"الجرجار وحشّاد والجلاء"... أغانٍ تونسية تؤرّخ لساعات النضال والفرح

السبت 11 ديسمبر 202105:17 م

لم يقتصر النضال، طوال فترة الاستعمار، وحتى في أثناء فترة الاستبداد، ومختلف المراحل المهمة في تاريخ تونس، على المقاومة المسلّحة، أو التصدّي السياسي للمستعمر والمستبدّ، بل اتّخذ هذا النضال أشكالاً مختلفةً، وكان للأغنية دور بارز في شحذ الهمم، واستنهاض المشاعر الوطنية لدى الجماهير.

وفي كل تلك المراحل المهمّة، تم إنجاز العديد من الأغاني التونسية التي أرّخت لمراحل وأحداثٍ بقيت راسخةً في التاريخ التونسي، وظلّت تلك الأغاني تُردَّد إلى اليوم، ويذكرها الناس، على الرغم من مرور عشرات السنوات على تقديمها للمرّة الأولى.

أغانٍ للتاريخ

في هذا الخصوص، قال الموسيقار فتحي زغندة، إنّ الأغنية التونسية التي تؤرّخ لمراحل مهمة في تاريخ تونس، كانت دائماً موجودةً، عادّاً أنّ فترة الستينيات من القرن الماضي، كانت فيها أكثر حضوراً، وخاصةً خلال حرب بنزرت، التي تحررت بفضلها الببلاد من النفوذ الفرنسي.

وقال زغندة، إنّ هنالك تأثيراً مهمّا للأغنية عند المتلقّي، لأن الشعب عندما يقف مع قضيّةٍ معيّنةٍ، تؤثّر فيه الأغنية أكثر، مشيراً إلى أنّه من وظائف الأغنية تحفيز الجماهير.

"الأم الثكلى" و"بابورينو" و"خبر الممات" و"الجرجار". أغان من ضمن أخرى صنعت تاريخ النضال وقصص الحزن والفرح التونسي

وشدّد زغندة على أهمّية الظرف الذي تظهر فيه الأغنية، خاصةً التي تتحدث عن شخصية معيّنة في التاريخ، مبيّناً أنّ الاحتفاء بشخصٍ في وقتٍ غير مناسب، لا يزيد على الأغنية شيئاً.

من جانبه، قال الباحث في التّراث التونسي، زاهر كمون، إنّ الفنّ والغناء كان لهما دور في مجابهة الاستعمار في تونس، مشيراً إلى أنّ النّضال لم يقتصر على العمل المسلّح فحسب، بل كان هنالك نضال ثقافي، من خلال المسرح والغناء والسينما، لذلك كلّ حدثٍ تاريخي في تونس، نجد له أصداءً في الغناء والثقافة، من خلال الأغاني والمسرحيات.

وأكّد كمون أن تمرير الأغاني الوطنية في الأعياد والمناسبات المهمة، دليل على تأثير هذه الأغاني في تحفيز الناس، وتعزيز شعورهم الوطني، وفخرهم بتاريخهم، مشيراً إلى أنّ كلّ حدثٍ مهمّ يمكن استحضاره بالموسيقى، والكلمة الهادفة، والشعر.

وأفاد كمون أنّ الأغاني هي أسلوب لحفظ الذاكرة الوطنيّة، وعند تمرير بعض الأغاني، يخلق الأمر بعض التساؤلات لدى الأجيال حول هذه الأحداث، أو الشخصيات.

قصيدة الأم الثّكلى

ظلّت أغنية الجرجار راسخةً في أذهان التونسيين، طوال عشرات السنين، وهي التي تؤرّخ لإعدام المقاوم التونسي ضد الاحتلال الفرنسي، المنوبي الجرجار، إذ تعود أحداث الأغنية إلى السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1911، عندما سعت السلطات الاستعمارية الفرنسية إلى تسجيل مقبرة الزلّاج في السجل العقاري، وهو ما اعترض عليه التونسيّون، أسابيع قبل ذلك، خوفاً على مصير المقبرة التاريخية، وغيرةً على جثامين أهاليهم وأجدادهم.

كانت تلك الحادثة شرارةً لمواجهات عنيفة، اندلعت بين التونسيين وقوات الاستعمار، ثم بين التونسيّين والإيطاليّين، على خلفية مقتل شاب تونسي برصاصٍ إيطالي، واحتجاجاً على بداية الغزو الإيطالي لليبيا، مخلّفةً عشرات الشهداء، كما تمّت محاكمة 74 شخصاً في بداية سنة 1912، وحُكم على سبعةٍ منهم بالإعدام، وعلى 18 بالأشغال الشاقّة.

"خبر الممات كيف جانا خبر الممات... خبر الممات قصدنا ربي في فرحات....حشاد الحنين على شعبه ... ضربوه مسكين". الأغاني الوطنية في تونس شحذت الهمم لمواجهة الاستعمار، وكتبت جزءاً من تاريخ البلاد

أقيمت المقصلة في باب سعدون، وسط مدينة تونس، وأُعدم سبعة من بينهم المنوبي الخضراوي، المشهور بـ"الجرجار"، والذي ظلّ اسمه راسخاً في تاريخ تونس الحديث، إذ بقي رثاء أمّه له يُردّد إلى اليوم، بأشكالٍ مختلفة. فبعد أن شهدت فصل رأس ابنها عن جسده، في مشهدٍ رهيبٍ ومرعب، هامت تجول بين الأزقة والضواحي والمدن والأحياء، وهي تردّد: "بره وايجا ما ترد أخبار... على الجرجار... يا عالم الأسرار... صبري لله".

بقي رثاء أم الجرجار يتردد بين الأفواه، حتى سنة 1973، حين أعادت الفنّانة ليليا الدهماني إلى الأغنية رونقها، بعد أن غنّتها في قصر الرئاسة، بلحنٍ حزينٍ ممزوجٍ باستحضار التاريخ، ورقّة الأداء، وعذوبة الصوت.

وقال الباحث في التراث، زاهر كمون، في تصريح لرصيف22، إنّ شخصية الجرجار غير معروفة في تونس، وقد يجهلها الكثيرون، على غرار شخصيات عديدة أخرى، مثل الجازية الهلالية، والمنصف باي، ومصباح الجربوع، مشيراً إلى أنّ هذه الأغنية رسّخت الشخصية، وقدّمتها إلى مختلف الأجيال في تونس، ولولاها لما عرف التونسيون شخصية الجرجار.

وأفاد كمون أنّ الفنّان التونسي كان له دور مهم في مجابهة الاستعمار، ثم الاستبداد، عادّاً أنّ هذه الأغاني تؤثّر في شخصية الإنسان، وفي شحذ الهمم، وتؤجج الشعور الوطني، خاصةً التي تتحدّث عن الظلم والشهداء، وكذلك التحرّر وحرية التعبير.


أغنية "بابورينو"

لم يكن محمد المنصف باي، مجرّد عاهلٍ يضاف إلى العائلة الحسينية التي حكمت البلاد بين 1705 و1957، حين سقطت تونس تحت الاستعمار الفرنسي، بل كان شابّاً ممتلئاً بحبّ الوطن، والنضال من أجله، والالتحام بأبناء شعبه، لذلك لم تمهله فرنسا سوى 11 شهراً لتعزله من منصبه.

ظلّ المنصف باي حاضراً في الأشعار والأغاني التونسية، كونه أحد رموز التحرّر في البلاد، وظلّت أغنية "بابورينو"، من الأغنيات الحاضرة في وجدان التونسيين، كونها تغنّت بـ"عزّ الأمّة سيدي المنصف باي"، كما تقول كلماتها.

كانت المطربة فتحية خيري، من المقرّبين من القصر الملكي في تونس آنذاك، حتى أنّ المنصف باي أُغرِم بصوتها، ودعاها ذات مرّةٍ إلى رحلةٍ بحريةٍ مع عائلته، على متن مركبه الخاصّ "البابورينو".

ظلّ المنصف باي حاضراً في الأشعار والأغاني التونسية، كونه أحد رموز التحرّر في البلاد، وظلّت أغنية "بابورينو"، من الأغنيات الحاضرة في وجدان التونسيين

بعد هذه الدعوة، استنجدت فتحية خيري بالشاعر عبد الرزاق كَرَبَاكة، والملحّن قدور الصرارفي، من أجل إصدار أغنيةٍ جديدةٍ تهديها إلى المنصف باي، فكانت الأغنية جاهزةً في فترةٍ وجيزة، وتقول كلماتها:

"بابورينــو سرى عالنسمـة *** شرّڨ مــوج الــحــي

هازز فوقـو عزّ الأمّــــة ***سـيدي المـنصـف بَيْ

يا بابور اسم الله عليك*** اتهنّى واطمَانْ

اليـوم العزّة حلّت بيك *** والهمّة ولاَمَـان"

بعد أشهر قليلة، عُزِل المنصف باي من الحكم، ونُقل على متن باخرةٍ إلى منفاه في فرنسا. عندها، راجت الأغنية كثيرا لأنّها صوّرت الحادثة قبل وقوعها.


"خبر الممات"

أغنية أخرى، صدحت بها امرأة جريحة مكلومة ثكلى، في رثاء الزّعيم النقابي فرحات حشّاد، بعد اغتياله في 5 كانون الأوّل/ ديسمبر 1952، إذ أنشدت:

"خبر الممات كيف جانا خبر الممات

خبر الممات قصدنا ربي في فرحات

حشاد الحنين على شعبه ... ضربوه مسكين..."

كانت كلماتٍ صادقةً من القلب، من إحدى نساء مدينة الجمّ في الساحل التونسي، وهي تبكي فرحات حشّاد، لتتحوّل هذه الكلمات إلى أغنيةٍ تتناقلها الأجيال، من دون أن تعرف الشاعر الذي نطق بها، أو ملحّنها، حتى أُعيد تسجيلها في مسلسل "قمرة سيدي محروس"، سنة 2002.

الأغنية ترثي الزعيم النقابي، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946، الذي تزعّم الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، كما دافع عن حقوق العمّال، وساهم في حصول تونس على الاستقلال، على الرغم من اغتياله قبل ذلك بسنوات.

وُلد فرحات حشّاد يوم 2 شباط/ فبراير 1914، في مدينة قرقنة (جزيرة تقع على ساحل مدينة صفاقس في جنوب تونس)، وتربّى وترعرع هناك، في أسرةٍ فقيرة، والتحق بالمدرسة الفرنسية، غير أنه لم يستطع مواصلة تعليمه بعد وفاة والده، ما دفعه للعمل مع شركةٍ للنقل البحري.

على الرغم من ذلك، استطاع حشّاد أن يصقل شخصيته، وينمّي معارفه النقابيّة والثقافيّة والسياسيّة، عن طريق المطالعة والتثقيف، وترأس نقابةً أساسيةً للعمّال، تابعةً للمنظمة الفرنسية للاتحاد العام للعمل "سي جي تي"، ثم أصبح رئيساً للاتحاد العام للعمل عام 1944، قبل أن يؤسّس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946، ويُنتخب أميناً عاماً له، كما عُيّن عضواً مساعداً للأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات الحرة "السيزل"، مكلّفاً بالشؤون الإفريقية.

بعد اعتقال رموز الحركة الوطنية في تونس، في بداية الخمسينيات، قاد فرحات حشّاد عام 1952، الحراك الشّعبي ضدّ الاستعمار الفرنسي، وساهم بشكلٍ كبيرٍ في تدويل القضية التونسيّة، خلال جولته بين سان فرانسيسكو وواشنطن ونيويورك وبروكسل وفرنسا وغيرها.

قررت فرنسا أن تضع حدّاً لبريق حشّاد المتصاعد، فأوكلت المهمّة إلى منظّمة "اليد الحمراء" التي اغتالته يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 1952، وعُثر على جثته في منطقة نعسان، بالقرب من تونس العاصمة، وعليها آثار طلقةٍ ناريةٍ في الرّأس، ووابلٍ من الرصاص في الجسم.

بعد 45 عاماً من اغتياله، اعترف أنطوان ميلير، عضو المنظمة الفرنسية السرية "اليد الحمراء"، في كتابٍ أصدره عام 1997، بعنوان "اليد الحمراء: الجيش السرّي للجمهورية"، بوقوف فرنسا وراء اغتيال حشّاد، على الرغم من أنّ الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، اعترف بأنّ الجهة التي اغتالت حشّاد، هي مخابرات سريّة تابعة لفرنسا، وليست اليد الحمراء.


بني وطني

دخل الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، في صراعٍ مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول، في سنة 1961، من أجل أن تسترجع تونس السيادة على محافظة بنزرت، بينما كانت فرنسا منشغلةً بالمفاوضات مع الجزائر.

بلغت الأمور أوجها في ذلك الصيف، فاندلعت حربٌ غير متكافئة بين الدولتين، أمر خلالها الجنرال ديغول جيشه بالضرب السريع، والقوي، للجيش التونسي، والمسلّحين الذين جاؤوا من جهات البلاد كلها، إلى محافظة بنزرت التي تقع في أقصى شمال البلاد.

كانت هذه الحرب الأولى التي تخوضها تونس بعد الاستقلال، وعرفت البلاد تماسكاً كبيراً، فانطلقت ألسنة الشعراء تجود بأجمل الكلمات، متغنّيةً بصلابة التونسيّين في الذود عن الأرض.

كتب الشاعر عبد المجيد بن جدّو حينها:

"بني وطني يا ليوث الصّدام وجند الفداء

نريد من الحرب فرض السلام وردّ العداء

لأنتم حماة العرين أباة"

لحّن القصيدة الموسيقار الشاذلي أنور، وغنّتها الفنانة علية، فكانت إحدى أفضل الأغنيات الوطنية التي خلّدت معركة الجلاء عن بنزرت، إذ كانت شاهدةً على انتفاضة الشعب التونسي الأبيّ، كما سجّلت للتاريخ رفض الاحتلال الفرنسي، وجوره.

تحدّث الرئيس التونسي الرّاحل الحبيب بورقيبة، في تصريحٍ إعلامي في عام 1967، عن أنّه لم يبكِ طوال حياته سوى مرتين، واحدة في منفاه في جزيرة جالطة، والأخرى عندما استمع إلى أغنية بني وطني.

قال الموسيقار فتحي زغندة، إنّ كثيرين من الفنانين دعموا تونس في مراحل مهمة من تاريخها، مشيراً إلى أنّ الظروف التي ظهرت فيها هذه الأغاني التي تتحدث عن مراحل عديدة من تاريخ البلاد، تختلف من شخصٍ إلى آخر.

وأفاد زغندة، أنّه عندما حدثت حرب بنزرت في تموز/ يوليو 1961، ظهرت أغانٍ عدة تتحدث عن تلك الحرب، مبيّناً أنّ مؤسسة الإذاعة التونسية كانت وراء تلك الموجة من الأغاني الّتي تبنّتها في ما بعد.

وقال زغندة، إنّ الأغنية التونسية التي تؤرّخ للمراحل المهمة في تاريخ تونس، كانت موجودةً دائماً، عادّاً أنّ فترة الستينيات كانت الأكثر حضوراً، وخاصةً حرب بنزرت.


شهيد الخبزة

عرفت تونس، في كانون الثاني/ يناير عام 1984، حراكاً شعبياً سُمّي بثورة الخبز، بعد أن رفعت حكومة محمد مزالي، سعر بعض المنتجات الأساسيّة، من بينها الخبز.

شهد هذا الحراك صداماً بين قوّات الأمن والمحتجين، وقد خلّف عدداً من الضّحايا، من بينهم الشهيد الذي لُقّب في ما بعد بـ"شهيد الخبزة"، هو الشهيد أستاذ التّعليم الثّانوي، الفاضل ساسي، المتحدّر من ولاية قفصة. وقد سقط في أحد شوارع العاصمة، فارتفع صوت الشّاعر الأزهر الضّاوي منشداً:

"غنّيها يا شعبي الباسل للبحر اللي ما ينسى

غنّي قول دمّك يا فاضل فاح خميره في الخبزة

يا شهيد الخبزة رجعت

يا شهيد الخبزة ثور"

ثم لُحّنت القصيدة التي بقيت شاهدةً على تلك الأحداث، التي ظلّت راسخةً في ذهن التونسيين كلهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard