أخبركم كيف استرددت إيماني بعد أن فجعت به... لو كنت سعيد تقي الدين

الثلاثاء 21 ديسمبر 202104:06 م

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

أتذكرون حين عدت من مغتربي الأول في الفلبين، ما الذي قلته في "القرميدة المكسورة" عام 1948؟ فلو تذكّرتم لما رأيتُ الآن، وقد عدتُ من جديد، قراميد الأسقف جميعها متطايرة، والأعمدة قد تساقطت على رؤوسكم. قلت إنّ الإنسان يتبدّل؛ إذ كنّا نعجب بعصاباتنا التي تفتك بالآخر. وليس بيننا من لم يكسر قرميدة بتصويب نظرة عداء نحو سقف بيت جاره. خبرت هذا الجرم، لكنّ نشوة لحم القرميدة أعظم من االفرح البهيمي الذي يثيره كسرها. فويل لقوم أبطالهم مجرمون!

لم تتبدّلوا، أيها اللبنانيّون؛ فبعد أن كنت متفائلاً، أردّد أنّ السائر متى بلغ قعر الوادي لا يبقى أمامه غير الصعود، أراني الآن أسير بينكم وألقاكم في سائر مناحي الحياة قد تصدّعتم حتى الانهيار. وما زالت صاحبة الجلالة الرابعة في هذا البلد تشتغل في بيع الفحم. وتنشر أخبار كلّ من عوسج شنديب لأنّه نجل شمدص جهجاه، وصورة التاجر الحاج شرشوح القنبزي إذ أهدى خروفاً إلى مستشفى –جزاه الله خيراً- ولا تتورّع عن تبجيل عطوفة الوجيه حصرم قنزوح لتبذُّل إحسانه، والسيدة حرمه قرحة طعبروس الأديبة الكبيرة. ها أنا عائد بطقطقة كرباجي ورفّات الأجنحة لأضرب كل زحفطون، وما أكثر الزحافطة، إذ يتسلّقون المناصب بزحفهم على بطونهم!

أما زلتم تمارسون عادة تقبيل الرجل للرجل والمرأة للمرأة؟ أسأل سؤالي هذا من قبل أن تجتاحكم جائحة كورونا. لا بأس، ففي زمني كانت الإنفلونزا الإسبانية والسلّ وغيرهما من الأوبئة. لأعود للحديث عن هذه العادة القذرة في بلادنا العربية، فلا أخفيكم سرّاً بأنني عضضت مرة صديقاً قبّلني. وربما تعجبون لأمري إن كنت أشعر بسلك خفي من الكراهية يربط أبداً كل صديق بصديقه. كيف حدست بذلك؟ من خلال تأكيدات أيّ رجل لنفسه أنّ عشيره هو الخلّ الأوفى، فيغدق عليه العاطفة ويجود بالتضحيات كي يكذب نفسه أمام نفسه بأن ليس في أعماقه بغض لمن يؤاخي. إن كنتم لا تصدّقونني ولا تصدّقون فرويد الذي لم أقرأه، فالقوا نظرة خاطفة على قصتي "ربيع الخريف"، لعلّكم تنحازون إلى رأيي.

لم تتبدّلوا، أيها اللبنانيّون؛ فبعد أن كنت متفائلاً، أردّد أنّ السائر متى بلغ قعر الوادي لا يبقى أمامه غير الصعود، أراني الآن أسير بينكم وألقاكم في سائر مناحي الحياة قد تصدّعتم حتى الانهيار

خبرت المرأة اللبنانيّة وغير اللبنانية عن قرب، وأظن أنّ أيّ رجل يلحظ -مثلما لاحظت- أشعة الموت من امرأة تحدج فستان امرأة. اتهمني البعض منكم بأنّي لست "نسويّاً" -لفظ غريب على قاموسي- ربما لأني قلت يوماً إنّ عيني المرأة حنفيّتان تفتحهما حين تريد دموعاً تغسل بها آثاماً، أو خمراً تسكر به غبيّاً، أو سمّاً تقتل به عدوّاً. وعندما أسمعكم تردّدون قولي: أفصح ما تكون القحباء حين تحاضر في العفاف. وفي تشبيهي الحقيقة بالمرأة في أنها أجمل ما تكون عارية. والحال هذه، هل منكم من رآني أركع أمام المرأة مثلما أركع أمام الله؟ أو أنّه قرأ قصة "معلّمتي" الست خشفة؟ أو تعرّف إلى قصة أم فريد، أو رئيفة، زوجة الكاتب محمد، في قصة "الدواة"، أفلا يتذكّر أنشودة "صرعت الموت إذ دانى حبيبي"؟!

حذار أن تكونوا كما الحمار الذي فرح حين ربطوه في إسطبل الحصان، فأكل من معلفه ولبس سرجه، لكنّه حين أراد أن يظهر فرحه نهق ولم يصهل. أقول ذلك لأنني لم تكن أفكاري يوماً كحبات المسبحة تسلّي وتطقطق، بل ترجمتها أعمالاً. ولم أطرب حين شبهوا سعيد تقي الدين بمارك توين. ففي بلادنا عادة ذميمة هي الإسراف في مدح الأجانب. يحزنني أنه، وإن تقدّمتم في طلب العلم والثقافة، ما زال في كل بيت من بيوتكم الفخمة والرثّة على السواء بارودة، وليس مكتبة. ولئن كنت قد طلبت العظمة في زمني، فإني سبقت الدهر ولم أماشه، إنما الغطواز في بلدي طاحت به غطرسة الوظيفة، فظنّ نفسه مثل شمدص جهجاه أنّ الكرة الأرضية يسكنها هو وبليونان من مخاليق البشر. وليس للبليونين من أهميّة قط!

إنّ الخوف يربط اللسان أحياناً. فقد حاولت جاهداً أن أؤدي رسالة لقتل التعصّب الديني في مسرحيتي "نخب العدو". غير أنّ أحداً لم يسمعها، لأني همست بها همساً، ولم أرعدها. لمَ لا تكون لدينا الجرأة فنعلن أنّ السبيل الوحيد لصهر العناصر في بوتقة الوطنيّة هو بالزواج المدني- الزواج الحرّ بين الطوائف؟ آمل أن تكونوا قد تخلصتم من التصنيف التقسيمي لبيروت بين شرقيّة وغربيّة. لكن من المفيد أن أذكّركم بمحاضرة دعيت إليها في إحدى الجامعات، موضوعها الطائفيّة.

آمل أن تكونوا قد تخلصتم من التصنيف التقسيمي لبيروت بين شرقيّة وغربيّة. لكن من المفيد أن أذكّركم بمحاضرة دعيت إليها في إحدى الجامعات، موضوعها الطائفيّة

أجيد قراءة البياض؛ إذ قبل أن أبدأ، وزّعت أوراقاً بيضاء على الحاضرين، وطلبت إليهم أن يدوّن كلٌّ منهم أسماء اللحام (الجزار) والحلاق والبائع الذين يتعامل معهم. غير أنّي، حالما جمعت الأوراق، وضعتها جانباً من غير قراءتها. وخاطبت الجمهور قائلاً: أنا على يقين بأن مَن يسكن في المنطقة الشرقية قد كتب أسماء مثل جورج وإلياس وإيلي، ومَن يسكن في المنطقة الغربية قد كتب أسماء مثل علي وحسين ومحمد. هنا مكمن الطائفية!

لكن مهلاً، سأخبركم كيف استرددت إيماني بعد أن فجعت به، لعلّ في ذلك عبرة لكم فتنهضون. الحقّ أقول لكم إنه لا يقاتل إلا المؤمنون بشيء عظيم. في معتقلي الياباني في الفلبين، إبّان الحرب العالميّة الثانية، بتُّ بحاجة إلى التمسّك بأيّ أمل في ظلّ الظروف الصعبة التي مررت بها، وكنت أغبط من يتضرّع لله، أو يستنجد بأنبياء وقدّيسين. واليوم أيضاً أغبط كلّ من اعتقد بالعزّة الإلهية. آمنت بعقيدة ففهمت معنى الإيمان، ومتى عمر القلب بالإيمان عمر بالإقدام. فمن الجريمة أن يسعى أحد لهدم معتقد في نفس مؤمنة به. إنّما يبقى الإيمان بالحياة، بجمالها وخيرها وعظمتها، الغنى الحقيقي للنفس. وبالإنسان العزيز من تلمع الشمس على جبينه، فلا يقضي حياته منحنياً أمام القوي.

يدي إلى قلبي.أشهد أنني تبلّغت وبلّغت! فأعيدوني إلى قبري تحت شجرة في غابة الكافور التي زرعتها أمّي، وباعها متنفّذ لشركة أجنبيّة. وبلّغوها رسالتي بأن كان أكبر همّي في الحياة إقناعها بأني لم أعد طفلاً، وها سأعود إلى حضن الثرى طفلاً من جديد؛ لعلّي أقنعت أمّتي بأني أصبحت رجلاً. دعوني أضطجع بجوار أبي -تلك المرساة التي تغرق نفسها كي يستقرّ سواها- لا أخشى أن ينهرني، فيداي نظيفتان. ولا تؤرّخوا في سيرتي أني أسقطت رأسي في بعقلين، بل أين رفعته. ادفنوا بجانبي طعبروس والغطواز ومكحش والزحافطة جميعهم. ماذا؟ ألم تتعرّفوا بشخصيّاتي؟! حسناً، عليكم أن تقرؤوا! أحكموا الغطاء عليها جيداً، واتركوا تابوتي مفتوحاً كي أقدر أن أقوم وألبط من يؤبّنني. نعم، ما زلت أكره التأبين على الرغم من حبّي للمديح!


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard