لصوصٌ لكن شرفاء... "صعاليك" العرب في الجاهلية وبعد الإسلام

الأحد 19 سبتمبر 202110:57 ص

على مدار التاريخ العربي، وُجدت الصعلكة كأداة تحكم العلاقة بين ذوي الجاه والسلطة والثراء من جهة، وبين المقصيين من الفقراء المعدمين المستقرين في قاع المجتمع من جهة أخرى، لكنها صُبغت في كل عصر بمعطياته السياسية والاجتماعية.

صعاليك الجاهلية... ضد الأغنياء البخلاء

يذكر أحمد أمين، في كتابه "الصعلكة والفتوة في الإسلام"، أن الصعاليك في الجاهلية كانوا شباناً فقراء، ويُسمّون أيضاً بـ"ذؤبان العرب"، لأنهم كالذئاب، يختطفون المال خطفاً، ويسمّون أيضاً بـ"العدائين" لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو في السلب والنهب، ولكنهم كانوا مع فقرهم نبلاء، إذ كانوا لا يهجمون إلا على الأشحّاء البخلاء من الأغنياء، فإذا وجدوا غنياً كريماً تركوه، وإنْ وجدوا غنياً شحيحاً هاجموه.

شيء آخر نبيل كان يفعله الصعاليك، وهو تكوينهم جمعية من فقراء قومهم يصرفون ممّا كسبوه من الأغنياء الأشحاء عليهم بالتساوي. ويُروى أن عروة بن الورد، أشهر رؤساء طوائف الصعاليك، كان إذا أصابت الناس سنة قحط يترك المريض والكبير الضعيف في دورهم، ثم يأخذ الأقوياء من قومه ويخرج فيغير بهم، ويجعل لأصحابه ولهؤلاء المرضى والكبار والضعاف نصيبهم. وعندما تزول الظروف الصعبة، كان يعيد كل إنسان إلى أهله، ويقسم له نصيباً مما غنموه، فكان الخارج معه كثيراً ما يعود إلى أهله وقد استغنى.

ومثل هذه الأخبار نراها في أخبار رؤساء آخرين مثل تأبّط شراً والسليك بن السلكة والشنفرى.

وبحسب أمين، أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه الصعلكة، لأن أكثر الناس كانوا من الفقراء ولا يجدون ما يأكلونه، وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من الغنيمة حصة الأسد، وهم لا يأكلون إلا الفتات، كما أن نتاج الأرض كان قليلاً ومحدوداً ولا يكفيهم كلهم ليعيشوا عيشة سعيدة، ومن هنا كانت الحالة العامة عبارة عن شعب فقير ورؤساء أغنياء، ولم يكن من سبيل للتحرر إلا الإغارة على الأثرياء الأشحاء.

ثلاث طوائف مختلفة ومناطق إغارة

يذكر يوسف خليف، في كتابه "الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي"، أن عصابات الصعاليك في الجاهلية تألفت من ثلاث طوائف مختلفة، أولها طائفة "الخلعاء والشُذاذ" الذين أنكرتهم قبائلهم، وتبرأت منهم، وطردتهم من حِماها، وقطعت ما بينها وبينهم من صلة، وتحللت من العقد الاجتماعي الذي يربط بينها وبينهم، والذي يصوّره المثل العربي القديم القائل "في الجريرة تشترك العشيرة"، فأصبحت لا تحتمل لهم جريرة، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليهم، ومثل هؤلاء حاجز الأزدي، وقيس بن الحدادية، وأبي الطمحان القيني.

وثانيها طائفة "الأغربة" السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم الإماء، فلم يعترف بهم آباؤهم العرب، ولم ينسبوهم إليهم، لأن دماءهم ليست عربية خالصة، وإنما خالطتها دماء أجنبية سوداء لا تصل في درجة نقائها إلى درجة الدم العربي، مثل تأبط شراً، والشنفرى، والسليك بن السلكة.

والطائفة الثالثة هي الفقراء المتمردون الذين تصعلكوا نتيجة للظروف الاقتصادية المختلّة التي كانت تسود المجتمع الجاهلي، ويمثلهم عروة بن الورد ومَن كان يلتفّ حوله من فقراء العرب، وكذلك تلك المجموعة الكبيرة من صعاليك هذيل.

وبحسب خليف، قطعت هذه العصابات ما بينها وبين قبائلها من صلات، وانطلقت إلى الصحراء، كما تنطلق الذئاب الجائعة، لتشق طريقاً في الحياة، وقد جمع بينها، على اختلاف قبائلها، الفقر والتشرد والتمرد ورفض الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يؤمن بها المجتمع الذي خرجت عليه، والإيمان بأن الحق للقوة، وأن الضعيف حقه ضائع في هذا المجتمع.

واتّخذ صعاليك العرب من مناطق الخصب في الجزيرة العربية، حيث الماء والزرع والماشية، أهدافاً لهم يتجهون إليها، ومناطق نشاط يعملون فيها، مثل اليمن ونجد وبعض مناطق السراة ويثرب والوديان المحيطة بها.

على مدار التاريخ العربي، وُجدت الصعلكة كأداة تحكم العلاقة بين ذوي الجاه والسلطة والثراء من جهة، وبين المقصيين من الفقراء المعدمين المستقرين في قاع المجتمع من جهة أخرى

وتوزع نشاط الصعاليك بين هذه المناطق، حتى ليوشك أن تكون لكل جماعة من جماعاتهم مناطق اختصاص يتركز فيها نشاطهم. فعروة بن الورد وصعاليكه أو "فتيانه" كما كانوا يُسمّون أحياناً، تركز نشاطهم الأساسي في يثرب وما يجاورها من شمال الجزيرة العربية، أما صعاليك هذيل فانتشروا في جبال السراة بين مكة والطائف، بينما كثرت غارات صعاليك الأزد على مناطق اليمن القريبة من الحجاز، وتخصص السليك في الإغارة على مناطق اليمن البعيدة.

بعد ظهور الإسلام... اختفاء مؤقت

يروي أمين أن الصعلكة خفتت بعد ظهور الإسلام، لسببين، أولهما أن الإسلام بتعاليمه نهى عن السلب، وكان في الغزوات المشروعة ما يغني عنها، فلم يمكن أن تكون الصعلكة نظاماً ثابتاً منتشراً؛ والثاني أن الفتوحات الإسلامية أدرّت عليهم الخير الكثير، فمَن كان يمكن أن يكون صعلوكاً أصبح يمتلك الجواري والعبيد والدور والبساتين، فلم يكن له حاجة إلى التصعلك الذي هو نتيجة الفقر والبؤس.

وربما كان الفقير الذي لا يملك شيئاً يجد في الزكاة التي فرضها الإسلام ما يغنيه عن التصعلك، وهذا لا يمنع من وجود بعض اللصوص من البدو يخطفون وينهبون ويقطعون الطرق، لكن في غير نظام.

العصر الأموي... صعاليك سياسيون

في العصر الأموي، عادت الصعلكة للظهور مرة أخرى بسبب الظروف السياسية التي سادت آنذاك. يذكر محمد رضا مروّة، في كتابه "الصعاليك في العصر الأموي. أخبارهم وأشعارهم"، أن الصعاليك في هذا العصر انقسموا إلى أربع فئات، الأولى هم الصعاليك السياسيين، وهم الذين يئسوا من تصارع الأحزاب وتطاحنها على الخلافة، ويئسوا كذلك من عدل الدولة الأموية، فناصبوها العداء، وخرجوا عليها منذرين متوعدين وثائرين عليها، ومنهم أبو حردبة المازني التميمي، وعبد الله بن الحجاج الثعلبي، وعبد الله بن الحر الجعفي.

والثانية هي فئة الصعاليك الفقراء، والتي نشأت بسبب السياسة الاقتصادية التي اتّبعتها الدولة الأموية مع القبائل، إذ كانت تمدّ المساعدة والعون للقبائل التي كانت تقف معها وتساعدها، وتقلل من تلك المساعدة للقبائل التي كانت تناهضها، أو أنها كانت تقطعها في كثير من الأحيان. وخير من يمثل هذه الفئة مالك بن الريب التميمي، وأبو النشناش التميمي، وطهمان بن عمر، وجحدر بن مالك الحنفي، والسمهري بن بشر العُكلي.

الصعاليك في الجاهلية كانوا شباناً فقراء، ويُسمّون أيضاً بـ"ذؤبان العرب"، لأنهم كالذئاب، يختطفون المال خطفاً، ويسمّون أيضاً بـ"العدائين" لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو في السلب والنهب

والفئة الثالثة هي التي تكوّنت من خلعاء القبائل وشُذاذها الذين انحرف سلوكهم في قبائلهم أو غيرها فخلعتهم وتنصلت منهم، وتوقفت عن المطالبة بحقوقهم والنهوض بجرائرهم.

وكان الظن أن تختفي هذه الفئة في عصر الدولة المركزية، إلا أن تمسك القبائل بتقاليدها وعاداتها وسلطة شيخ القبيلة وفرض سلطانه على أبنائها ابتغاء المحافظة على مركزها ووحدتها أمام القبائل الأخرى، أدّى إلى ظهور هذه الفئة من الصعاليك، أمثال الخّطيم العُكلي، ومسعود بن خرشمة التميمي، وعبيد بن أيوب العنبري، ويعلى الأحول اليشكري.

وضمت الفئة الرابعة الفارين من العدالة، وهؤلاء الذين ارتكبوا جناية على غيرهم، إما بالقتل وإما بالسرقة، ووصلت أعمالهم الشاذة إلى الولاة والخليفة، فطولبت قبائلهم بهم، ففروا من العقاب، ومنهم القّتال الكلابي، والقّتال الباهلي، والهيزدان بن خطار، وعبد الله بن الأحدب السعدي التميمي، والأحمير السعدي التميمي، ومسعود بن خرشمة التميمي، حسبما ذكر مروّة.

والظاهر أن طائفة الصعاليك الغرباء الملوّنين كادت أن تختفي في العصر الأموي، ولم تبرز كظاهرة، فلم يظهر سوى أفراد منهم الغُداف الحبشي، والذي روي أنه "لم يكن في الأرض أشد منه، وكان يقطع الطريق على القافلة وحده بما فيها من الحماة والخضراء"، وكذلك "أفلح" الذي قيل إنه "قطع الطريق على القوافل بخراسان بمفرده عشرين سنة". والواضح أن الظروف الاجتماعية والتفرقة العنصرية كانت السبب في تصعلك الاثنين.

ومارس الصعاليك في العصر الأموي الإغارة والغزو بشكل منظم وجماعي، واقتسموا ما غنموا من الأسلاب. ويروي مروّة أن كل عصابة انفردت بمنطقة من المناطق واستقرت فيها، فكان مالك بن الريب وعصابته يقطعون الطريق على الحجيج في بطن فلج، وكان أبو النشناش التميمي ومن اجتمع إليه يعترضون القوافل بين الحجاز والشام، وأغار السمهري وعصابته على الناس بطريق الكوفة ومكة أو بطريق نخل والمدينة.

أما الفئة الخطرة من الصعاليك، فتلك التي مثلها عبيد الله بن الحر الجعفي، الذي وضع نصب عينيه الدولة الأموية، فأغار بجيشه على بيوت مال الدولة في كثير من النواحي، واستولى على ما فيها، وكان يوزّع ذلك المال على أفراد جيشه من الصعاليك، وخاض في سبيل ذلك حروباً ضارية ضد عمال الدولة وقادتهم في ولاية عبيد الله بن زياد على العراق عام 55هـ، ثم تحوّل إلى مصارعة الجيش الذي أرسله المختار الثقفي بعد أن سيطر على الكوفة للقضاء عليه ولإنقاذ أموال المناطق التي بايعت له منه، ولكنه (ابن الحر) هزم جيشه شر هزيمة.

ولما قُتل الثقفي عام 67هـ وبايع أهل العراق عبد الله بن الزبير، وولى أخاه مصعباً على العراق اصطدم ابن الحر بجيوشه المتوالية، وقاتلها قتالاً عنيفاً وفتك بها.

والثابت تاريخياً أن عبيد الله بن الحر أغار على بلاد كثيرة، واغتصب ما في خزائنها من أموال، مؤيداً بصعاليكه الذين وثقوا به، ووثق بهم، فقد أغار على الأنبار وأخذ ما كان في بيت مالها وقسمه بين أصحابه، وغزا "كسكر" على نهر دجلة وقتل عاملها وسلب ما في بيت مالها وفرّقه بين رفاقه.

العصر العباسي... عيارون وشطار

في العصر العباسي، التقت ظاهرة الصعلكة الجاهلية مع ظاهرة الشطارة والعيارة في المجتمع الإسلامي، في فكرتها الإنسانية، وأهدافها النبيلة.

يذكر محمد أحمد عبد المولى، في كتابه "العيار والشطار والبغاددة في العصر العباسي"، أن هذه الفرقة لقيت من مؤرخي الإسلام من قديم وحديث غبناً شديداً، وذلك بسبب الحوادث التي واكبت ظهورهم، وكانت سبباً في سوء سيرتهم، ففي أثناء الفتنة بين الأمين والمأمون عام 198هـ على خلافة العرش العباسي نقب المسجونون في بغداد سجونهم وفروا منها وتقاطروا إلى العيارين، ولحق بهم جمع من اللصوص والمقامرين، وعاثوا في الأرض فساداً.

وهؤلاء العيارين، ومَن انضموا إليهم، كانوا من الطبقات الفقيرة المعدمة من عامة الشعب التي تعيش على هامش المجتمع وفي سفحه، ولا غرو أن يكون فيهم المتشردون والعاطلون واللصوص وأرباب السجون، ولا غرو ألا يقيم هؤلاء وزناً لعرف أو عادة أو تقليد أو شريعة، لذا كانت رؤية التاريخ السياسي إليهم بوجه عام أنهم خارجون على القانون، وحركاتهم إنما هي انتفاضات غوغائية ضد النظام والشرعية.

أما في الوجدان الشعبي، فكانت شيئاً آخر يختلف تماماً مع رؤية التاريخ الرسمي، فرأى كثيرون فيهم حركات ثورية شعبية، ورأوا في أبطالها ثواراً مناضلين يستحقون الإعجاب، وسجّل ذلك الأدب الشعبي المدوّن والشفوي.

وعليه، لم يُنظر إلى العيار والشطار على أنهم لصوص بالمعنى التقليدي الشرير، وإنما هم لصوص ولكن شرفاء، أرادوا تحقيق العدالة الاجتماعية بمنهج مقبول اجتماعياً وشعبياً ومرفوض سياسياً وشرعياً. ولا يعني ذلك أن جميع العيارين والشطار كانوا بهذه الصفة إذ كان فيهم الكثيرون من أهل النفاق.

نفوذ سياسي

الملاحظ أن العيارين والشطار حازوا نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، دفع السلاطين والحكام إلى استرضائهم. يذكر الدكتور محمد رجب النجار، في كتابه "الشطار والعيارين. حكايات من التراث العربي"، أنه في بدايات القرن الرابع الهجري، عجز سلاطين الدولة البويهية عن القضاء على العيارين، فشرعوا يستقطبون بعض زعمائهم ممَّن لهم طموح سياسي، مثل ابن حمدي، وعمران بن شاهين، وضبة بن محمد الأسدي، وابن مروان، وابن فولاذ، وغيرهم ممَّن ذاعت أسماؤهم في عهدهم، فلم يملكوا إلا أن يعترفوا بهم، ويقروهم على لصوصيتهم، فتحوّلوا حينئذ من متمردين خارجين على القانون إلى "لصوص رسميين"، إذا جاز هذا التعبير، تهادنهم الدولة، وتعترف بهم، وتعمد إلى غض الطرف عن مصالحتهم، وتعهد إليهم بالمناصب الإدارية الكبرى.

ويروي النجار أن أمر ابن حمدي أعيا السلطة، فخلع عليه القائد التركي أبو جعفر بن شيرزاد وأمّنه ووافقه على أن يسدد في كل شهر 15 ألف دينار مما يسرقه هو وأصحابه، فكان يستوفيها ويأخذ البراءات وروزات الجهبذ (أي وصولات رسمية) بما يؤديه أولاً فأولاً. وبعد فترة ظفر به أبو العباس الديلمي صاحب شرطة بغداد وقتله لأنه لم ينفّذ الاتفاق.

ومن هؤلاء أيضاً عمران بن شاهين، أمير اللصوص في البطائح بين واسط والبصرة، والذي استفحل أمره، حتى تضاعف طمعه في السلطان، وتجرأ أصحابه على جند السلطنة، وصاروا يطالبون مَن يمرّ بهم من القواد وعماله (ولاته) بحق المرصد والخفارة، وإلا ضربوه، فلما غلب على تلك النواحي سيّر له معز الدولة البويهي عام 338هـ جيشاً لمحاربته وعلى رأسه الوزير أبو جعفر الصيمري، فهزمه عمران، فوجه إليه جيشاً آخر، فهزمه، فأرسل معز الدولة وزيره العظيم المهلبي، فأسره ومَن معه، فلم يجد معز الدولة إلا مصالحة هذا اللص الثائر، فأجابه إلى ما طلبه وقلّده البطائح عام 339هـ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard