"مرحبًا وأهلاً يا عمة كيف كنتِ بعدنا؟"... مواجهات معاوية الصاخبة مع نصيرات عليّ

الأربعاء 19 يناير 202210:00 ص

كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك... هكذا قالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، في قصره بدمشق، وكانت من نصيرات علي بن أبي طالب.

ولم تكن أروى وحدها التي وجهت إلى معاوية مثل هذا الكلام، بل هي واحدة من نصيرات عليّ اللاتي فعلن مثلها، وأوجعن معاوية وهو خليفة.

فبعد أن استقر الحكم لمعاوية، بعد صراع مع الإمام علي بن أبي طالب، يبدو أنه كان حريصًا على لمّ الشمل، وتحسين صورته التي تأثرت كثيرًا كصحابي وسياسي كونه صارع ابن عم النبي، صاحب المكانة الدينية الرفيعة. فكان يقابل نساءً ذوات تأثير قوي من أنصار عليّ، ممن كن على جبهة القتال في معركة صفين (37هـ - 657م) يحرضن ضد معاوية، ويطلب بنفسه أحيانًا مقابلتهن، ويتحمل هجومهن عليه الذي يصل للشتائم، بل ويسألهن عن حاجاتهن ويكرمهن.

تواترت هذه الحكايات في مصادر التاريخ، ضمن كتب وأبواب "الوفادة"، التي حكت سيرة وملابسات الوفود التي كان تأت من الأقاليم التابعة للدولة لزيارة الخلفاء في مقار حكمهم، وأهمها دمشق ثم بغداد، ومن قبل ذلك المدينة المنورة.

وكانت الوفادة هي الوسيلة التي اتبعها أهالي المدن والأمصار للتواصل مع عاصمة الحكم في العالم الإسلامي، ومن خلالها اتخذت مواقف سياسية واقتصادية ودينية مفصلية في التاريخ الإسلامي، حسبما يوضح رحيم البهادلي في كتابه "الوفود القادمة إلى دار الخلافة حتى نهاية العصر الأموي".

وتنوعت الوفادة وفقًا لطبيعة الهدف منها، بين سياسية، إدارية، اجتماعية، علمية، فنية، وكان تنظيم الوفادة له قواعد، من ناحية اختيار أعضاء الوفد، والجهة المسؤولة عن إيفاده، وزمن الوفادة على الخليفة، حسبما يوضح البهادلي.

كل ما سبق كان مادة خصبة للمؤرخين العرب، للحصول على مادة تاريخية ثرية عن أحوال البلاد والخلفاء.

ومن أهم وأقرب المصادر التي تناولت وفادة النساء على معاوية (تـ60هـ - 680م) كان "أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان" (1403 هـ) لابن بكار (تـ222هـ 837م)، و"العقد الفريد" (1404 هـ) لابن عبد ربه الأندلسي (تـ328هـ - 940م) الذي وضع كتابه تحت حكم بني أمية في الأندلس، وهما ما اعتمدنا عليهما في سردنا التالي.

في هذا المقال نحلّل أهم المواجهات بين معاوية ونصيرات عليّ، ونحاول تفسير القصص التي صوّرت موقف معاوية تجاههن. 

كيف صاغت المصادر التاريخية قصص المواجهات بين معاوية ونصيرات عليّ لترمم الشرخ بين الأمويين وتاريخ الخلفاء الراشدين؟

درامية الحجونية... "علام أحببتِ عليّاً وأبغضتني؟"

كان معاوية في مكة يحج، فسأل عن واحدة من أشرس نصيرات عليّ، وهي درامية الحجونية، وكانت ذات بشرة سوداء وجسد سمين، وطلب أن تأتيه.

فلما دخلت درامية، قال لها: بعثت إليك لأسألك: علام أحببتِ عليّاً وأبغضتني، وواليتِه وعاديتني؟

فطلبت منه الأمان لترد، فرفض، ومع ذلك تجرأت وقالت: أحببت عليّاً على عدله في الرعية، وقسمته بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطِلبَتَك ما ليس لك بحق. وواليت عليّاً على ما عقد له رسول الله من الولاء، وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين. وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى.

رد معاوية على كلامها الجارح ساخراً: فلذلك انتفخ بطنُكِ، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك. فردت له إهانته: يا هذا، بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي (هند بنت عتبة، أم معاوية).

وجد معاوية أنه سيهين نفسه، فحاول تدارك الأمر، أو ربما أراد أن يضحك، فقال بسرعة: يا هذه، اربَعي (أي انتظري أو تمهلي)، فإنا لم نقل إلا خيراً؛ إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروَّى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها.

ثم سألها معاوية: هل رأيت عليّاً؟ فردت: إي والله. فسألها: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك...

"كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك..." هكذا قالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب للخليفة معاوية بن أبي سفيان، في قصره بدمشق... كيف نفهم هذه القصّة؟ 

الزرقاء ابنة عدي الهمدانية... "والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته"

بعض جلساء معاوية أشاروا عليه قتل الزرقاء فرفض، وقال: أيحسن بمثلي أن يُتَحَدَّث عنه أنه قتل امرأة بعد ما ظفر بها! ثم أمر واليه على الكوفة أن يرسلها إليه دمشق مع فرسان من قومها وأقاربها، وأن يكرمها.

قالت الزرقاء لرسول معاوية إنها لن تذهب لو ترك لها الخيار، وانتهى الأمر بسفرها لمعاوية لفرضه عليها ذلك، فلما دخلت عليه، قال: مرحباً وأهلاً، قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف الحال؟

قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة...

ذكّرها معاوية بخطابها في صفين، وتحريضها ضده، ثم عقّب: والله يا زرقاء لقد شَركت عليّاً في كل دم سفكه! فردت: أحسن الله بشارتك! قال: أو يسرك ذلك؟ فردت: نعم والله...

فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته. ثم سألها عن حاجتها، فلم تطلب، فأمر معاوية بإكرامها هي ومن معها.

"والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته"... كيف وظّفت قصص الولاء لعليّ في زمن معاوية في بناء الشرعية السياسية للأمويين؟ 

أم الخير بنت الحريش... "والله ما يسوءُني أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه!

طلب معاوية من واليه على الكوفة أن يبعث إليه بأم الخير بنت الحريش، ووعده بمكافأة إن قالت فيه أم الخير خيراً، وسيجازيه شراً إن قالت فيه شراً حين يلقاها.

وصلت أم الخير إلى معاوية في دمشق، وحين التقيا، سلمت عليه ونادته بلقب أمير المؤمنين، ففرح بذلك.

تخبرنا مصادر أموية الطابع أن معاوية كان يقابل نساءً ذوات تأثير قوي من أنصار عليّ، ممن كنّ يحرضن ضده على جبهة القتال في معركة صفين (37هـ/657م) ويطلب بنفسه أحياناً مقابلتهن، ويتحمل هجومهن عليه الذي يصل للشتائم

طلب معاوية من أم الخير أن تعيد عليه ما خاطبت به الجيش في صفين بعد مقتل الصحابي عمار بن ياسر، فقالت إنه كان وليد انفعالها ولا تحفظه، فقال أحد جلساء معاوية إنها في هذا اليوم قالت:

إنها إِحَن بدرية (تقصد ما فعله بنو هاشم ببني أمية يوم غزوة بدر)، وأحقاد جاهلية، وضغائن أُحُدية (تقصد ما كان يوم أُحُد)، وثب بها واثب حين الغفلة (تقصد معاوية) ليدرك ثارات بني عبد شمس (تقصد الصراع بين جد معاوية، وهاشم جد عليّ). ثم قالت معتبرة أن معاوية وجيشه كافرون الآية القرآنية: "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون".

وبعد أن انتهى الرجل من رواية خطبة أم الخير الطويلة، قال لها معاوية: يا أم الخير، ما أَرَدتِ بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتُكِ ما حُرِجت في ذلك.

فردت بشجاعة بل وبكراهية لمعاوية: والله ما يسوءُني أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه!

أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب... "مرحبا وأهلا يا عمة، كيف كنتِ بعدنا؟"

وصلت جرأة معاوية وإصراره على المواجهة حد لقائه بأروى بنت الحارث بن عبدالمطلب، وهي ابنة عم علي ابن أبي طالب، فلما دخلت عليه ومعه جلسائه، قال:

مرحبا وأهلا يا عمة، كيف كنتِ بعدنا؟

فقالت: لقد كفرتَ يد النعمة، وأسأتَ لابن عمك الصحبة (تقصد عليّاً) وتسميتَ بغير اسمك (لقب أمير المؤمنين)، وأخذتَ غير حقك، من غير دين كان منك ولا من آبائك (بني أمية)، ولا سابقة في الإسلام، بعد أن كفرتم برسول الله، فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار.

رواة التاريخ حين يتحدثون عن دهاة العرب في صدر الإسلام، يذكرون معاوية بن أبي سفيان، ويعتبرون أن سر دهائه في "رويته" أي صبره على اتخاذ القرارات

كيف وظفت السرديات دهاء معاوية لقصّ التاريخ الأموي؟

رواة التاريخ حين يتحدثون عن دهاة العرب في صدر الإسلام، يقولون إنهم أربعة: عمرو بن العاص، المغيرة بن شعبة، زياد بن أبيه ومعاوية بن أبي سفيان، ويعتبرون أن سر دهاء معاوية في "رويته"، أي صبره على اتخاذ القرارات، حسبما ينقل عباس محمود العقاد في كتابه "معاوية بن أبي سفيان".

وتفيض المصادر بقصص عن دهاء معاوية، وقدرته على تحقيق المكاسب بكسب ود الناس، حتى أصبحت مقولته: "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: كيف؟ قال: إن مدوها خليتها، وإن خلوا مددتها"، توجهاً يتعلم منه السياسيون.

ومن مهاراته اجتذاب الناس بإكرامهم، حتى أنه نقش على خاتمه الذي كان يصدق به على مكاتباته: "لكل عمل ثواب"، بحسب "صبح الأعشى" للقلقشندي.

وطبق هذه السياسة مع أهم حلفائه، سواء بعقد صفقات مباشرة، كما فعل مع عمرو بن العاص الذي انضم إليه ضد علي بن أبي طالب مقابل إبقائه والياً على مصر مدى الحياة؛ أو بطريقة ملتوية، كما فعل مع زياد ابن أبيه، الذي كان تابعاً لعليّ ابن أبي طالب.

 أما الحلم فكان أشهر صفاته، وصُنّفت فيه الأبواب والكتب، ومنها "حلم معاوية" لابن أبي الدنيا، وجزء من حلم معاوية كان أصيلاً فيه، وهي صفة ورثها عن أبيه أبي سفيان، فقد كان يضرب المثل به، وكان معاوية يقول، حسبما نقل ابن كثير في "البداية والنهاية":

يا بني أمية فارقوا قريشاً بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتماً وأوسعه حلماً، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي".

وكانت الإساءة إلى معاوية في بداية عهده كثيرة؛ فهو أول من انتزع الحكم بقوة السلاح في تاريخ المسلمين، ولم تكن دولته لتستقر بالسلاح وحده.

كان معاوية سياسياً بامتياز حين حوّل مشاعر الانتقاد ضده إلى نقطة قوة، فظهر بمظهر القائد الذي يقبل الانتقاد ويحترم أراء معارضيه 

وكان أنصاره يشيعون قصص تلطفه مع معارضيه، لأثرها في تحبيب الناس فيه، وكان معاوية يقاوم اعتراض بعض أهله عليه في هذه السياسة، ومنهم ابنه يزيد، الذي قاله له: "لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفاً وجبناً. فرد معاوية: أي بنيّ: إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك، ودعني ورأيي"، حسبما جاء في "أنساب الأشراف" للبلاذري.

وقال أيضاً: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا أواريها بستري، وإساءة أكثر من إحساني، حسبما ينقل ابن الأثير، في تاريخه.

وينقل ابن الأثير أيضاً وكذلك الطبري، مقولة معاوية الشهيرة حين سؤل: أي الناس أحب إليك؟ قال: "أشدهم تحبيباً لي إلى الناس".

كان سياسياً بامتياز، والقصص التي ذكرناها عن مواجهاته مع النسوة وشيوعها كان يعطي انطباعاً جيداً عنه، وهن من هن في المجتمع العربي، وحلمه معهن وإن كان جزءاً منه أصيلاً في شخصيته، ولكنه أيضاً كان من أدوات دهائه ووسائله لكسب الناس كأي سياسي يحب أن تكون له شعبية، ويدلل على ذلك ما قاله لدرامية الحجونية بعد أن أهانته في القصة التي ذكرناها أعلاه:

 إذا لم أعُد بالحلم مني عليكم/ فمن ذا الذي بعدي يُؤَمَّل للحلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard