احتكامهم إلى القوّة لم يمنع لجوءهم إلى الكُهّان والسحرة... القضاء عند العرب قبل الإسلام

الجمعة 7 يناير 202211:06 ص

لم يكن للعرب قبل الإسلام، نظام، أو شريعة، أو قانون مكتوب. كانوا يرجعون في جميع شؤونهم إلى عاداتٍ وأعرافٍ قبَلية يتحاكمون على أساسها في خصوماتهم ومنازعاتهم، ومعظمها كان بسبب جرائم قتلٍ، وسرقة، واعتداءٍ على النساء، واختلافاً على المراعي والكلأ وموارد المياه، بالإضافة إلى التنازع على الرئاسة والزعامة والسلطة والشرف.

ولمّا كانت القوانين وليدة الظروف والحاجات، اختلفت التشريعات قبل الإسلام باختلاف القبائل، والأماكن، وطبيعة البيئة. يشرح جواد علي، في كتابه "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، أن أهل اليمن بنظام حكمهم المستقرّ، وبحكوماتهم التي كانت تهيمن على مناطق واسعة، كانوا يختلفون في أصول تشريعهم عن أهل مكة، أو أهل يثرب، وكلّ من هؤلاء كانوا يقطنون مدناً، وحكمهم هو حكم مدنٍ قائم على أساس آراء رؤساء الأحياء والشعاب، وهؤلاء كلهم يختلف حكمهم عن حكم القبيلة والعشيرة، أي الأعراب.

مفهوم الحق... حكم القوّة والعصبية

لأن الطبيعة الأعرابية كانت متغلبةً على حياة أكثر سكّان جزيرة العرب، نبع مفهوم "الحق" عند العرب، وكيفية الحصول عليه، من البيئة التي عاشوا فيها، فاعتمد على أمرين: الأول، هو القدرة أو القوّة، فالقويّ القادر على حمل السلاح، باستطاعته انتزاع حقه، والدفاع عن نفسه، متى تعرّض للظلم، وعلى هذا المبدأ بُنيت أكثر أحكام حقبة ما قبل الإسلام في تقويم الحق، وتقديرات دفع الديات.

والأمر الثاني مثُلت فيه العصبية القبلية بأبسط درجةٍ فيها إلى أعلاها، وكان من عوامل استحصال "الحق"، وتأديب الخارجين عن العُرف. ولعدم وجود سلطةٍ مركزيةٍ تؤدّي هذه المهمة، لعبت العصبية دوراً في تأديب الخارج عن العرف، حسب ما ذكر علي.

وانطلاقاً من هذين العاملين، أخذ شيخ القبيلة على عاتقه مهمة إحقاق الحق، فتولّى الفصل في الخلافات بين أفراد قبيلته. وكان إذا وقع خلاف بين قبيلتين، أو أفرادٍ من قبيلتين، يتولّى رئيسا القبيلتين حلّه، أو يختاران مُحكّماً مثل رئيس قبيلةٍ ثالثة. وكان المتخاصمون يجتمعون في مكانٍ معيّن، مثل "دار الندوة"، أو في المعبد، أو في بيوت الوجهاء.

ويتّضح من ذلك، أن التشريع قبل الإسلام أخذ بمبدأ أن ما يُطبَّق على أفراد القبيلة من قوانين وأحكام، يكون خاصّاً بالقبيلة، أما ما يُطبَّق على الأشخاص الذين يكونون من قبيلتين مختلفتين، أو من قبائل عدة، فإنه يكون خاضعاً للعُرف المقرّر بين القبائل.

الحق ومكانة الفرد في القبيلة

تفاوتت حماسة أفراد القبيلة لاستحصال الحق، وفقاً لمكانة الفرد، يوضح محمد سهيل قطوش، في كتابه "تاريخ العرب قبل الإسلام". فإذا كان من الأعيان، تهبّ القبيلة في استجابةٍ فوريةٍ لندائه، ومن ذلك ما جرى لعمرو بن كلثوم، سيّد بني تغلب، حين شعر بأن إهانةً لحقت بأمه ليلى، على يدي والدة الأمير اللخمي عمرو بن هند، فقتله، ونادى قبيلته، فاستجابت لندائه، فانتهب أفرادها مال عمرو بن هند، وخيله، وسبوا النساء.

وفي المقابل، حدث أن نُهب عدد من إبل الشاعر قريط بن أنيف، أحد بني العنبر، على أيدي أفرادٍ من بني ذهل بن شيبان، فاستغاث بقومه، فلم يغيثوه.

مبدأ انتقال المسؤولية وسقوطها

من مبدأ العصبية، أخذ العرب قبل الإسلام بمبدأ انتقال المسؤولية من الفاعل، إلى ذوي قرابته الأدنين، ثم الأبعدين. فالعشيرة، أو القبيلة، تكون مسؤولةً في عرف العصبية، عن كلّ عملٍ يقوم به أيّ من أفرادها، وعلى أفرادها كلهم تحمّل مسؤولية ذلك، وعليهم ضمان أداء أيّ حقٍ يتنصّل أحد أبناء القبيلة من أدائه، حسب ما ذكر علي.

مثلاً، إذا لم يُسلَّم القاتل للاقتصاص منه، أو إذا لم يتمكّن أهل القتيل من قتله، ينتقل حق أهل القتيل إلى قتل أقرب الناس إلى القاتل، ثم الأبعد، وهكذا، أخذاً بثأر القتل، ويؤدّي ذلك في الغالب إلى التوسّع في القتل، من دون سقوط حقّ ذوي القتيل في البحث عن القاتل لقتله، لأن الأصل في كلّ جريمةٍ هو الفاعل الأصل.

ويذكر الدكتور أحمد إبراهيم في كتابه "مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول"، أنه كما يتضامن ذوو القربى والأرحام في الأخذ بالثأر، يتضامنون كذلك في "العقل"، أي جمع الدية في ما بينهم عن قتيلٍ، إذا تمّ صلح، أو صدر حكم قاضٍ بدفع الدية، والكفّ عن الثأر بالدم، وتُدفع الدية إلى أهل القتيل.

"شاع عند العرب الاحتكام إلى الكهّان، إذ كانوا يعتقدون أنهم يعرفون الأسرار والأمور الغيبية، بالاستعانة بالجنّ والعرّافين والمنجّمين، ويزعمون معرفة الأمور عن طريق الفراسة، وحساب النجوم والقرائن"

وحسب قطوش، لا تسقط مسؤولية الأهل عن جرائم أبنائهم، ولا مسؤولية القبيلة عن أفعال أفرادها، إلا إذا أسقطت "العصبية" عنهم، على أن يُعلن ذلك في الأماكن العامّة، ليكون ذلك معروفاً بين الناس، فتعلن على لسان رئيسها أنها غير مسؤولة عن تصرّفاتهم، وإلا بقيت المسؤولية قائمةً في رقبة مَن تقع عليهم. وتُطلَق على من تُسقَط العصبية عنهم، تسمية "الخلعاء".

ومتى خُلع الفرد، وشهد الشهود على خلعه، صار أقرباؤه وأهل قبيلته في حلٍّ منه، لا يلبّون نداءه، وإلا تحمّلوا وزره من جديد. وعلى "الخليع" أن يحمي نفسه بنفسه، وأن يدافع عن جرائره بيديه، فإذا قَتل لا يُسأل أيّ أحدٍ من قومه عن عمله، وإذا قُتل ذهب دمه هدراً.

ولهذا قاسى الخليع حياةً قاسيةً شديدةً كانت تنتهي في الغالب بهلاكه، نتيجة خروجه على أنظمة قومه، وقوانينهم، إلا إذا تاب ووجد مَن يأويه ويحميه من أهله، أو من غيرهم، حسب قطوش.

وإذا وَجَدَ "الخليع" مَن يكفله، ويُنعِم عليه بحق الجوار، تنتقل مسؤولية عمله إلى مَن مَنّ عليه بجواره، وعلى المُجير عندئذ أن يعلن الإجارة على الملأ صراحةً، بقوله: "قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه، ما بقي من عشيرتي الأدنين رجلٌ"، فيتحمّل بذلك كل تبعةٍ تصدر من الخليع.

مبدأ إزالة الضرر

مبدأ آخر سارت عليه القبائل في تقرير الحق، تمثّل في إزالة الضرر، وتعويض المتضرر عمّا قد يلحق به من شخصٍ آخر، سواء أكان ذلك بشكلٍ متعمَّد، أو غير متعمَّد، مثل إهمال السيطرة على الماء، فإذا سال إلى أرضٍ أخرى وألحق بها ضرراً، وجب على صاحبه دفع تعويضٍ عن الضرر الذي ألحقه الماء بالمالك صاحب الأرض المتضررة، حسب علي.

ومن هذا القبيل أيضاً، سقوط بناءٍ، أو حائطٍ على شخصٍ ما، وسقوط عاملٍ يعمل أجيراً لصاحب بناء، فيجب في مثل هذه الأحوال دفع تعويض لمَن وقع الضرر عليه، أو لمَن يرثه في حالة الوفاة، كما يذكر علي.

الوضع الطبقي واستحصال الحقوق

انعكس الوضع الطبقي للمجتمع القبلي للعرب قبل الإسلام على رؤيتهم للحق، فكان لهم في الأخذ بالثأر مبدأ مقرّر معروف، هو أن القتيل إذا كان شريفاً في قومه، وكان قاتله ذا مكانةٍ وضيعةٍ، أو عبداً، لا يقبل أهل القتيل بـ"القود"، أي القصاص، وقتل القاتل، بل يعملون بعُرف "تكافؤ الدم"، فدم القتيل الشريف لا يُغسَل إلا بدم شريفٍ مثله، ومن أهل مكانته، يشرح علي.

وعلى هذه النظرة بنى العرب قبل الإسلام تقييم أثمان الديات، أي ثمن الدم. ففي حين كانت دية الحرّ الشريف تصل إلى ألفٍ من الإبل، كانت دية غيره من الفقراء، أو المعدَمين، لا تكاد تصل إلى نصف هذه القيمة، حسب قطوش.

تحكيم ومحكّمون

يشير محمد الزحيلي، في كتابه "تاريخ القضاء في الإسلام"، إلى أن العرب قبل الإسلام عرفوا نظام المُحكّمين، واشتهر عدد من هؤلاء، منهم أكثم بن صيفي الذي اشتهر بكونه "حكيماً"، وعمّر كثيراً، وقس بن ساعدة الذي عُرف كحكيمٍ أيضاً، وكان من كبار الخطباء، وأسقفاً في نجران، ومن أقواله: "البيّنة على مَن ادّعى، واليمين على مَن أنكر".

ومن هؤلاء أيضاً، عامر بن الظرب العدواني، إمام مضر وحكيمها وفارسها، وكانت العرب "لا تعدل بفهمه فهماً، ولا بحكمه حكماً"، وكان ممن حرّموا الخمر، كما روى الزحيلي.

"إذا كان المقتول شريفاً في قومه، وكان قاتله ذا مكانةٍ وضيعةٍ، أو عبداً، لا يقبل أهل القتيل بـ‘القود’، أي القصاص، وقتل القاتل، بل يعملون بعُرف ‘تكافؤ الدم’، فدم القتيل الشريف لا يُغسَل إلا بدم شريفٍ مثله، ومن أهل مكانته"

وبرز أيضاً الأقرع بن حابس المجاشعي الدارمي التميمي، من سادات العرب قبل الإسلام، وقدِم على الرسول في ما بعد، في وفدٍ من بني دارم من تميم، وأسلم.

ومن المحكّمين أيضاً أميّة بن أبي الصلت، عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي، من أهل الطائف، وكان شاعراً حكيماً، ومطّلعاً على الكتب القديمة، وحرّم على نفسه الخمر، وحاجب بن زرارة الدارمي التميمي، من سادات العرب، ورئيس تميم، وأدرك الإسلام وأسلم.

الاحتكام إلى الكُهّان

شاع عند العرب أيضاً الاحتكام إلى الكهّان، إذ كانوا، حسب الزحيلي، يعتقدون أنهم يعرفون الأسرار والأمور الغيبية، بالاستعانة بالجنّ والعرّافين والمنجّمين، ويزعمون معرفة الأمور عن طريق الفراسة، وحساب النجوم والقرائن.

ومن هؤلاء سطيح الكاهن، أو سطيح الذئبي، وهو ربيع بن ربيعة بن الذئب من بني مازن، من قبيلة الأزد، وهو كاهن غسّاني من المعمّرين، وكان العرب يحتكمون إليه، ويرضون بقضائه، وضُرب به المثل في جود رأيه، وهو من أهل "الجابية"، على مشارف الشام، ومات فيها بعد مولد النبي بقليلٍ، سنة 572، ورُوي أن الناس كانوا يأتونه فيقولون: "جئناك بأمر؟ فما هو؟"، فيجيبهم بما في أنفسهم.

آليات الإثبات والنفي

كانت للعرب قبل الإسلام آليات ووسائل اتّبعوها لإثبات الحقوق، وتوجيه التُهم، أو نفيها، على الرغم من بدائيتها، فاعتمدوا على "الشهود، والإيمان بالأصنام والأوثان التي يعبدونها، واستعانوا بالقُرعة والقسامة، وهي الحلف بالأيمان المتعددة، أو المتكررة، والقيافة، أي معرفة الشبيه لإثبات النسب، أو بتتبّع الأثر لتمييز أقدام الجاني، والفراسة، وهي الاستدلال بظواهر الأحوال وقرائنها، على خفايا النفوس والأمور، كما كانوا يعتمدون على الكهانة والكهّان الذين يستخدمون الجنّ لمعرفة الحقيقة، كما ذكر الزحيلي.

وفي فتراتٍ متقدّمة، حاول العرب في مكّة معالجة بعض الحالات النزاعية، وحماية المظلومين بأسلوبٍ منظَّم، وذلك بأن "خصّصت قريش رجالاً للقضاء، منهم زعماء بني سهم، لفضّ المنازعات بين القرشيين، وعهدت إلى رجالٍ من بني عدي في المنازعات بين القرشيين وغيرهم، وممن تولّوا مثل هذه الأعمال القضائية والتحكيمية، هاشم بن عبد مناف، وعبد المطلب، وأبو طالب، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب".

ويذكر الزحيلي أنه في مرحلةٍ أخرى، اتّفقت خمسة أفخاذٍ من قريش على عقد حلفٍ عُرف باسم "حلف الفضول"، لمنع الظلم في مكة عن الحرّ والعبد، والقريب والبعيد، والمسافر والمقيم، وتعاهدوا على نجدتهم، واستخلاص الحق لهم، ورفع الظلم عنهم، وإنصاف المظلومين منهم.

وشهد النبي محمد هذا الحلف، وهو ابن 25 سنةً، وقال فيه: "لقد شهدت في دار عبد الله ين جدعان حلفاً لو دُعيت به في الإسلام لأجبت، وما أحبّ أن لي به حمر النعم، تحالفوا أن تُردّ الفضول على أهلها، وألا يعزّ ظالم مظلوم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard