عندما أصبح اقتناء الكتاب فعلاً حميمياً

الأربعاء 15 ديسمبر 202111:03 ص


أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
-المتنبي-

عند سؤالي أحد أصدقائي عن كيفيّة جمعه كتبَ مكتبته التي تكبر يوماً بعد يوم، قال إنّ المرء لا يستطيع الإجابة على مثل هذه الأسئلة شديدة الإثارة، على الرغم من بساطتها، من دون التطرّق إلى ما قرأه، كتاباً كتاباً، وصفحةً صفحة، لأنّ "اللهفات التي عشناها في السعي وراء الكتب، تعادل لهفاتنا في السعي المحموم وراء الحب، بل وربّما تفوّقت عليها".

في أوروبا، تزداد شدّة سعينا وراء الكتب العربيّة. ربّما لتكون صلة وصلٍ ببلادنا البعيدة، وكأنّ الكتاب المكتوب بحروفٍ عربيّةٍ يعيدنا إلى بيوتنا ومدارسنا الأولى، وذلك على الرغم من قدرتنا على القراءة بلغاتٍ أجنبيّةٍ، إلّا أنّ للحرف العربي قدرته على السيطرة علينا، وعلى مشاعرنا، وشدّنا نحو عوالم بعيدة.

قبل سنواتٍ طويلةٍ، كان الحصول على كتابٍ عربيٍّ في بلادٍ أوروبيّةٍ باردةٍ مغطّاةٍ بغيومٍ رماديّةٍ ثقيلة، مهمّةً أشبه بالمستحيلة. كان الحصول على الكتاب يتطلب جهداً في البحث عن البلد العربي الذي لا يمنع هذا الكتاب، لأنّ منع الكتب هواية رقابيّة تُمارَس في البلاد العربيّة كلها، من دون استثناء (اللهم إلّا لبنان في أيام حرّيته). وبعد معرفة البلد، كان إيصال الكتاب إلى البلاد الأوروبيّة يستلزم الطلب من أصدقاء مسافرين أن يضيفوا وزن الكتاب إلى وزن أمتعتهم، وأن تحتلّ الكتب العربيّة مساحةً بين أغراضهم. قد يقبل الأصدقاء، وقد يرفضون، ولهم الحق، فالكتب ثقيلة، ونقلها صعب.

قبل سنواتٍ طويلةٍ، كان الحصول على كتابٍ عربيٍّ في بلادٍ أوروبيّةٍ باردةٍ مغطّاةٍ بغيومٍ رماديّةٍ ثقيلة، مهمّةً أشبه بالمستحيلة. كان الحصول على الكتاب يتطلب جهداً في البحث عن البلد العربي الذي لا يمنع هذا الكتاب، لأنّ منع الكتب هواية رقابيّة تُمارَس في البلاد العربيّة

بعد ذلك، وُجدت متاجر إلكترونيّة تبيع كتباً عربيّةً، وتُوصلها إلى أيّ مكانٍ في العالم، عن طريق شركات الشحن المختلفة، لكن كلفة الشحن عالية جداً، وتفوق في كثيرٍ من الأحيان سعر الكتاب، فيضطر المرء إلى أن يشتريَ كتباً أكثر، كي يقلّ سعر الشحن، حسب قانون النسبة، فيصير المبلغ كبيراً. وكثيرون من اللاجئين/ ات، والمنفيين/ ات، من أصحاب الدخل المحدود، لذا يصير اقتناء الكتاب عبئاً، يُثقلُ ثقلَ الغربة ثقلاً.

في السنوات الأخيرة، ازدادت أعداد العرب في أوروبا، أيّ ازدادت نسبة الطلب على الكتب العربيّة، فصارت تلك المتاجر الإلكترونيّة تقدّم عروضاً بأسعارٍ مُخفّضةٍ، وصار بعضها متمركزاً في أوروبا، فقلّت كلفة الشحن، وصار اقتناء الكتاب أسهل.

الكتب التي تحتلّ المساحة الأوسع في هذه المعارض، هي الكتب الدينيّة، وكتب التنميّة البشريّة، وكتب من نمط "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة".

ثم صارت معارض الكتب العربيّة تُقام في مدنٍ أوروبيّةٍ عديدة، لكن مشكلة بعضها أن كتبها مزوّرة،من دون أن يذكر القائمون عليها شيئاً عن ذلك. يقتني المرء كتباً صادرةً عن دور نشرٍ عريقة، طباعتها ممتازة في العادة، لكن كتب تلك المعارض سيئة من حيث الورق والطباعة، وبتدقيقٍ بسيطٍ يكتشف المرء أنّها منسوخة ومطبوعة بشكلٍ غير احترافي مقارةً بالكتاب الأصل. وبعبارةٍ أشدّ وضوحاً، هي كتبٌ مسروقة.

يضعنا الأمر بين خيارين، اقتناء كتبٍ يصعب الحصول عليها في أوروبا، لعدم توافرها، أو لارتفاع أسعار الحصول عليها، من متاجر إلكترونيّة، أو عن طريق أصدقاء مسافرين، أو عبر شرائها من معارض كتبٍ تستغلّ حاجة الناس إلى كتبٍ عربيّةٍ في مدن أوروبيّة، فتبيع كتباً غير أصلية، بأسعار رخيصة نسبياً، ونساهم بذلك في سرقة الكتّاب والكاتبات، والمترجمين/ ات، ودور النشر، والعاملين في المطابع ووو… إلخ. ولكلّ امرئٍ اختيار ما تمليه عليه نفسه.

الآن توجد في بعض المدن الأوروبيّة الكبيرة، كبرلين مثلاً، متاجر تبيع الكتب بشكلٍ مباشر، كمكتبة خان الجنوب. تبيع الكتب العربيّة بنسخها الأصليّة، فيرتاح ضميرنا ونحن نقرأ، من دون أن نشعر بأنّنا نسرق جهود الآخرين، مثلما يحدث حين نقرأ كتباً مزوّرة.

لكن مثل هذه المتاجر قليلة جداً، وغالباً ما تكون أسعار الكتب التي تبيعها أعلى من أسعار الكتب المزوّرة، لذلك يكون الإقبال على معارض الكتاب المزوّر كبيراً، محققةً مبيعاتٍ هائلةً في معظم المدن التي تحطّ فيها هذه المعارض (أقصد معظم المعارض وليس كلّها، حتى لا يكون في الكلام تعميم)، وتعاني هذه المتاجر، التي تبيع النسخ الأصليّة، من قلّة البيع.

الكتب التي تحتلّ المساحة الأوسع في هذه المعارض، هي الكتب الدينيّة، وكتب التنميّة البشريّة، وكتب من نمط "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، وروايات تُصنَّف نقدياً على أنّها من أسوأ ما كُتب في صنف الروايات، إلّا أنّها تباع بكثرة.

صار الكتاب، كلّ كتابٍ، مهمّاً، حتى لو كان كتاباً سيئاً، أو كتاباً لم نحبّه. صارت أهميّة الكتاب من أهمية وجودنا، وكأنّنا لا نكون إن لم تكن هذه الكتب

بين هذه الكتب، في المعارض المتجوّلة، والمكتبات المُفتتَحة حديثاً، ومتاجر البيع الإلكترونيّة، نحاول البحث عن كتبٍ معرفيّةٍ قيّمة، ورواياتٍ جيّدة تُقرأ، إن كان سعرها مناسباً، ولم تكن مسروقةً ومنسوخةً بشكلٍ سيّء.

هكذا نسعى وراء الكتب، كتاباً إثر آخر، ونغوص في حكاياتها؛ حكايات الكتاب، كلّ كتاب، والأسرار التي كتبها الكتّاب والكاتبات، وحكايات الحصول عليها، فتصير قيمة الكتاب مضاعفةً. فكلّما ازدادت صعوبة الحصول على كتاب ما، ازدادت قيمته المعنويّة عندنا.

صارت الكتب، في هذه الغربة، تمائم حظّنا، وصلة وصلنا مع بلادنا. صارت الكتب من أكثر الأشياء التي نقتنيها حميميّةً، وكأنّها أعزّ ما نملك. صار الكتاب، كلّ كتابٍ، مهمّاً، حتى لو كان كتاباً سيئاً، أو كتاباً لم نحبّه. صارت أهميّة الكتاب من أهمية وجودنا، وكأنّنا لا نكون إن لم تكن هذه الكتب. وهذه، والله، لمِن آثار غربة المرء، إذ يتذكّر واحدنا ماضيه عن طريق هذه الكتب، مثلما يتذكّر النابغة الجعديّ حبيبته، فيقول: تَذَكَّرتُ وَالذّكرَى تُهيِّجُ للفَتَى/ وَمِن حَاجَةِ المَحزُونِ أَن يَتَذَكَّرا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard