"أمهات مهما كلّف الثمن" مغربيات يبحثن عن شعور الأمومة ولو لجأن لأرحام غيرهن

الاثنين 13 ديسمبر 202105:59 م

"واخا ما ولدتهاش من كرشي راها بنتي" (على الرغم من أنني لم أنجبها، هي ابنتي)؛ في لحظة عناقٍ حارّ تتخللها قبلات على الجبين، هكذا عبّرت "للا فاطمة" عن حبّها اللا مشروط لابنتها شيماء. هي حالة من بين حالات كثيرات من النساء اللواتي اخترن التبنّي، لتعويض شعور الأمومة لديهن. فمن بين الغرائز الإنسانية كلها، تُعدّ غريزة الأمومة الأشدّ، وتُضاف إلى ذلك، أحكام القيمة الاجتماعية التي ترى ظلماً، أن "عدم الإنجاب، اختلال في مقاييس الأنوثة".

كثيراتٌ قضين سنواتٍ في البحث عن حلول لمشكلات الحمل والإنجاب. منهنّ من تحمل طفلها بين يديها الآن، ومنهنّ من لا يزلن يتطلعن إلى أن يكون لهن نصيب في ذلك. للا فاطمة، ورحمة، والحاجة مباركة، وخديجة، نساء لم يعشن مخاض الولادة، إلا أنهنّ تعهّدن باحتضان أطفال غيرهن، بفيضٍ من مشاعر الأمومة.

محاولات يائسة

في خضمّ انشغالها بتجهيزات عرس ابنتها، شاركتنا للا فاطمة مشوارها في البحث عن الأمومة. تحكي لنا، والدموع تغالبها: "أنا اليوم كناخد مكافاءتي من اللّي صبرت عليه سنوات، حتى كبرت هاد البنية" (اليوم أُكافَأ عما تكبّدته من عناءٍ، طوال سنواتٍ، كي أربّي هذه الطفلة).

معاناة البحث عن شعور الأمومة استمرت تسع سنوات، منذ زواجها قبل إحدى وثلاثين سنةً. فبعد أن شخّص أوّل طبيبٍ عدم قدرتها على الإنجاب، توجّهت نحو مدنٍ مغربيةٍ كبرى، حيث وصف لها أطباء آخرون بعض العقاقير التي توقفت عن تناولها، بعد أن فعلت ذلك لسنواتٍ، من دون أي جدوى. زوج فاطمة، كما أخبرتنا، كان سنداً لها في هذه المرحلة، واقترح عليها مراتٍ عدة التبنّي، لكنها كانت رافضةً في البدء للفكرة، خوفاً من ردة فعل أهالي الطفل عندما يكبر.

"واخا ما ولدتهاش من كرشي راها بنتي"  هكذا عبّرت "للا فاطمة" في لحظة عناقٍ حارّ تتخللها قبلات على الجبين، عن حبّها اللا مشروط لابنتها شيماء. أمهات يلجأن إلى التبني في المغرب

ضغط الأسرة، وإرهاصات المجتمع، لعبت دوراً مهماً في تغيير رأيها، وجاء اليوم الذي حوّل مجرى حياتها. تقول: "أتذكر أنه كان يوم عيدٍ، حين كنت وزوجي في زيارةٍ لأحد أقاربنا في البادية، وصادف أن كانت إحدى الجارات حاملاً في شهرها السابع، ولا تقوى مادياً على التكفّل بالطفل، فاقترحت علينا قريبتنا احتضان الطفل، وطمأنتنا بمعرفتها لخصال تلك الأسرة، وبرغبتهم في أن يكبر طفلهم في ظروفٍ أفضل لا غير". اتّفق الزوجان مع السيدة الحامل، بأن يدفعا مصاريف المستشفى، واصطحبا الرضيع معهما إلى البيت منذ يومه الأول.

أطلقت فاطمة على الرضيعة اسم شيماء، وهو الاسم الذي احتفظت به في قلبها لسنوات. تضيف: "لا أستطيع وصف شعوري في تلك اللحظة، لأنني لم أتعرّف عليه قبل ذلك. كانت ملامحها وأعضاؤها صغيرةً، وأحسست بأنه لا ملجأ لها سواي".

لم تخفِ والدة شيماء بالتبنّي، عن ابنتها، حقيقة أنها لم تنجبها، فكانت تصحبها عند كل مناسبةٍ لرؤية والديها البيولوجيين. وتقول شيماء، وهي تبلغ اليوم من العمر 21 سنةً: "لم أشعر يوماً بأن أمي غريبة عنّي، وعلى الرغم من زياراتي المتكررة لأهلي، لم يتزعزع هذا الشعور. أنعم الله علي بوالدتين، لكن الفضل الأكبر يعود إلى والدتي فاطمة".

مكافأة ربّانية

أمّ الجميع؛ هكذا يصف سكان الحي رحمة، التي تبلغ اليوم 65 سنةً. كيف لا، وهي التي تقدّم لأطفالهم الخبز المدهون بالزبدة، كل يوم، في أثناء عودتهم من المدرسة. تقول: "كنت أعدّ جميع الأطفال أبنائي. ربّيت أجيالاً، وتزوّجوا وأنجبوا وصاروا يحضِرون أطفالهم لتقبيل يدي".

تقطن رحمة في مدينة الحاجب، في شرق المغرب، في منطقة تلجأ إليها الأمّهات العزبات الفارّات من أسرهنّ، للعمل في مجال الفلاحة، وتوفير قوت يومهن. قبل ست عشرة سنة، وفي يومٍ شتويٍّ، قدِمت إحدى النساء وهي حامل في أشهرها الأولى، إلى الضيعة، وكانت تسأل عن بيتٍ للكراء، وعن فرصة عمل، فدلّها أحد السكان على رحمة. تحكي لنا: "أتذكّر ذلك اليوم، وكأنه البارحة. طرق باب منزلي المقدّم (شيخ الحارة)، وبرفقته شابّة في العشرينات، ودعاني لاستقبالها ليلةً واحدةً، ريثما يبحث لها عن سكنٍ مشترك".

تفاجأت رحمة، بعد أن بلغ الرضيع شهرين، بوالدته تطلب منها أن تتبنّى طفلها، رغبةً منها في الانطلاق صوب حياةٍ أخرى.  والدته كانت مصرّةً على الرحيل، فوافقت.

تلك الليلة كانت حاسمةً في حياة رحمة، إذ قررت أن تعتني بالشابّة طوال فترة حملها. وعلى الرغم من تعلّقها الشديد بها، وبالجنين، لم تتبادر إلى ذهنها إمكانية فصل الرضيع عن والدته، أو الاحتفاظ بالطفل كما تقول: "عشت مع الشابّة مراحل الحمل كلها، من الوحم إلى المخاض، شعرت للحظاتٍ وكأنني أنا الحبلى. ما كان بيني وبين الطفل أكثر من مجرد ضيافة. هو علاقة نشأت وتوطّدت كلما وضعت يدي لأتحسس حركاته في بطن أمه".

قررت رحمة، برفقة الشابّة، تأخير عملية التعرّف على جنس المولود حتى الوضع، ومرّت الشهور التسعة بسلامٍ، ووضعت الشابة المولود الذكر. وامتناناً منها لمعروف حليمة، منحتها فرصة تسميته. تضيف: "عندما حملته، قالت لي الشابّة: ماذا ستسمينه مِّي حليمة؟ استغربت ورفضت. لكنها ألحّت فأسميته حسين، تيمناً بوالد زوجي المرحوم، كما كان يريد لو رزقنا يوماً مولوداً ذكراً".

تفاجأت رحمة، بعد أن بلغ الرضيع شهرين، بوالدته تطلب منها أن تتبنّى طفلها، رغبةً منها في الانطلاق صوب حياةٍ أخرى، وتيقّناً منها بأنها لن تجد له حضناً أدفأ من حضنها، ولأنها لم تستطع المغامرة بتركه، خاصةً وأن والدته كانت مصرّةً على الرحيل، فوافقت.

حسين سيتم ربيعه السادس عشر، بعد ثلاثة أشهر من الآن، وهو شاب حيوي ومقبِل على الحياة بشغف، ويحبّ كرة القدم. وبمساندةٍ من والده وأمه يطمح إلى الاحتراف خارج المغرب.

ابنة أختي ابنتي

تزوّجت الأستاذة مباركة، في عمرٍ مبكرٍ، قبل أربعين سنةً. تعرفت إلى زوجها عمر، في أثناء مزاولتهما مهنة الحراسة العامة (ناظرة)، في إحدى ثانويات مدينة فاس المغربية، وظلّا يحاولان طوال سنواتٍ، إنجاب طفلٍ من صلبهما، لكن حالة عمر الصحّية حالت دون ذلك، فجاء الاقتراح من أخت خديجة الحامل بطفلتها الرابعة، بأن تمنحها إياها بعد وضعها. اختلطت المشاعر في البداية على مباركة، بين الفرحة التي كانت تنتظرها منذ مدةٍ ليست بالهيّنة، وبين الخوف من أن تخيّب ظنّ أختها، ولا تحافظ على الأمانة كما ينبغي. تقول: "موافقتي كانت مغامرةً كبيرةً أقبلت عليها، وكان عليّ تحمل النتائج".

استمدّت القوة من أسرتها، وأدمجت الطفلة التي أطلقت عليها اسم سلمى، في جوٍّ أسري متلاحم مع أبناء خالتها كما تناديهم. وتضيف: "تعلم ابنتي بأنني خالتها، لكنها تناديني أمي، وتعلم أن من تناديها خالتي هي في الأصل أمها. نحن لم نحاول يوماً إخفاء الحقيقة عنها. إخوتها هم إخوتها، وكلما احتاجت إلى أن تكون برفقتهم، لا أحد سيمنعها".

فرحة مختلطة بالخوف

بعد يوم عملٍ شاق، تدخل بيتها مساءً، وتعانق ابنتها رتاج، بقوةٍ، ثم تغيّر ملابسها، وتودع المربية لتشرع في تلبية حاجات رضيعتها. خديجة أمٌّ في بداية عقدها الثالث، اكتشفت في سنٍّ مبكرة قبل الزواج، عدم قدرتها على الإنجاب. وعندما التقت بشريك حياتها، وصارحته بالموضوع، توصّلا إلى قرار التبني. تقول: "تسلّمت رتاج، في يومها الأول، من المستشفى، بعدما تخلّت أمها عن حضانتها لأسبابٍ مادية وعائلية".

وعلى الرغم من أنها كانت حديثة الزواج، ولم تكن لها معارف كثيرة حول الأمومة، انشرح قلب خديجة للصغيرة، وتيّسرت لها بقية الأمور، وتقول مستطردةً: "أنا أؤمن بأن الأمومة فطرية، وليست مكتسبة".

لكن، وعلى عكس الأمهات السابقات، ما زالت خديجة مترددةً في موضوع إطلاع ابنتها على أمّها البيولوجية، وتردف: "قد يعدّني البعض أنانيةً، لكن خوفي من أن تهجرني إذا ما أخبرتها يؤرقني، ولا أعلم ماذا ستكون ردة فعلها إن بادرت إلى إخبارها، ولا كيف ستتصرف إن لم أخبرها، وعلمت بالأمر من مصدرٍ آخر".

"تعلم ابنتي بأنني خالتها، لكنها تناديني أمي، وتعلم أن من تناديها خالتي هي في الأصل أمها. نحن لم نحاول يوماً إخفاء الحقيقة عنها. إخوتها هم إخوتها، وكلما احتاجت إلى أن تكون برفقتهم، لا أحد سيمنعها".

خديجة مثالٌ لأمهات يكفلن أطفال غيرهنّ، ويعشن فرحةً مؤقتةً، لها تبعات معنوية وقانونية. فالبوح بالحقيقة للطفل، بالنسبة إليهن، مهمة تكاد تكون مستحيلةً، وفي أحيان كثيرة لا يحالفهن الحظ في الاحتفاظ بهذا السرّ مدى حياتهن، وتنقلب فرحتهن إلى عتابٍ ولومٍ وتركٍ، بمجرد انكشافه، وهي الوضعية التي قد تكون لها تبعات نفسية صعبة على الطرفين.

وقد أطّر القانون المغربي، بشكلٍ صارمٍ، هذا الوضع، إذ جعل التبنّي جريمةً يعاقَب عليها. وفي المقابل، أباح الكفالة التي تجبر الوالدين بالتبنّي على ضمان احتفاظ الطفل بنسبه الحقيقي، وهو ما يؤكد عليه مهدي الودي اليزيدي، المحامي في هيئة الرباط، في تصريحه لرصيف22: "وفق المادة 149 من قانون الأسرة، فالتبنّي بالنسبة إلى المشرّع المغربي باطل، استناداً إلى موقف الشريعة الإسلامية من الموضوع. وفي المقابل، للزوجين الحق في الكفالة، وفي تنزيل المكفول منزلة الابن، من دون منحه النسب. وهذه العملية تخضع لشروطٍ أوّلها رفع طلبٍ للمحكمة ليتحقق القاضي من سلامة هذه الكفالة، وإن تم خرق شرطٍ من هذه الشروط، يكون للابن كما للأبوين البيولوجيين الحق في رفع دعوى قضائية ضد الأبوين بالتبنّي". لكن هؤلاء النسوة يغامرن، في وجه القانون والمجتمع، في سبيل أن تكون لهن "فلذات أكبادهن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard