الحاجة إلى "شعرة معاوية" العُمانية... هل تنجح مسقط في ما يفشل فيه الآخرون في اليمن؟

الخميس 8 يوليو 202105:24 م

تضع علاقة عُمان مع أطراف الصراع في اليمن السلطنة الخليجية في موقع القادر على التأثير في مجريات الأمور، خاصةً علاقتها مع الحوثيين الذين يسيطرون على صنعاء منذ أيلول/ سبتمبر 2014.

فمسقط تستضيف عدداً من قيادات "أنصار الله" منذ عام 2016، بعد فشل مفاوضات السلام مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في الكويت خلال العام ذاته، كما أنها باتت منصة انطلاق للحوثيين صوب عدد من بلدان العالم عقب منع الرحلات الجوية من وإلى مطار صنعاء من قبل التحالف العربي الذي تقوده السعودية.

وتمتلك عمان في محافظات شمال البلاد، ولدى الحوثيين بدرجة رئيسية، سمعة جيدة، بسبب عدم تدخلها في العمليات القتالية وعدم تأييدها للعمليات الجوية التي أطلقتها السعودية في آذار/ مارس 2015 ضد الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، قبيل انفكاك تحالف الأخيرين ومقتل صالح على يد حلفائه المرحليين في مطلع كانون الثاني/ ديسمبر 2017.

وإذا كانت علاقة عُمان مع الحوثيين قد مثّلت عامل إزعاج للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في وقت سابق، خلال الأعوام الخمسة الماضية، فإن الواقع اختلف قليلاً الآن، وبات التحرك العماني يلقى تأييد هذه الحكومة التي صارت ترى أن مسقط بوسعها فعل الكثير للضغط على الحوثيين والدفع بهم نحو إعادة أحياء محادثات السلام.

وتسعى الحكومة اليمنية إلى الاستفادة من العلاقة الجيدة بين عُمان وإيران لإحداث التأثير المطلوب من طهران على حلفائها الحوثيين.

الأمر نفسه بالنسبة إلى موقف "التحالف العربي" بقيادة السعودية، فبعدما كان ممتعضاً من غياب التأييد العماني لعملياته العسكرية، بات الآن مؤيداً للوساطة العمانية التي تحاول إعادة إحياء المبادرة السعودية التي رفضها الحوثيون.

وفي آذار/ مارس الماضي، أعلنت الرياض مبادرة جديدة للسلام تضمنت وقف إطلاق نار شامل تحت مراقبة الأمم المتحدة، وإيداع الإيرادات المتأتية عن رسو سفن المشتقات النفطية في ميناء الحديدة في الحساب المشترك في البنك المركزي اليمني في المدينة الساحلية الواقعة على البحر الأحمر، إضافة إلى فتح مطار صنعاء الدولي أمام عدد من الرحلات.

ودعت المبادرة إلى إطلاق مشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة، برعاية الأمم المتحدة ووفق مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل.

لكن الحوثيين اعتبروا أن المبادرة لم تأتِ بجديد، ورفضوا الاشتراطات المتعلقة بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة.

والآن يمثل التحرك العماني محاولة لإنقاذ المبادرة التي من المرجح أن تتضمن بعض التنقيح في ما يخص بنودها المرتبطة بملف الملاحة والملف الإنساني.

"مبدئياً، أي دولة في موقع سلطنة عُمان ستشترك بطريقة ما في الأحداث الدائرة في منطقة هي جزء منها وتتأثر بها، مهما بدت سياستها الخارجية انعزالية"، يقول لرصيف22 الصحافي والمحلل السياسي اليمني خالد عبد الهادي، خاصةً أن مسقط محاطة بالقوى الرئيسة المشاركة في الحرب اليمنية، وهي السعودية والإمارات وإيران.

وبرأيه، يمكن نسب التحرك العماني الأخير في ملف الأزمة اليمنية إلى دور وظيفي تتنافس الممالك الخليجية على تأديته لحساب قوى عالمية كبرى تسعى إلى تحقيق تقدم في ملفات المنطقة، لكن مسقط في الوقت نفسه لا ترغب في الانغماس بهذه الأزمات وإنفاق الوقت والجهد عليها، لأنها تفضّل تجنّب تأثيرات القضايا الساخنة عليها.

ويتابع أنه "مثلما رأينا الدوحة تجتذب طالبان، نيابة عن الأمريكيين، إلى مفاوضات مع الإدارة الأمريكية، نرى مسقط اليوم نيابة عن البريطانيين أو البريطانيين والأمريكيين سوية، تحاول جلب الحوثيين وطهران إلى مفاوضات بشأن الصراع في اليمن".

إذا كانت علاقة عُمان مع الحوثيين قد مثّلت عامل إزعاج للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وللسعودية، خلال الأعوام الخمسة الماضية، فإن الواقع اختلف قليلاً الآن، وبات التحرك العماني يلقى تأييد هذه الأطراف

ويعتبر عبد الهادي أن مسقط لا تريد لحرب اليمن أن تنتهي بالكيفية والنتيجة التي ترغب فيهما الرياض أو حتى أبوظبي، لأن ذلك سيعزز الحضور السعودي في محافظة المهرة، حيث الحدود العمانية مع اليمن، وهي حدود لا يأتي منها الأذى لها مقارنة بحدودها الأخرى مع الإمارات والسعودية نفسيهما.

قراءة في التاريخ

عندما اشتد الصراع في صيف عام 1994 بين الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ونائبه الرئيس السابق علي سالم البيض، عقب إعلان الثاني فك الارتباط عن الشطر الشمالي، بعد تحقيق الوحدة بينهما عام 1990، رفضاً لما اعتبر أنه مخطط للاستحواذ على الجنوب وتهميش مؤسساته ونهب ثرواته، كان الموقف العماني وسطياً بين الطرفين، إذ أجرت مسقط اتصالات بالطرفين وسعت إلى التوفيق بينهما، وبالفعل عُقد لقاء هو الأخير بين الخصمين في مسقط قبيل اندلاع الحرب التي أفضت إلى هزيمة "الانفصاليين" الجنوبيين في تموز/ يوليو 1994.

وعندما بدأت الثورة اليمنية في شباط/ فبراير 2011 ضد نظام صالح، مارست السلطنة دورها المعتاد، وتدخلت مجدداً للتوسط بين النظام الحاكم وأحزاب المعارضة، قبل أن تعلن السعودية عن المبادرة الخليجية التي تضمنت تعيين عبد ربه منصور هادي رئيساً للبلاد وخروج صالح من الحكم.

وعقب سيطرة الحوثيين على معظم محافظات شمال اليمن والتمدد صوب العاصمة اليمنية صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، دعت مسقط الفرقاء في اليمن إلى الحوار ووقف التصعيد لكن التحالف العربي الذي تقوده السعودية ومعها دول عربية وإسلامية أعلن عن بدء عملياته الجوية ضد الحوثيين في آذار/ مارس 2015 بطلب من هادي، ولم تشارك مسقط في هذا التحالف.

وعام 2016، استضافت مسقط لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري مع قيادات من الجماعة الحوثية، إضافة إلى لقاءات مماثلة في عام 2015 مع مسؤولين سعوديين، لمناقشة ملف السلام في اليمن دون أن تحقق هذه اللقاءات نتائج.

"مثلما رأينا الدوحة تجتذب طالبان، نيابة عن الأمريكيين، إلى مفاوضات مع الإدارة الأمريكية، نرى مسقط اليوم نيابة عن البريطانيين أو البريطانيين والأمريكيين سوية، تحاول جلب الحوثيين وطهران إلى مفاوضات بشأن الصراع في اليمن"

"السياسة الخارجية العمانية لها فلسفة متميّزة عن غيرها، فهي تستند على مبدأ إبقاء العلاقات قائمة، وإنشاء سبل للتواصل مع كل الدول، حتى تلك التي لا تعترف بها رسمياً، مهما بلغ التباين معها، وعدم القطيعة بكل الأحوال والحرص على إبقاء شعرة معاوية في أصعب الظروف"، يقول الصحافي والمحلل السياسي اليمني صلاح السقلدي لرصيف22.

ويضيف: "حينما اندلعت الاحتجاجات الشعبية عام 2011، لعبت عمان دور الوسيط لتهدئة الأوضاع، ولمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى، وكان الدور العماني لافتاً برغم استئثار السعودية على الحالة اليمنية، وظلت مسقط في قلب الحدث بفعل القبول الذي تتمتع به عند الفرقاء حينها".

ويتابع أن الموقف العماني عام 2015 ظل محايداً وحريصاً على عدم اندلاع حرب كانت السلطنة تعرف أنها ستكون مدمّرة على اليمن، وعليها، بل وعلى المنطقة برمتها، و"هو ما يحدث اليوم".

ويشير إلى أن "هذه الفلسفة تندرج ضمن استراتيجية السياسة الخارجية العمانية الواقعية، فمسقط لها علاقات وتواصل ممتاز مع كل القوى اليمنية على اختلافاتها سواء أكانت شمالية أو جنوبية أو شرعية أو حوثية".

ونظراً لهذه السياسة، يكمل السلقدي تحليله، فإننا نلحظ أن عدداً من دول المنطقة تستعين بالدبلوماسية العمانية للتدخل بغرض حلّ كثير من الخلافات، بينها الصراع في اليمن، فالسعودية وأمريكا حين تعثرت جهودهما لوقف الحرب استعانتا بالسلطنة وهو الأمر نفسه الذي تفعله الأمم المتحدة، إذ تدرك هذه الجهات أن الصوت العماني مسموع لدى الحوثيين.

"الحوثي عندما يريد أن يرسل رسائل إلى الجهات الفاعلة الداخلية أو الخارجية، فإن ذلك يتم عبر النافذة العمانية، فيما تبرز مسقط كمحور للحراك السياسي بشأن ملف الحرب في اليمن"، يتابع السلقدي.

وبتقديره، تتركز المخاوف العمانية في اليمن على عدد من الهواجس السياسية والملفات الاقتصادية والأمنية، خصوصاً بعد أن صارت محافظة المهرة المحاذية للحدود العمانية ميداناً للصراع والتنافس الخليجي، "فالوجود السعودي الإماراتي على البوابة الغربية العمانية أثار مخاوف مسقط اقتصادياً وأمنياً".

ووفق السقلدي، فإن المواقف السعودية والإماراتية تجاه مسقط كانت "مريبة من وجهة نظر الأخيرة"، بعدما تواترت الأخبار عن إنشاء معسكرات ومخيمات ومعاهد دينية لجماعات سلفية في محافظة المهرة ترى في سلطنة عمان دولة إباضية شيعية مبتدعة.

فرص النجاح والفشل

لتقدير احتمال نجاح الدور العماني في مساعيها الأخيرة للتقريب بين أطراف الصراع اليمني، يعتبر عبد الهادي أنه لا بد من الإحاطة بأمرين: الأول، هو أن الدبلوماسية العمانية لا تتحرك في هذه القضية وهذا التوقيت أصالة عن نفسها فحسب؛ فيما الثاني هو أن الصراع اليمني صار قضية تفوق قدرات أي دبلوماسية لا تسندها أدوات ضغط هائلة تمتلك تأثيراً مباشراً على قوى الصراع.

ويتابع أن فرص نجاح المساعي العمانية تأتي من جدية التحركات الدولية وقوة ضغوطها، وكذلك من قرار الميدان، أي توافر الرغبة لدى قوى الصراع في وقف القتال وبدء التفاوض.

ولكن عبد الهادي يتحدث عن عامل ثالث وهو مدى قبول قوى الصراع بالمساعي العمانية وإطمئنانهم إليها، ويشير إلى أن ساحة مسقط غير مبرأة عند بعض القوى، فـ"بدافع القلق من الحضور السعودي في المهرة تتوالى إشارات ودلائل على أن مسقط انخرطت في سباق الاستقطاب واجتذبت خصوماً للأخيرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard