برلين والمدن الأوروبية بلا روائح، لكني ممتنّة للغربة

السبت 11 ديسمبر 202109:59 ص

في قطار العودة من برلين، أقرأ كتاباً، وأستمع إلى فيروز تغنّي "هُنا التُّرابات من طيبٍ ومن طربٍ/ وأين في غير شامٍ يطربُ الحجرُ"، مع غنائها أشمُّ رائحة دمشق، تلك الرائحة التي يميّزها عقلي جيداً، ولا يزال قادراً على استرجاعها، في أوقاتٍ متفرقةٍ، ومن دون أي مناسبة، حتى بعد ما يقارب الست سنوات من مغادرتي المدينة.

في القطار، أفكّر أنني أُحبُ القطارات السريعة، وأحبُ أن أسافر فيها وحدي. أحبُ تلك المساحة التي توفّرها لي، لأتّصل مع نفسي مجدداً، بعيداً عن صخب العالم وسرعته، وهذه مفارقة في حدّ ذاتها. أسمع الموسيقى، وأقرأ كتاباً، وأفكّر في كل ما قد يعنيه القطار والمحطة من مجازات.

برلين، وككل المدن الأوروبية/ الغربية الأخرى، ليست لها رائحة، حتى الورد في هذه البلاد من دون عطر، والمطر، والتراب، والعشب؛ هذه بلاد لا روائح لها.

بالنسبة إلينا -أعني نحن الشرق أوسطيين- نُميز مُدننا من روائحها، التي ليس بالضرورة أن تكون جميلة. كذلك تكون الرائحة هي الخطوة الأولى في العلاقة التي نبنيها مع المدن الجديدة. عندما زرت أنقرة للمرة الأولى، كان جوابي على سؤال أختي، عمّا إذا كانت قد أعجبتني المدينة، هو: "لها رائحة تشبه دمشق"، على الرغم من أني أفضّل إسطنبول على كل المدن التي زرتها حتى الآن، حتى روما وأثينا، لكن هذا كان كافياً لتكون لي علاقة خاصة مع أنقرة، المدينة التي زرتها لأربعة أيام فقط.

برلين، وككل المدن الأوروبية/ الغربية الأخرى، ليست لها رائحة، حتى الورد في هذه البلاد من دون عطر، والمطر، والتراب، والعشب؛ هذه بلاد لا روائح لها.

أسأل نفسي دائماً كيف سأبني علاقةً مع هكذا مدن؟ كيف سأتذكّرها؟ بالنسبة إليّ، حتى الذكريات مرتبطة بالروائح بشكلٍ أو بآخر. ذكريات طفولتي تتدفق إلى عقلي، بينما يشمّ أنفي رائحة النهر الذي كنت ألعب وإخوتي بجانبه، ونتنافس من منّا سيستطيع قذف الحجر إلى مسافة أبعد.

في أيامٍ مضت، كان السفر في القطار، حلماً يراودني أنا وصديقتي، وكُنّا مأخوذاتٍ بالفكرة الشاعرية عن القطارات التي تشكّلت لدينا من خلال الأفلام والقصائد. خطّطنا لرحلتنا الأولى، فركبنا القطار في عودتنا من الرقة إلى الحسكة، في رحلةٍ كارثية بكل المقاييس. إذ كدنا أن نسقط أرضاً مراتٍ عديدةً، بسبب التدافع على الصعود، والشجار من أجل الحصول على مقاعدنا. عشرات الأشخاص كانوا يفترشون الأرض، وما إن ينتهي شجار هنا، حتى يبدأ آخر هناك. رائحة الصدأ كانت تملأ أنوفنا، وصوت السكّة يدقّ رؤوسنا؛ ولمّا وصلنا، ضحكنا من طبقة الغبار التي كانت تغطّي رموش كل منّا. لم يكن من الممكن لرهافة الفكرة ألا تتكسّر، مقابل قسوة الواقع، وأن نعترف بأنّ مغامرة القطار هذه، حماقة عليها ألا تتكرر.

القهوة تكتسب في المجتمع العربي بُعداً عاطفياً واجتماعياً وثقافياً، لو قلت لأي ألماني أن هناك عشرات الأبيات الشعرية التي تصف عملية صنع القهوة، وشربها، لضحك يوماً كاملاً

كشعوبٍ عاطفيةٍ، ننقل شاعريتنا إلى كلّ شيء، نميل إلى "رمسنة الأشياء" (التعامل معها برومانسية)، كل الأشياء، تجاربنا، وأماكننا، وتاريخنا، وحتى أفعالنا اليومية، هكذا تصبح محتملةً، ومحببةً بالنسبة إلينا. القهوة تكتسب في المجتمع العربي بُعداً عاطفياً واجتماعياً وثقافياً، لو قلت لأي ألماني أن هناك عشرات الأبيات الشعرية التي تصف عملية صنع القهوة، وشربها، لضحك يوماً كاملاً. حتى عندما أقول لهم إن هناك مئات، وربما آلاف القصائد التي كُتبت عن دمشق وبيروت وبغداد، والأغاني التي غُنّيت لها، في عملية رمسنة المدن، لا يستطيع أحدهم أن يخلق مقاربةً ما في عقله، لفهم الفكرة بسهولة.

الواقعية الألمانية تتعارض تماماً مع هذا، فهُم موضوعيون، ماديون، وأصلاب. وفي الواقع، إنني وأعجبُ وأتعجّب من قدرتهم على إدارة أي جدال/ نقاش، من دون مزجه بالعاطفة، هذه القدرة التي بدأتُ أدرّبُ نفسي مؤخراً على اكتسابها، فانفعالاتي العاطفية لا تجعلني أبدو مقنعةً، أو واضحةً، بل مثيرةً للشفقة، وباحثةً عن التعاطف؛ وهذا يخلق، على المدى الطويل، عطباً في قدرة الفرد الذهنية على مواجهة العالم، وصعوباته، وتحدّياته، ومشكلاته.

مؤخراً أيضاً، بدأت أحاول تفكيك حنيني إلى البلاد، وإعادته إلى أسبابه المنطقية، بعد أن جعلني أشعر بالشفقة تجاه نفسي زمناً طويلاً.

مؤخراً أيضاً، بدأت أحاول تفكيك حنيني إلى البلاد، وإعادته إلى أسبابه المنطقية، بعد أن جعلني أشعر بالشفقة تجاه نفسي زمناً طويلاً. فكيف أحنّ إلى أماكن، وجودي خارجها هو نجاتي بالمعنى المادي والمعنوي؟ حتى الشمس التي لطالما أثارت جنوني، كيف يحدث الآن أنني أفتقدها؟ ويبدو لي الآن، أن الأمر مرتبط بي أكثر من البلاد، كوجودٍ مادي منفصلٍ عنّي. فأنا أحنُّ وأشتاق إلى نفسي في مرحلة مضت، ولم يعد من الممكن استعادتها، أشتاق إلى ما كُنته، وما صنعته، وما ألفته، تماماً مثلما يحنّ الكهل إلى شبابه؛ المسألة مسألة زمن، وأماكن تتقاطع مع هذا الزمن، أكثر من كونها أماكن مجرّدة.

تسألني صديقتي الألمانية: "هل أنتِ سعيدة هنا، أم تفضّلين العودة إلى سوريا؟"، فأقول لها: "كيف سأشرح لك ما أحسّ به، أعتقد أن الحياة هنا تناسبني وتشبهني؛ القوانين والحريات العامة والحقوق الفردية، كلها تُشعرني بإنسانيتي. في سوريا، وُلدتُ ونشأت، وتشكّل وعيي، لكني لا أستطيع أن أقول عن نفسي إنني مثال/ مرآة تعكس مجتمعي، حتى قبل الحرب، فأنا لم أشعر في أي يوم من الأيام، بأني منسجمة بشكلٍ كُلّي".

آخر مرةٍ كنتُ فيها خارج ألمانيا، قبل ثلاثة أشهر، شعرتُ بأنني أشتاق إليها، وعندما وصلت إلى المطار، قلت في نفسي: وأخيراً البيت، كان المكان أليفاً، وكنت مطمئنةً، وتبدد شعور الغربة الذي كان يسيطر عليّ في البلد الآخر. فأنا، هنا، لستُ سائحةً أو ضيفةً، بل لي حياة كاملة.

ألا يمكنني أن أكون ممتنةً لغربتي، لأنها أمّنت لي قارباً للنجاة، وفرصةً لأكون أفضل نسخة ممكنة منّي، على حد سواء؟ أم أنّ حقيقةً كهذه، لا ترتقي إلى دراميّة الغربة، وتجاربها، وتصطدم بشكلٍ حاد مع "الرومسنية"، والشاعرية، العربيتين؟

ربما لن أصبح يوماً ألمانيةً في نظر الألمان، ولن أصبح ألمانيةً مئة في المئة، في نظر نفسي أيضاً، ولن يعدّني السوريون من الآن فصاعداً، سوريةً بما يكفي، فانقطاعي عن تجربة حياتهم اليومية منذ ست سنوات –على الرغم من أني اطّلعُ عليها، وأراقبها بتفاصيلها كافة- كفيلٌ بعدّي غريبةً عنهم بشكل ما، كما لم يعد ممكناً بالنسبة إليّ أن أعدّ نفسي، بعد الآن، سوريّةً فحسب؛ ولكن أليس هذا كله هو ما يشكّل هويتي في نهاية المطاف، ويجعلني ما أنا عليه، ويميّزني عن أي شخصٍ آخر؟ ألا يبدو منطقياً أن تجربتنا، وليس ظروف وصولنا إلى هذا العالم، وحدها، هي ما تُشكّل هويتنا؟ لماذا علينا عدّ الهوية البسيطة/ الواحدة، هي ما يجعل الفرد أكثر صدقاً وأصالةً وانسجاماً مع ذاته، ولا يمكننا استشعار الغنى في هوياتنا المركبة، بكل ما فيها من تنوّع وانفتاح، وتقدير للتجربة الفردية؟

ألا يمكنني أن أكون ممتنةً لغربتي، لأنها أمّنت لي قارباً للنجاة، وفرصةً لأكون أفضل نسخة ممكنة منّي، على حد سواء؟ أم أنّ حقيقةً كهذه، لا ترتقي إلى دراميّة الغربة، وتجاربها، وتصطدم بشكلٍ حاد مع "الرومسنية"، والشاعرية، العربيتين؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard