"عبير ستلعب في الدفاع"

الأربعاء 8 ديسمبر 202110:15 ص

 باستثناء لعبة "عروسة وعريس"، و "اللعب السياسية"، ولعبة "اللفّ والدوران"، هل يلعب البالغون؟ هل يشعرون بالشغف نحو اللعب؟

بعيداً عن كون الحركة نشاطاً ضرورياً للتنفيس عن التوتر، والقلق، والغضب، والحفاظ على الصحة والجمال، هل يمكن للكبار التفكير في اللعب كنشاطٍ محبب يثير حماستهم؟

في مجتمعٍ قبليٍّ كاليمن، تجد تجسيداً للقول المأثور: "الرجال لا يلعبون، الرجال يتعاركون". يلعب الكبار بالسلاح، تحت مسمّى "الصيد"، صيد الحيوانات والطيور والزواحف، ومؤخراً مع الحرب، بات الصيد يطال البشر أيضاً!

كانت فتيات الحي ينظرن إلينا كسيّئتَين، لأننا نخالط الأولاد، ونلعب معهم. وبعد توديع انتصار للشارع، أصبحتُ السيّئة الوحيدة!

أمّا عن الصغار، فإنهم يلعبون، لكن بمعدلٍ أقلّ من غيرهم في مجتمعاتٍ أخرى، فبسبب الحالة الاقتصادية الصعبة، يكبر الكثير من الأطفال في اليمن، وهم يحلمون بالحصول على لعبةٍ، أو تجربة الذهاب إلى مدينة الملاهي، فضلاً عن ضياع طفولتهم بالعمل كباعة متجولين، أو منظّفي سيارات، أو عاملين في المطاعم أو... مع الحرب، كدروعٍ بشرية، ومسلّحين منخفضي التكلفة.

تعويض

ذات مرة، وأنا أمشي في الطريق، لفتني بالون ملوّن مضيء. وجدته هديةً مناسبةً لأختي الصغيرة. حين رأته، قالت ضاحكةً: "هذا لابني المستقبلي؟!". شعرتُ بالإحراج، فصحيح أن أختي لم تعد طفلةً، وستتزوج بعد شهر، لكن هل ما زلتُ أراها طفلةً؟ أم أنه تعويض عن نقص داخلي؟ سألت نفسي.

في طفولتي، كان لعب الفتيات في الشارع، بعد سن الثامنة، ممنوعاً. وعلى الرغم من حصولي على العديد من مجسّمات العرائس، وأدوات المطبخ، والتمريض، وغيرها من الألعاب المصنَّفة "بنّاتيةً"، كان للّعب في الشارع مذاق آخر.

تتولّى الفتاة في سنٍّ مبكرة، مسؤوليات البيت. لقد تناولتُ ألذّ خبز على التنّور، من يد صديقتي انتصار، وهي في الثامنة من عمرها. كانت والدتها الموظّفة تعتمد عليها للقيام بأعمال البيت، والاعتناء بإخوتها الصغار. ولأن والدتي، حينها، كانت ربّة منزلٍ، فقد امتلكت وقتاً أكبر للّعب في الشارع، وانتصار هي الفتاة الوحيدة في الحي التي كسرت القاعدة، وظلّت تلعب معي أمام منزلها، إلى حين منعها أهلها من الخروج في سنّ العاشرة تقريباً.

كانت فتيات الحي ينظرن إلينا كسيّئتَين، لأننا نخالط الأولاد، ونلعب معهم. وبعد توديع انتصار للشارع، أصبحتُ السيّئة الوحيدة!

أمّا عن الصغار في اليمن، فإنهم يلعبون، لكن بمعدلٍ أقلّ من غيرهم في مجتمعاتٍ أخرى، فبسبب الحالة الاقتصادية الصعبة، يكبر الكثير من الأطفال في اليمن، وهم يحلمون بالحصول على لعبةٍ، أو تجربة الذهاب إلى مدينة الملاهي

كرة القدم

باتت كرة القدم ضمن نشاطاتي اليومية. في البداية، جعلني أولاد الحي "حارس المرمى"، لاعتقادهم بعدم أهمية هذا الدور، والحقيقة أن مجرّد ضمّهم لي في لعبتهم، كان كرماً منهم، بداعي العطف، بعد بقائي وحيدةً من دون "انتصار".

لكن طيبة قلوبهم هذه، لم تزعزع قناعة رؤوسهم الصغيرة بعدم صلاحيتي لتولي مهمة الدفاع، أو الهجوم، أو التسديد! هذا الأمر كان يثير حنقي، خصوصاً حين أرى الكرة، أو الأهداف، تضيع من أحد لاعبي فريقنا، فأدخل في معارك لفظية مع اللاعب، ثم مع الفريق، ثم تنتهي بتركي المرمى. وعند محاولتهم إعادتي (فاللعبة في منتصفها، ولا وقت للبحث عن حارس)، يتطور الأمر إلى التجاذب من الأيدي، وتلقّي شتائم عرضيةً، وإنهاء اللعبة نهائياً.

اعترفت بأنني أبكي، لأنهم لا يدخلونني إلى وسط الملعب. استسلم يائساً: "لعبة واحدة فقط"، وصاح في اللاعبين: "عبير ستعلب في الدفاع". كانت هذه من أسعد لحظات حياتي.

من عادة الصبية الكبار معاملة الصغار بالتهميش ذاته الذي تلقّيته، الأمر الذي هوّن بقائي "حارساً للمرمى" طويلاً، على الرغم من محاولاتي المتكررة للّعب وسط الملعب. وعند تغيير تشكيلة اللاعبين في الفريق الآخر، وانتقال الحارس إلى العمق، يزداد إلحاحي لإعطائي فرصةً مماثلة.

أخذني كابتن الفريق جانباً، ليخبرني -بحرص جنتلمان شرقي- بأنني فتاة، وسوف "أتعوّر"، وأصاب بأذى جرّاء تدافع اللاعبين، والسقوط أرضاً. كان خوفه من سقوطي أرضاً، وإصابتي، مُستغرَباً! عارضته ببراءةٍ: "كلّكم تسقطون وتتعوّرون". فأوضح: "لكننا لا نبكي". اعترفت بأنني أبكي، لأنهم لا يدخلونني إلى وسط الملعب. استسلم يائساً: "لعبة واحدة فقط"، وصاح في اللاعبين: "عبير ستعلب في الدفاع". كانت هذه من أسعد لحظات حياتي.

استمرّ لعبي في الدفاع حتى نهاية اليوم، وعلى الرغم من وقوعي أرضاً، لأسباب متنوّعة، إلا أني لم أبكِ... ومع الأيام، أصبحت أتجاوز حدودي، ولا أدري إلا وقد أخذتني الحماسة إلى منطقة الهجوم، فأراوغ وأجيد "المباصاة"*، و"الروبنة"*، وتمريرات "الطاقة"*. هذه الأخيرة كانت تفقد الأولاد كبرياءهم الذكوري، فما كنت أصنع "طاقةً" بلاعبٍ، حتى تتعالى أصوات الأولاد بالضحك والسخرية منه، بينما لا يعيرون الأمر أهميةً، حين يصنع لاعب ذكر "طاقةً" بلاعبٍ آخر. ومع مرور الوقت، أتقنت "الدبل كيك"، وحصلت على لقب "هاتريك"، وأصبحت أحد "اللعّيبة" الكبار. لكن ذلك لم يدم... فبعد ثلاث سنوات تقريباً، لاحظ والدي بروز صدري حتى قبل أن ألاحظه أنا، فصرخ بي موبّخاً، ومنعني من الشارع. كرهت صدري لسنواتٍ طويلة، مع تعثّري في إيجاد حل لهذه "المشكلة"! وكان قد منعني سابقاً، لكنّي حلقت شعري "على الزيرو"، احتجاجاً، وعدت. هذه المرة انكسرت، وأدركت أني فتاة.

لكن ذلك لم يدم... فبعد ثلاث سنوات تقريباً، لاحظ والدي بروز صدري حتى قبل أن ألاحظه أنا، فصرخ بي موبّخاً، ومنعني من الشارع. كرهت صدري لسنواتٍ طويلة، مع تعثّري في إيجاد حل لهذه "المشكلة"! 

"غارة"

الأطفال الصغار في الحيّ، يلعبون "غارة"، وهي محاكاة لغزوات القبائل ضد بعضها. أحببت اللعبة في صغري كثيراً، لما فيها من تشويقٍ وتحدٍّ. تتضمن اللعبة فريقين "قبيلتين"، تقعان على مساحتين متباعدتين، وخلال توقيتٍ زمنيٍّ محدّد، يبني الفريقان قبيلتيهما بأكبر عددٍ ممكن من البيوت الترابية التي تبدو على شكل هرمٍ صغيرٍ لا يتجاوز طوله عقلة أصبع.

يتمّ توزيع البيوت في أماكن متفرقة. كنا نبتكر أماكن عجيبةً، على النوافذ والأبواب، ونضطر أحياناً إلى القيام بحفرياتٍ نخفي البيوت الهرمية داخلها، في مداخل البنايات، وعلى عجلات السيارات، وتحت الخزّانات المائية الواقعة في نطاق قبيلتنا، ولا نتوانى حين نعلم بأن الخزان فارغ، في أن نخفي بيوتاً داخله! ولكن مع الوقت، أصبحت الخزانات الفارغة مخابئ مكشوفةً، فانتقلنا إلى الاستفادة من الخزّانات الممتلئة، وذلك بإحضار صفيحة بلاستيكية نضع عليها أكبر عددٍ من البيوت، ثم نجعلها تطفو على مياه الخزّان، ونغلقه، فإذا ما جاءت القبيلة الأخرى، وميّزته بأنه ممتلئ، لا تضيّع وقتها بفتحه، والتفتيش داخله.

وبعد هذا المجهود المضني، تنتهي اللعبة سريعاً، بتدمير أكبر عددٍ من البيوت... وكما يبدو فإن ألعاب الصغار، تشبه ما يفعله الكبار.


*المباصاة: تمرير الكرة للاعبٍ آخر.
*روبنة: ارتداد الكرة إلى صاحبها، بعد ضربها بحائطٍ، بغرض التمويه للّاعب المقابل.
*طاقة: تمرير الكرة من بين رجلي اللاعب المقابل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard