قصة الخليقة والرجل الذي لم يأكل التفاحة

الاثنين 20 ديسمبر 202103:05 م

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

سأضع سمعتي كمؤرخ على المحك، وسحقاً لجملة مبهمة تدعى الاحترام الأكاديمي المتبادل. أنتهي من كأس العرق الأولى، وأروي القصة الحقيقية التي تكتم عنها الدين والعلم ومزقوها إرباً... لماذا الخوف ها؟ ففي الكأس الرابعة من العرق يصبح العلم والدين لدي سواء، والسلطة والنساء سيان، ويشد من أزري من ماتوا وأشياء لطيفة لا توصف.   

بعد ثلاثين يوماً من النوم، استيقظ الله فوجد العالم ماثلاً أمامه، فذُهل هو نفسه! هل خُلق الكون من حلمي؟ كيف تحققت إرادتي؟ وللصراحة، هي أسئلة لن نعرف الإجابة عنها حتى يعلمنا شخصياً بما توصل إليه!

بدأ الله بمراقبة العالم وفحص نواميسه، وكم أُعجب ببعض التفاصيل. انتبه إلى إحدى زوايا الكون الماثلة أمامه، فهي مرتبة بشكل منسجم يقترب من عفو الطبيعة ولكنه ليس عفو الطبيعة، كما اعتبر بعض تفاصيلها محض مصادفة معجزة! فثمة قطعة من الأرض تهذبت بريتها من الوحشية، والحيوانات فيها ترعى بسلام لافت، فذُهل للمرة الثانية.

سأضع سمعتي كمؤرخ على المحك، وسحقاً لجملة مبهمة تدعى الاحترام الأكاديمي المتبادل. أنتهي من كأس العرق الأولى، وأروي القصة الحقيقية التي تكتم عنها الدين والعلم ومزقوها إرباً... قصة الخليقة في ملف التاريخ البديل 

بحث في زوايا تلك الأرض، فعثر على امرأة تتكلم مع زهرة وعصفور وفراشة. تفحص جسدها العاري بدقة وسألها: من أنت؟ ردت: أنا إنسان. فذُهل للمرة الثالثة.

مرت أيام والله يراقبها، كيف تصحو وتنام وتعتني بالحيوانات التي تأمرها فتطيع. يراقبها تسرّ بأذن الثعلب فينقلب على ظهره ضاحكاً، وتعابث ذبابة بإصبعها في الهواء، فترد الذبابة بدوران معابث، وتطلب من الدب فتطاع! بعد هذه المراقبة والتدقيق في هذه التفاصيل وجسدها العاري وأشياء أخرى، قرّر الله أن يخلق ما يتمم به هذا العالم. ولكنه قرر أن يخلقه بدون أن ينام.

بدأ الله بمراقبة العالم وفحص نواميسه، وكم أُعجب ببعض التفاصيل حث في زوايا تلك الأرض، فعثر على امرأة تتكلم مع زهرة وعصفور وفراشة. تفحص جسدها العاري بدقة وسألها: من أنت؟ ردت: أنا إنسان. فذُهل

نادى الإنسان وطلب منها بتهذيب أن تعيره أحد أضلاعها ليخلق منها إنساناً آخر. ضحكت الإنسان وقالت: الطبيعة كلها أمامك وتريد أن تخلق مني! وفعلاً بعد أيام (لعددها سمعة هرطوقية بلون وردي) من الصحو الخلّاق، أمسك الله قليلاً من الطين (وحده يعلم من أين) ورماه إلى الأرض بعجل فخُلق الرجل. ومنذ تلك اللحظة التي خلقه فيها الله، ركض الرجل إلى ورقة شجرة سامة لفها وكأنها سيجارة ووضعها في فمه وبدأ بالمضغ. أسرعت الإنسان إليه وخطفتها من يده، وأنّبته وسط دهشته الشديدة وذهول الله من خلقه وخُلق خليقه.

بعد ثلاثين يوماً من النوم، استيقظ الله فوجد العالم ماثلاً أمامه، فذُهل هو نفسه! هل خُلق الكون من حلمي؟ كيف تحققت إرادتي؟... ملف التاريخ البديل في رصيف22 

بدأت منذ تلك اللحظة متاعب صديقتنا الإنسان. فها هو الرجل يركض باتجاه جرف، لولا تدخّل الفراشة التي لفتت أنظاره فلحقها بعيداً عن الجرف. يلعب الرجل على ضفة النهر ويسقط وسط تيار جارف، ويكاد يغرق لولا اندفاع الإنسان وأصدقائها من التماسيح والأسماك. تشعل الإنسان النار ذات عشية باردة فتتحلق الحيوانات حولها بسلام... وحده آدم يرفع غصناً محترقاً ويركض بشكل أهوج صارخاً كالمجنون، فيكاد يحرق ذيل الذئب ويضرب سنجاباً مسكيناً حاول أن يبعده عن الأشجار اليابسة خوفاً من كارثة ما. ينقذ الموقف تدخّل الإنسان السريع بمساعدة الفيل وخرطومه. يومها كانت المرة الأولى التي ينام فيها الرجل باكياً، بعد أن أكل بضع صفعات على قفاه، فكانت تجربة الألم الأولى له.

أربعة أيام عانت فيها الإنسان من الويل في مطاردة الرجل الشقي لتحميه من الأخطار التي يضع نفسه والآخرين فيها، فتوجّهت إلى السماء ونادت: أنت الذي في السماء أريد الحديث معك. أطل الله الذي كان يراقب خلال الفترة السابقة كل ما يجري. أخبرته الإنسان بما جرى خلال الأيام الماضية، وهي تريد حلاً جذرياً. لم تُجدِ محاولات الله معها لجعلها تعتبر الرجل كائناً مسلياً، فيبدو أنه الشخص الوحيد الذي كان ضاحكاً في الأيام الماضية.

فكر الله ملياً وأخبر الإنسان بالسرّ الدفين. هناك على أطراف الغابة التي تهتم بها الإنسان ثمة شجرة تفاح يسقيها الله شخصياً من دموعه، ضاحكاً أو حزيناً، وأن من يتناول من ثمارها تتفتح مداركه العقلية لوجود خواص كيميائية في الثمرة تحفز الأعصاب وخلايا الدماغ لا أكثر، فما عليها سوى أن تطعم الرجل من تلك الثمرة فيتحول إلى إنسان.

فكر الله ملياً وأخبر الإنسان بالسرّ الدفين... هناك على أطراف الغابة ثمة شجرة تفاح يسقيها الله من دموعه، ضاحكاً أو حزيناً، من يتناول من ثمارها تتفتح مداركه العقلية فما عليها سوى أن تطعم الرجل من تلك الثمرة فيتحول إلى إنسان

يتعاون أصدقاء الإنسان معها في سحب الرجل الحردان من صفعات الليلة الماضية إلى مكان الشجرة، وتبدأ المحاولات العابثة من الإنسان لإقناعه أن يأخذ قضمة من الثمرة، وعبثاً ذهبت محاولاتها، فقد كانت آلام الصفعات على قفاه تدفعه لعناد صبياني لا جدوى معه. فكرت الإنسان: ما العمل لتغري هذا المأفون بأن يتناول قضمة من التفاحة؟

حسنٌ، أخذت التفاحة بيدها وقضمت منها على طريقته الفوضوية وأبدت مظاهر التلذذ وطقطقة الفم البليدة التي كان يصدرها في العادة عندما يأكل. تبدل وجه الرجل إلى ابتسامة بلهاء نعرفها جميعاً، ففرحت الإنسان ورقصت الحيوانات طرباً.

لكن صوتاً غاضباً جاء من السماء وقال: كلا... لماذا أكلتِ منها أنت؟

ردت حواء ببساطة: لأدفعه ليأكل منها!

اعترض الله: ولكنك ستزدادين ذكاءً وسأفقد مكانتي في هذا العالم... ملعونة أنت إلى الأبد. وكأنه تذكّر كل شيء، فكانت كلماته قاسية للغاية: "ستنزلين إلى الأرض ومعك هذا الأبله، وستنجبين منه، عقوبة لك، أطفالاً ذكوراً مثله تضج بهم الحياة، ولكن رحمة مني ستنجبين منه إناثاً يشبهونك أيضاً، سيبقى الشقاء عليك وعلى من يشبهك مؤنثاً ويحميك مذكراً".

رفعت الإنسان قبضتها غاضبة إلى السماء، فزاد الله: "ومن يدافع عنك ولو كان بالكلمة".

غابت الإنسان عن الوعي كمن يغرق في الماء. استيقظت وحولها الكثير من النساء يتأملنها، فسألتهن: من أنتن؟ أخبرنها: أننا مثلك نساء ومن أنتِ وما قصتك؟ أخبرتهن أنها إنسان وقصتها مع الرجل الذي لاحظت أنه نائم على الأرض بجانبها.

أخبرتها أحداهن أن قصتها جديدة لم يسبق أن سمعن مثلها من قبل! استغربت الإنسان: ألم تكنَّ مثلي هناك وأرسلكن الله من السماء؟! من أين أتيتن إذن؟

إحداهن كانت سابقاً تسبح في الماء... وأخرى كانت صفير هواء

وبدأت النسوة تقص كل واحدة حكايتها التي ورثتها من إحدى جداتها القديمات، فإحداهن كانت سابقاً تسبح في الماء وتستغرب المكان الذي تلهو به، حتى شاهدت وجه امرأة نظر إليها بكل العيون الحنونة والمحبة والحزينة والمتوحشة، وعرفت أنها أُكلت من قبل تلك العيون، وهي في بطنها تكبر حتى أصبحت عجوزاً، وأخبرتها برغبتها الخاصة في الخروج، فخرجت إلى الأرض.

وإحداهن كانت صفير هواء يقفز بحوافره الفضية على أجنحة الريح، حتى تعثرت ووقعت على الأرض، ويا لها من وقعة مضحكة، فتريها أثرَ الوقعة فيضحكن جميعاً، وأخرى كانت تركض على وجه الماء وتسابق الأسماك وتنتصر عليها، حتى وقعت على اليابسة وغرقت فيها فوصلت إلى الأرض. اكتشفت الإنسان أن لكل واحدة قصتها، وأنّهنّ لم ينزلن جميعهن مع رجال، وأن الرجال كانوا ينزلون وحدهم أحياناً، ولكنهم دائماً لا يتذكرون أين كانوا ولا يعرفون قصتهم!

شعرت الإنسان بغصة، فقصتها الوحيدة التي تبدو بشعة. تذكرت عالمها الجميل وأصدقاءها الحيوانات في الأعلى، ونظرت إلى الرجل النائم بقربها بلوم وعتب. فجأة صاحت إحداهن: جاءت السيدة العظيمة.

تباعدن ليفتحن طريقاً لسيدة مهيبة بحجم جسدها وثدييها ووركيها وملابسها الملونة المصنوعة من الصوف ووجها النامّ عن طفولتها الجميلة رغم تجاعيد السنين. توقفت ونظرت إلى الإنسان بينما تخبرها إحداهن بقصة هبوط الإنسان، كانت نظرات السيدة العظيمة تخترق كل أنفاس الإنسان التي فجأة أحست بالخجل من عريها وطلبت ما تستر به نفسها.

قالت السيدة العظيمة مبتسمة: كنت ماءً مالحاً وعذباً أسبح وأراقص نفسي في مزيجي، اشتدت رقصتي فتباعدت نفساي، العذبة والمالحة، فعرفتهما أمي وأبي، تناديا بالاسم اشتياقاً وتراقصا ثم التحما مرة ثانية... قصة الخليقة في ملف التاريخ البديل

ردت الإنسان نظرة السيدة العظيمة بنظرتها وسألتها: وأنت ما قصتك؟ ظهر القلق على وجه النسوة، وهمست إحداهن بأنهنّ يفكرن ملياً قبل أن يطلبن الحديث من السيدة العظيمة والتي نادراً ما تتكلم. ردت السيدة العظيمة مبتسمة: كنت ماءً مالحاً وعذباً أسبح وأراقص نفسي في مزيجي، اشتدت رقصتي فتباعدت نفساي، العذبة والمالحة، فعرفتهما أمي وأبي، تناديا بالاسم اشتياقاً وتراقصا ثم التحما مرة ثانية فكنت أنا بينهما، أشرب وآكل منهما. أحباني وباركاني وأرسلا بي إلى الأرض.     

جلست السيدة العظيمة إلى جانب الإنسان، وقالت: لننتظر أن يستيقظ الرجل ونرى هل يذكر ما جرى.

ولكنه لن يتذكر ما جرى. قالت إحداهن.

ابتسمت السيدة العظيمة وبقيت جالسة، فجلسن جميعاً ينتظرن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard