهم هنا، في هذا الجحيم الذي يُسمّى ليبيا، وقد تقطعت بهم السبل. أهكذا يعامَل الفار من جحيم بلاده؟". 

هكذا حدّثتنا سناء، وهي تذرف دموع الأمومة العاجزة، على أبنائها. سناء البالغة من العمر 42 عاماً، كانت قد هاجرت من بلدها السودان، قبل أكثر من 20 سنة، مع زوجها الذي عمل محاسباً في ليبيا، قبل أن يتوفّاه المرض، عام 2015، لتستقرّ بعد وفاته، هي وابناها، الحسن ومحمد، في ليبيا.

سناء التي اعتصمت أمام مقر المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين، بعد إلقاء القبض على ابنيها، خلال عمليّات القبض الأخيرة التي أطلقتها وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوحدة الوطنيّة، مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، والتي قصدت منطقة قرقارش الواقعة في غرب العاصمة الليبية طرابلس، والتي تُعدّ وجهة سكن معظم المهاجرين واللاجئين في ليبيا، لانخفاض ثمن الإيجارات فيها، ولكونها منطقةً قريبةً من معظم الخدمات المتاحة في العاصمة.

"لقد أخذوا أبنائي من دون حق، سوى أنّهم وجدوا أنفسهم هنا، في هذا الجحيم الذي يُسمّى ليبيا، وقد تقطعت بهم السبل. أهكذا يعامَل الفار من جحيم بلاده؟"

مداهمةٌ، حسب وصف سناء، أو عمليّات أمنية كما عنونتها بعض الصحف ومواقع الأخبار، في وصف الأحداث المسلّحة الأخيرة التي واجهها المهاجرون واللاجئون في ليبيا، والتي أُلقي القبض فيها على أكثر من خمسمئة لاجئ ولاجئة، حسب وصف المركز الأورومتوسطي، من جنسيات وخلفيّات عرقية مختلفة، وتدرّجات عمرية وجنسيّة مختلفة أيضاً، إذ لم يسلم الأطفال، ولا الفتيات، ولا العجائز، من المداهمات المسلحة التي جُرّ بعضهم فيها من داخل بيته، بملابس نومه، ومن وسط عائلته؟

التصريحات تضاربت حول حقيقة ما يُخفى وراء انطلاق هذه العمليّات العسكريّة المفاجئة.

فحسب التصريح الذي نشرته وزارة الداخلية، عبر صفحتها الرسميّة على فيسبوك، بأن العملية تأتي ضمن الخطة الأمنية المشتركة للعام 2021، والمختصة بمكافحة المنازل العشوائية، والقبض على الخارجين عن القانون القاطنين في منطقة قرقارش، وقد قالت الداخلية في تصريحها، إن العملية تكللت بالنجاح في مرحلتها الأولى، وهي إلقاء القبض، أمّا الجزء الثاني فقد تلخص في محاصرة المنطقة، لحصر البناء العشوائي، واستكمال إلقاء القبض على المجرمين، فيما شكرها رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، عبر حسابه على تويتر، لنجاح العمليّة، واصفاً أفراد الوزارة بالأبطال.

المجلس الرئاسي الذي تلخّص دوره في زيارة السيّد النائب موسى الكوني، في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لأحد مراكز الاحتجاز في بلدية عين زارة، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، قالت المتحدثة باسمه، نجوى وهيبة، لرصيف22، عن ملامح الزيارة، والمواثيق التي يدعمها المجلس الرئاسي: عبّر المجلس، ممثلاً في السيد موسى الكوني، النائب في المجلس، عن ضرورة كشف المعلومات والخلفيات كلها، وتوضيح الحقائق للرأي العام الداخلي والخارجي، في شأن ما حدث في مراكز إيواء المهاجرين في طرابلس، وتسبب في فرار عدد منهم، لئلا يحدث أي سوء فهم، أو تضليل. واسترسلت قائلةً: المهاجرون الموجودون في ليبيا هم ضيوف، ووجودهم مؤقت، وليبيا لا تؤذي ضيوفها.

وتختم حديثها لرصيف22، بقولها: الحد من أزمة الهجرة يجب أن يبدأ من الحدود الجنوبية لليبيا، وليس من البحر، والمجلس الرئاسي يؤكد دوماً أن على دول الاتحاد الأوروبي تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه المهاجرين، وطالبي اللجوء، بعدم إعادتهم إلى ليبيا قسراً".

تصاعد وتيرة الاحتجاجات من قِبل المهاجرين، أمام مقرها، دفع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى إقفال أبوابها أمامهم، بعد تعرّض أحد أفراد المنظمات الشريكة لها، للأذى الجسماني، على إثر تدافع المهاجرين أمامه. إقفال وصفته ماريا، إحدى المهاجرات من إريتريا، والتي نقلت إقامتها إلى أمام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، منذ انطلاق العمليات، بالتخاذل، وانعدام الوفاء بالوعود الإنسانية. وقالت ماريا، لرصيف22، في عجالةٍ، وبنبرة استياء علت صوتها، وبلغة عربية غير متقنة: منذ قدومي إلى ليبيا، وأنا أقصد مبنى المفوضية للمساعدة، ودائماً أجد الأبواب مقفلةً، أو تتم معاملتي على أنني أقل من إنسان. لقد وعدونا بأنهم سيحموننا، وسيقومون بتسفيرنا إلى أوروبا، ولكنها وعود كاذبة. لم يقوموا حتى بفتح أبوابهم لنا، بعد هروبنا ممّا مررنا به. لقد هربت من المنزل الذي أقيم فيه برفقة صديقاتي، خوفاً من أن يتم إلقاء القبض علينا، وسجننا، وها أنا أنام على الرصيف، وسط البرد، ولا أحد يبالي.

"الحد من أزمة الهجرة يجب أن يبدأ من الحدود الجنوبية لليبيا، وليس من البحر، والمجلس الرئاسي يؤكد دوماً أن على دول الاتحاد الأوروبي تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه المهاجرين، وطالبي اللجوء، بعدم إعادتهم إلى ليبيا قسراً"

الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، علّمته حادثة وفاة أحد اللاجئين السودانيين المحتجزين في مراكز اللجوء، بعد إصابته بعيار ناريّ من قِبل تشكيل مسلّح ليبي. المفوضية نشرت قصّة الضحية الذي فرّ من إقليم دارفور الدمويّ، والذي عُلِّم على أنّه أحد المتوفين خلال هذه الحملة، مع خمسة آخرين، على أقل تقدير، بسبب عمليات القبض والاحتجاز، وقد نددت بما يواجهه اللاجئون، وطالبو اللجوء في ليبيا، بسبب الأحداث الأخيرة.

الناطق باسم المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين، طارق أركاز، تحدّث لرصيف22، واصفاً التحدّيات التي تواجهها المفوضية، وسقف تحركاتها المتاح: تعمل مفوضية شؤون اللاجئين في ليبيا، بأقصى قدراتها، لتقديم المساعدة والدعم للفئات المستضعفة من اللاجئين، وطالبي اللجوء، وفق قانون الدولة الليبية، وما يربطنا معها من اتفاقيات. لقد قدّمت المفوضية طوال السنوات الماضية، ملايين المساعدات عبر مراكزها المختلفة، وعبر المنظمات المحلية الشريكة، ونعمل دوماً على حلحلة المشكلات التي تواجهنا، بما يضمن وصول الخدمة إلى المستفيدين، ولكن نحن أيضاً نقع تحت طائلة القانون، ولا نستطيع تقديم أي مساعدة، إلا عن طريق البروتوكولات الدولية".

التحديات المحليّة هي أيضاً إضافة إلى معاناة طالبي اللجوء، واللاجئين داخل ليبيا. الدكتورة إسراء عادل، وهي إحدى العاملات في مجال العمل الإنساني والاستجابة السريعة، ضمن الكوادر الليبية التي تقدّم المساعدة لهذه الفئة، حدّثت رصيف22، عن ملامح التحدّي الحالي، وعمق الإشكال، وجذوره، قائلةً: "أعمل منذ عام 2014 في مجال العمل الإنساني، بصفتي مديرة حالة. لم تتغيّر الأحوال كثيراً منذ ذاك الوقت. ازداد حجم التحدّي فحسب، وفقاً لعوامل عديدة، أبرزها العامل الأمني، وخلال هذه الأزمة، تدنّى سقف الخدمات التي تُقدَّم للّاجئين، ولطالبي اللجوء، نظراً للتخوّف العام الذي طال الجميع. لقد أدّت عمليات القبض إلى زرع الخوف والرعب في نفوس اللاجئين، وطالبي اللجوء المستضعفين في ليبيا، وإلى ارتفاع عدد حالات الإجهاض بين النساء الحوامل، وارتفاع الوفيّات بين المواليد الجدد، وازدياد حالات الانهيار العصبي.

مضى قرابة الشهر حتى الآن، منذ انطلاق عمليّات الاحتجاز، وإلى الآن لم تنتهِ. تطوّق قوات الحكومة منطقة قرقارش، بالعربات المدرعة، والسلاح، ويكتفي سكّان المنطقة من المهاجرين بالمكوث في بيوتهم، خوفاً من مغادرتها، ولكن إلى متى؟

خلال هذه الفترة، قصدت مركزَي احتجاز متفرّقَين، في العاصمة، ويمكنني وصف الوضع بأنّه أكثر من سيء؛ اكتظاظ بأعداد المحتجزين، وعدم مراعاة للخصوصية، واحتجاز للمرضى، وانعدام المأكل والمشرب النظيف. الحكومة ملامة على هكذا موقف، ومعذورة في الوقت نفسه، فقد أُرهق كاهل الدولة الليبية، وازدادت التحديات، والعالم يشاهد، ويندد، ويطالب، ولكنّ الأمور هنا على أرض الواقع مختلفة. على الرغم من أنني قريبة من واقع المهاجرين إلى ليبيا، وأعيشه معهم كل يوم، إلا أن الحلول التي تُطرح، جميعها غير منطقية، أو سرابية التطبيق".

مضى قرابة الشهر حتى الآن، منذ انطلاق عمليّات الاحتجاز، وإلى الآن لم تنتهِ. تطوّق قوات الحكومة منطقة قرقارش، بالعربات المدرعة، والسلاح، ويكتفي سكّان المنطقة من المهاجرين بالمكوث في بيوتهم، خوفاً من مغادرتها، ولكن إلى متى؟ لا أحد يعلم. تصريحاتٌ، وتقارير ومطالبات، ولكنّ الواقع يحاكي شيئاً آخر لم تكشفه الأيام بعد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard