يوميّات حاملٍ قد تثير الضحك

الأربعاء 15 ديسمبر 202101:41 م

لم أخطّط للإنجاب، بل إنني صدقت في عدم إمكانية حدوث حمْلي، من دون مساعدةٍ طبية ما، كما أخبرني طبيبي الخاص، وعددته موضوعاً مؤجّلاً... ولكن كعادتها، الأقدار لها رأي آخر.

بلا خطّةٍ وجدتني أسير نحو حملي الأوّل المباغت، وما صحبه من خللٍ هرمونيّ غير معتاد، ولا مجرّب. لا خبرات لدي؛ لم أقرأ، ولم أستعدّ، ولم أتناقش مع زوجي في الأمر، وكانت هذه أولى أسباب نوبات بكائي التي لازمتني طوال أشهر حملي الأولى.

علمت بأن ما تتعرض له النساء في أثناء فترة الحمل، من تغيّرات في النظام الهرموني في أجسادهن، يجعلهن أكثر حساسيةً، ويجعل دموعهن قريبةً من دون أسبابٍ قويٍة للبكاء... في حالتي، رأيت بعد فترةٍ أن أسبابي ليست لها علاقة بالقوة والضعف، بل إنها مثيرة جداً للضحك.

في حالتي، رأيت بعد فترةٍ أن أسبابي ليست لها علاقة بالقوة والضعف، بل إنها مثيرة جداً للضحك.

"علشان مش عارفة مالي"... بهذا أجبتُ زوجي حين سأل عن سبب بكائي بحرقةٍ هكذا.

لم ألُمْه عندما كان الضحك ردّ فعله، فأنا ضحكت أيضاً بعد انتهاء سيل الدموع. لكنني والله كنت حزينةً جداً وقتها. كنت أشعر بالشفقة تجاه نفسٍ لا تستطيع تحديد ما يؤلمها.

وبمدّ الخط على استقامته، وقفتُ أمام أسئلةٍ مربكةٍ أكثر: كيف سأفسّر ما يشعر به طفلي المستقبلي الذي لم يتعلّم طرق التعبير بعد؟ كيف سأواجه ذلك المجهول، وأنا هنا الآن أمثّل وجهاً آخر لفقدان القدرة على التحديد، أو التعبير بغير البكاء؟

خلال واحدةٍ من سهراتنا، جلسنا على ضوءٍ خافتٍ نشاهد حفل عبد الحليم حافظ الأخير، وهو يغنّي قصيدة "قارئة الفنجان". كنتُ قد شاهدت هذا الحفل عشرات المرات، وأحببته، لكنه الآن يثير شجوني. ليس بسبب القصيدة ذاتها، ولكنني رأيت ملامح الوهَن على وجه العندليب وجسده، وكأنني أعيها للمرة الأولى: عينان غائرتان، ووجه حادّ أنهكه الفشل الكبدي، يغنّي من قلبه بينما صوته الحقيقي يمرّ بمريءٍ شبه متلاشٍ من كثرة المناظير الجراحية. أبكي "حليم"، الذي مات قبل ميلادي بعشر سنوات، الآن، وكأنه لا يزال حيّاً يتألّم. ثم أضحك من فعل تلك الهرمونات المدهشة.

استيقظتُ ذات نهارٍ آخر باكيةً حدّ الصراخ، لأنني تذكّرتُ أمنيةً قديمةً لي وَأَدَها الآن حمْلي. لن أستطيع العمل كـ "غارسونة" (نادلة)، كما تمنّيت كثيراً بسبب هذا الحمل المفاجئ؛ كيف سأستطيع أن أقف طويلاً بينما أحمل بطناً منتفخةً؟ وإن انتظرت انتهاء أشهر الحمل، كيف سأترك رضيعاً لساعاتٍ طويلةٍ أمارس فيها مهنتي/ أمنيّتي كـ"غارسونة"؟

كل هذه الافتراضات أثارت دموعي. لم أخبر أحداً من قبل بأمينتي للعمل كـ "غارسونة"، ما جعل زوجي، وبعدَه أختي، يضحكان كثيراً حين أخبرتهما بسرّ بكائي الأخير. ربما نسيت هذا الحلم في زحمة أيامي، لكنه كان مؤجّلاً، ولا يوجد سبب يمنعني من تنفيذه، والآن فحسب ظهر السبب، وهو سبب كافٍ جداً للبكاء

وإذا انتظرتُ فترة أطول حتى يشتدّ عود الطفل، هل سيقبل طفلي هذه الوظيفة لأمّه التي هي في الأساس تخلق الصور والكتابات؟ هل سيرى تقديم الخدمة في المطاعم والكافيهات فنّاً، مثلما سيرى أرشيف صورها؟

ماذا لو لم يحبّ صوري أصلاً؟

كل هذه الافتراضات أثارت دموعي. لم أخبر أحداً من قبل بهذه الأمنية، ما جعل زوجي، وبعدَه أختي، يضحكان كثيراً حين أخبرتهما بسرّ بكائي الأخير. ربما نسيت حلم الغارسونة في زحمة أيامي، لكنه كان مؤجّلاً، ولا يوجد سبب يمنعني من تنفيذه، والآن فحسب ظهر السبب، وهو سبب كافٍ جداً للبكاء.

ذلك المشهد قادني إلى سؤالٍ أبعد وقتما أفقت من البكاء: هل من الضروري أن نرسم صوراً مثاليةً لأنفسنا أمام أطفالنا، حتى نُرضي تطلّعاتهم، أو حتى لا نحرجهم، أو نخرج من دوائر قبولهم لنا؟ أم نربّيهم على تقبّل الآخر على اختلافه معهم، حتى لو مثّل هذا الآخر آباءهم؟

أظنّ أن الآباء في حاجةٍ إلى تخفيف أعباء التربية المثالية عن أنفسهم، والتي تدفعهم لحثّ أولادهم على أن يكونوا الأوائل على الدوام، وإلا عدّوهم فاشلين.

منامات عبثية

أخبرتني أختي الصغرى بأنها تشتهي البطاطا، وتنتظر ظهورها في السوق. بعدها، رأيت حلماً مزعجاً، عرفت أن تكراره من أعراض الحمل. زميلة دراسةٍ قديمةٍ ظننت في الحقيقة أنها لم تحبّني قط، تُهديني قطعة بطاطا ساخنة. شكرتُها ومشيت في بقية الحلم أبحث عن أختي، كي أشاركها أكل البطاطا. لم أجدها، وطال وقت الحلم، فبكيت بحرقةٍ داخله، وشعرت بالذنب إذا أكلتُ البطاطا وحدي، فبكيت أكثر. حتى صحوت لأجدني أرتعش من شدّة البكاء الافتراضي.

أحلم طوال فترات نومي وغفواتي. أرى أشياءً عبثيةً، وأشخاصاً لا يمكن أن يجتمعوا في الحقيقة أبداً. رأيتُني أجادل الألماني "يورغن كلوب"، المدير الفني لفريق كرة القدم في نادي ليفربول الإنكليزي، الذي أشجّعه. لم يكن الخلافُ بيننا على أيّ شيء يخصّ كرة القدم، من قريبٍ أو بعيد، بل كنتُ أسجّل اعتراضي على خلعه نظاراتِه الطبية، وكيف أن هذا الأمر يغيّر من الهوية البصرية لدى الجمهور. حاولتُ أن أثبت له أنني مصدر ثقةٍ، لأن خبراتي بصرية قبل أن تكون كُروية، مستخدمةً في ذلك بعض المصطلحات الألمانية، التي التقطتُها في الواقع من أختي وزوجها الألماني. أظنّ بأني داخل الحلم كنتُ عصبيةً من فرط حماسة موقفي، لكنني ضحكت على نفسي بشدّةٍ عندما استيقظت.

مشاجرة في حلمٍ آخر جمعتني بأبي في فترة مراهقتي، لأنه كان يرفض أن أقود سيارته في منامي. لم يكن هذا سبباً كافياً لاستدعاء نوبة بكاء، لكنه كان مصدراً "لتقليب المواجع" التي جمعتني بتلك السيارة في الحقيقة.

كان أبي سائقاً ماهراً، واستغرقتُ زمناً طويلاً كي أعي أنه ليس كلّ ماهرٍ في القيادة يستطيع نقل خبراته إلى آخر.

كنت أتّفق معه على اليوم المناسب للدرس، وأحمل نفسي إلى كلية طب "قصر العيني" -محل عمل والدي- في الساعة الأخيرة من النهار، حين لا تزال الدنيا مضيئةً، وكاراج الكلية شبه فارغٍ من سيارات الطلبة والأطباء، في آنٍ.

حارات واسعة... مداخل ومخارج كثيرة تسمح لمبتدئٍ مثلي أن يجرّب... وجوّ مثاليّ تماماً، وفرصة ذهبية للتعلّم، سرعان ما تحوَّل ذهَبُها إلى تراب، لأن بابا كان يريدني في مستوى مهاراته من المرة الأولى التي أجلس فيها على كرسيّه. كان يندهش بشدةٍ إذا انطفأ المحرّك، أو نطَّت السيّارة منّي. يستعجب لأنه علّمني هذا "نظرياً". لماذا أحتاج إلى وقتٍ للتدريب، ما دام الدرس مشروحاً أساساً؟!

حتى الآن، أُصابُ بنوبات توتّرٍ في لحظات نزولي من أي كوبري، حتى لو لم أكن في كرسيّ القيادة، لأنني أسمع صوت أبي "افتراضياً"، صارخاً في أذنيّ: "مابندوسش بنزين في نزلة كوبري!".

أشعر بالذنب تجاه أمي كلّما تألمْتُ. لم تخبرني قطّ طوال حياتي، بمعاناتها في أثناء حملها، على الرغم من صداقتنا القويّة. سألتُ أختي عمّا إذا كانت قد حكت أمي لها شيئاً عن الأمر، فأكدت أنها لم تفعل أيضاً. ربما لم تُرِد أن تخيفنا من التجربة، وتركت الزمن يلقننا في الوقت المناسب الدرس، مثلما ردّدت طويلاً حكمتها المفضلة: "بكرا تعرفوا".

 رأيتُني في منامي أجادل الألماني "يورغن كلوب"، المدير الفني لفريق كرة القدم في نادي ليفربول الإنكليزي، الذي أشجّعه. لم يكن الخلافُ بيننا على أيّ شيء يخصّ كرة القدم، من قريبٍ أو بعيد، بل كنتُ أسجّل اعتراضي على خلعه نظاراتِه الطبية، وكيف أن هذا الأمر يغيّر من الهوية البصرية لدى الجمهور

ثلاث سنوات على رحيلها، ولم أزل أعيد اكتشاف أمي، وتقديرها، وفكرة الأمومة في كلّ حادثةٍ جديدةٍ أواجهها. كثيراً ما أتساءل: هل كانت هي من جيل/ نوع أقوى مما نحن عليه اليوم؟ أم تلك القوى نكتسبها بالفطرة، كلّما صعدنا درجة سُلّمٍ جديدةٍ في تحدّيات الدنيا؟

ربما سأحتاج إلى تقدير طفلي القادم على حياة عيني، ولا أطيق انتظار التقدير في حياة أخرى مبهمة. لكنني أظنّ أنني لا أملك رفاهة الاختيار على أيّ حال.

التجربة العملية تخلق منّا شخوصاً جديدة... أفكاري ورغباتي وطموحاتي تتغيّر الآن، مع وجود هذا الكيان الجديد داخل رحمي. يفاجئني كلّ يومٍ ينمو فيه ملليمتراً واحداً، وتتغير شهيتي وآلامي وحالتي النفسية والذهنية، من دون أي تدخّل أو خطّة منّي... فهل أنا على هذه الحال شخص يُسأل عن خطّة؟!

ستقودني الفطرة، وسيساعدني الإله، أو ربما أنا التي ستحاول مساعدته في تنفيذ خطّته التي بدأها فيَّ من دون إذنٍ صريحٍ منّي، ومن دون اعتراضٍ أيضاً.

وضعت خطّةً مؤقتةً وسريعةً، وأنا أنهي هذه المقالة. سأبذل جهدي في استثمار طاقات الضحك التي بدأتُها قبل قليلٍ، إلى آخر مدى... فلنجعل من آلامنا واضطراباتنا وتعثّرات خطواتنا مادةً ثريّةً للضحك، لأن العالم ذاته ربما سيفنى من دون أن يضع خطّةً موحَّدةً وسليمةً، أو يجيب في الأساس على السؤال الوجودي المُحيّر: "لماذا ننجب؟".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard