بسبب المخاوف من "أوميكرون"... الإغلاق يحرم الفنانين والمثقفين المغاربة من لقاء جمهورهم

الاثنين 13 ديسمبر 202103:17 م

في الوقت الذي تعيش فيه العديد من البلدان العربية والأجنبية على إيقاع التظاهرات والمهرجانات الثقافية والفنية، يعود المغرب من جديد إلى مسلسل الإغلاق، من دون أيّ سببٍ وجيه، خاصةً أن الحالة الوبائية فيه مُطمئنة إلى أبعد الحدود، بشهادة اللجنة العلمية المختصة. كما أن المتحوّر الجديد من فيروس كورونا، "أوميكرون"، لم يتمّ تسجيل أيّ حالة منه في المغرب، وهو ما جعل العديد من الأنشطة تتوقف أو تتأجّل، وحُرم العديد من المسرحيين والفنانين من المشاركة في تظاهراتٍ ثقافية وفنية خارج البلاد، ما فوّت على المغرب فرص التباري، وإظهار تجاربه الفنية المتميّزة، وانتزاع جوائز قيّمة ربما.

"مجرد متاحف فارغة"

الوضع مُقلق ومُخيف، والمشتغلون فيه يشعرون بالإحباط والغبن، وبأن عملهم لا قيمة له، في بلدٍ صار يفتخر بمنشآته الفنية الضخمة، وآخرها المسرح الكبير في العاصمة الرباط، التي يخشى العاملون في المجال المسرحي والفني فيها، من أن تتحول مع استمرار هذا الوضع، إلى "مجرد متاحف"، وليس فضاءات لاحتضان الأعمال الفنية والثقافية المغربية التي تحتضر اليوم، أمام مرأى جميع المسؤولين عن القطاع، وهم مبتهجون، في مفارقةٍ عجيبةٍ لاختيار الرباط عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2022، من قبل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) فبأيّ ثقافة، وبأيّ فنٍّ سيتمّ تخليد هذه المناسبة المهمة؟

لم تكلّف الحكومة نفسها عناء شرح قرارها الصادر بتاريخ 3 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، القاضي بمنع جميع المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية إلى أجلٍ غير محدد، ولا حتى تبرير أسبابه بشكلٍ معقول. لذا، وجد الفنانون أنفسهم معزولين، ولا حول ولا قوة لهم، أمام هذه القرارات التعسفية والعبثية، التي جعلت المسرح المغربي يحتضر، بسبب الإغلاق المتكرر.

أمام صمت الكثير من الجهات المسؤولة، وحتى الإطارات الثقافية والفنية والنقابية، باستثناء القليل منها، لم يجد المسرحيون أمامهم إلا وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً الفايسبوك، التي أطلقوا عبرها حملةً من أجل إنقاذ المسرح المغربي، تتمثّل في منشوراتٍ وفيديوهاتٍ قصيرة، لفنانين وفنانات، يطالبون فيها وزارة الثقافة، الوصيّة على القطاع، بالتدخل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك تحت شعار "أنقذوا المسرح المغربي من السكتة القلبية". وهي حملة انخرط فيها العديد من الفنانين المغاربة، ولكن حتى الساعة لا ردّ فعلٍ يُذكر من الوزارة الوصيّة.

أنقذوا المسرح

المخرج المسرحي أمين ناسور، المنخرط في هذه الحملة، يقول في تصريح لرصيف22، إنه تفاجأ كبقية الفنانين بهذا القرار الغريب والغامض، ووجه الغرابة فيه أنه "أوّلاً لا يستند إلى معطيات ملموسة، لأن المؤشر الوبائي الذي يمكن الاعتماد عليه في اتّخاذ مثل هذه القرارات، مستقرّ الآن، وثانياً لأنه حين يكون المنع، يكون عامّاً، ويمسّ مختلف المجالات التي تعرف حضوراً كثيفاً للمواطنين، وليس المجال الفنّي فحسب، في حين هناك مجالات أخرى تشتغل بشكلٍ عادي. وثالثاً، هناك ضبابية في هذا القرار، فهناك من يقول إن المنع يطال التظاهرات الكبرى فحسب، وهناك من يقول إنه يطال الكل، لكن في حقيقة الأمر هناك عمالات (بلديات)، ترخّص لتنظيم الأنشطة، وأخرى لا تسمح بذلك".

ويوضح ناسور أن الوضع المسرحي اليوم، في المغرب، كارثي، والمهنيون تضرروا كثيراً، وفقدوا الأمل وأُحبِطوا، عادّاً أن الأمر يتعلّق بـ"أزمة غير مسبوقة في الفن والمسرح تحديداً، ولهذا أطلقنا نداءً لوزير الشباب والثقافة والتواصل من أجل التدخّل العاجل، لطرح حلول آنية لتجاوز الأزمة التي يعرفها المسرح والمسرحيون المغاربة في فترة كورونا".

ويتساءل المخرج أمين ناسور: "لماذا لم يُعلَن عن الدعم العمومي الموجَّه إلى الفنون، وخصوصاً الدعم المسرحي؟ ولماذا تم إلغاء مهرجان المسرح الوطني لسنتين متتاليتين؟ ولماذا لم يتمّ الإعلان عن افتتاح الموسم الثقافي والفني، على الرغم من أن الميزانيات رُصدت للوزارة في هذا الشأن، وهذه السنة عرفت تخفيفاً للإجراءات على القطاعات كلها؟ ولماذا تظلّ الثقافة هي القطاع اليتيم الذي تُتّخذ في حقّه كل الإجراءات التعسفية؟ ولماذا لم يتم اقتراح حلول فعلية لتجاوز الأزمة، خاصةً من طرف مديرية الفنون، ما دام المبدأ هو استمرارية المرفق العمومي؟".

ويؤكد ناسور أن الحملة التي أطلقها المسرحيون المغاربة، والمتمثّلة في صرخاتٍ عبر مقاطع فيديو أو منشورات، ليست إلاّ البداية فحسب، ولا يمكن التكهّن بما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، إن استمر الوضع على ما هو عليه، ويضيف: "الوضع كارثي، والاحتقان كبير جداً، وغير مسبوق، لهذا فنداؤنا إلى وزير الثقافة هو التدخّل السريع لطرح بدائل حقيقية وفعّالة لتجاوز الأزمة، إذ لا يُعقل أن يظلّ المغرب، البلد الوحيد في إقليمه وجغرافيته ضمن الدول العربية الذي لم يقم بمبادرات خلاّقة للحفاظ على الفن والثقافة في الحياة اليومية للمواطنين".

ممنوعون من مغادرة المغرب

تسبّب قرار اللجنة الحكومية لتتبع كوفيد في المغرب، القاضي بإغلاق الأجواء المغربية، وإيقاف جميع الرحلات الجوية المباشرة باتجاه المملكة، في حرمان العديد من الفرق المسرحية من المشاركة في تظاهراتٍ مسرحية خارج المغرب، وتمثيل البلد في أكبر التظاهرات المسرحية العربية التي ينتظرها المشتغلون في المجال، بفارغ الصبر، ومن بينها فرصة تمثيل المغرب عبر المشاركة في الدورة 22 للمهرجان الدولي لأيام قرطاج المسرحية في تونس، المنظَّمة من 4 إلى 12 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، بمسرحية "شا طا را"، لفرقة "ثفسوين للمسرح الأمازيغي" في الحسيمة، وذلك بعد أن قام أعضاء الفرقة المسرحية بكافة الإجراءات الإدارية والتقنية والفنية، استعداداً لهذه المشاركة القيّمة، وبعدها فرق مسرحية أخرى كفرقة "أنفاس"، التي من المفترض أن تمثّل المغرب في الدورة 28 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي المزمَع تنظيمه من 14 إلى 19 كانون الأول/ ديسمبر 2021، بمسرحية "المدينة لي"، للمخرجة أسماء هوري، وهي مسرحية تجمع بين المسرح والشعر، ويشارك فيها الشاعر والكاتب المغربي ياسين عدنان. 

لم يكن الإغلاق العائق الوحيد الذي وقف في وجه مسؤولي فرقة "أنفاس"، التي سبق لها أن تُوِّجت بجائزة أفضل عرضٍ مسرحي عربي في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2017، عن مسرحية "خريف". إذ كان التعويض الهزيل الذي منحته وزارة الثقافة للفرقة، لتمثّل المغرب في مهرجان بغداد الدولي للمسرح في العراق من 20 إلى 26 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، والذي لم يكن مناسباً لتغطية مصاريف تنقّلات أعضاء الفرقة، هو ما حرمها من المشاركة، وجعل مدير الفرقة الفنان رشيد البرومي، يعبّر عن حسرته عبر تدوينةٍ له على صفحته في فيسبوك، مرفقةً بملصقٍ للمهرجان يضمّ أعلام البلدان العربية والأجنبية المشاركة، والتي يغيب عنها علم المغرب، وعلّق قائلاً: "غاب للأسف علم المغرب عن هذه الصورة، بعدما كان حاضراً ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان بغداد الدولي للمسرح، عبر دعوة فرقة مسرح أنفاس بمسرحيتها "المدينة لي"، جرّاء عدم توافر تمويلٍ للقيام بذلك، بينما حضرت كل الفرق المنتقاة. هي مناسبة لنقدّم مرةً أخرى إلى أشقائنا في العراق، أسفنا واعتذارنا عن عدم التشرّف بالمشاركة معهم في مهرجانهم الدولي، وشكرنا لهم مرةً أخرى لاختيارنا في المسابقة الرسمية من بين عددٍ هائلٍ من الترشيحات الدولية. وهي مناسبة أيضاً لكي نسائل سياسة الديبلوماسية الثقافية للمغرب، حول دورها في الترويج للإبداع المغربي لدى بقية الدول العربية".

انتقائية في منع الفعاليات الثقافية

من جهتها، عبّرت "النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية"، عن استنكارها للمنع الذي طال التظاهرات الثقافية والفنية، والذي وصفته بالانتقائية غير المقبولة، لأن هناك العديد من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية الأخرى التي تعرف كثافةً بشريةً أكثر، في أثناء مزاولتها، ولم تتعرض للمنع، في حين أن العديد من الأنشطة الثقافية والفنية لا تعرف، عموماً، حضوراً كثيفاً، باستثناء العروض الفنية ذات الطبيعة الجماهيرية، كما يخضع الولوج إلى هذه الأنشطة إلى تنظيمٍ محكَمٍ يمكّن من تسهيل تنفيذ الإجراءات الاحترازية اللازمة بصرامة، تحت مراقبة الأجهزة الوصيّة، وبسعةٍ محدودةٍ إن اقتضى الأمر.

"هل هناك نيّة مُبيّتة للقضاء على هذا القطاع الهش والضعيف، (بدل) مدّه بالأوكسجين اللازم". مخاوف المغرب من متحور أوميكرون توقف الفعاليات الثقافية

وتضيف النقابة، في بيانٍ حصل رصيف22 على نسخةٍ منه، أنها "إن كانت دائماً تعدّ الصحة العامة فوق كل اعتبار، إلا أنها تسجّل بأسفٍ أن الآثار الكارثية لمثل هذه القرارات الفجائية، وغير المتدرّجة، على القطاع الفني والثقافي الذي عرف تراجعاً كبيراً عن الكثير من المكتسبات، طوال الفترة الحكومية السابقة، ولم يزده التوقف الاضطراري بسبب الجائحة إلا تدهوراً، سواء من الناحية الثقافية أو الاجتماعية، ناهيك عن غياب أي مخطط خاص للقطاع الحكومي الوصيّ بالتعامل مع الجائحة في مثل هذه الحالات، بشكلٍ يضمن سير القطاع، واستمراريته، ومواصلة تقديم الخدمات الثقافية للجمهور، ولو في الحدود الدنيا".

ما يعمّق من أزمة الفرق المسرحية، أنها لم تتلقَ الدعم الحكومي، وهو ما دفعها إلى دعوة وزير الثقافة لـ"الإفراج عن الدعم المسرحي، وفق خطة خاصّة تأخذ بعين الاعتبار احتمالية منع العروض (...)، وتحسباً للآثار الجانبية السلبية على الحياة الاجتماعية للفنانين، لمثل هذه القرارات التي تقتضيها الصحة العامة".

لا حاجة للبلاد والعباد بالثقافة

لم تسلم الأنشطة الثقافية العديدة من هذا المنع، ولهذا السبب أعلنت العديد من المؤسسات والهيئات الثقافية عن تأجيل أنشطتها إلى تاريخٍ لاحقٍ، كما شأن "بيت الشعر في المغرب"، الذي كان سينظِّم يوم السبت 11 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، حفل تسليم جائزة الأركان العالمية للشعر، التي أعلن عن منحها للشاعر المغربي محمد الأشعري، وهي الجائزة التي أصبحت من أبرز الجوائز العالمية.

وعن القرار الحكومي بإلغاء الفعاليات الثقافية، يقول الشاعر ورئيس البيت، مراد القادري، في تصريحٍ لرصيف22، إنه "جاء ليوجّه الضربة القاضية إلى الحركة الثقافية والفنية في بلادنا، والتي ظلّت تعاني لمدة سنتين من العطالة والشلل، وهو ما خلّف فراغاً كبيراً في الساحة، سيصعبُ، لاحقاً، تداركُه أو تعويضه، كما أنه أثّر على الأوضاع المعيشية لعددٍ من العاملين في القطاع الفني والثقافي، سواء أكانوا أفراداً أو مؤسسات، وذلك بسبب غياب الفعاليات الفنية والثقافية عن مهرجانات وتظاهرات، وبسبب عدم إطلاق الوزارة لبرامج الدعم في مجالات النشر والموسيقى والمسرح و التشكيل، و هو البرنامج الذي كان يخلق ديناميةً ثقافيةً واقتصاديةً في سلسلةٍ يستفيد منها عدد من العاملين في القطاع".

ويضيف القادري أنه "تابع شخصياً عدداً من المبادرات التي قامت بها بعض الحكومات الأوروبية، وحتى في بعض دول المنطقة العربية، وخاصةً الخليجية، التي استشعرت ضرورة استمرارية المرفق الثقافي والفني في أداء مهامه وأدواره، والتي ازدادت الحاجة إليها في فترة انتشار الوباء، فتم إحداث صناديق ومبادرات جديدة، ساهمت في دعم الكتّاب والمبدعين والفنانين، لمواصلة عملهم الثقافي والفني، وضمان عيشهم الكريم، خاصةً وأن غالبيتهم يعملون ضمن نظام ‘العمل الحر’".

أما في المغرب، فالأمر مختلف تماماً، كما يقول القادري، حتى أنه صار يتساءل: "هل هناك نيّة مُبيّتة للقضاء على هذا القطاع الهش والضعيف، الذي عِوض تعْطيله وقتله، يجب على كافة الفاعلين الحكوميين والمنتخبين في مجالس المدن، مدّه بالأوكسجين اللازم، من موارد مالية وفرص دعم تتيح له الحياة؟".

ويؤكد القادري أن القرار الذي حرم "بيت الشعر" من تنظيم حفل جائزة الأركانة العالمية للشعر، يندرجُ ضمن هذه الإرادة المقصودة التي، ربّما، ترى أنه "لا حاجة للبلاد والعباد بالثقافة، التي لا يأتي من ورائها إلا صُداع الرأس، لأنه لا يُعقَل أنْ تظلّ جميع المرافق الاقتصادية والتجارية والاجتماعية تواصلُ عملها وشُغلها بشكلٍ عادي وطبيعي، كما هو الحال في المحلات التجارية الكبرى، التي يعودُ بعضها إلى زوجة رئيس الحكومة، ونافذين آخرين في الدولة، فيما تُغلق المركبات الثقافية ودور العرض الفنّي وسواها".

ويحمِّل الناشط الثقافي، مراد القادري، الحكومتين، السابقة والحالية، مسؤولية ما حصل، وما سيحصل لقطاع الثقافة والفنون، لأن المسؤولية كانت تقتضي، وما زالت، اتخاذ التدابير والإجراءات القانونية والتنظيمية التي من شأنها، إيقاف النزيف، والحدّ من الضرر البليغ الذي خلّفه انتشار وباء كورونا المستجدّ، وهو الضرر الذي امتد ليس إلى تعطيل مجالات حيوية كالنشر مثلاً، بل وإلى إفلاس بعض دور النشر، خاصةً أن الكثير منها يعيش من دينامية معارض النشر الوطنية والإقليمية والدولية. وقد عاينّا ذلك، كما يقول القادري، "مؤخراً، مع القرار الحكومي الجديد، الذي نتج عنه إلغاء عددٍ من معارض الكتاب الجهوية في كلٍّ من الدار البيضاء وأكادير والعيون، وهو ما ستكون له آثار سلبية على بعض العمليات الحرفية الصناعية والتجارية التي تندرج في إطار عملية نشر الكتاب، وتسويقه، والترويج له". فهل يقضي الإغلاق الجديد على ما تبقّى من حركيّة ثقافية في المغرب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard