نجحت دراسياً ومهنياً وأنا غير محجّبة... فلماذا لم ينتقم الله منّي؟

الأربعاء 1 ديسمبر 202102:18 م

قبل أكثر من 15 عاماً، حين كنت في السنة الأولى في الكلية، كان شقيقي الذي يكبرني بأربع سنوات يستعين بأحد الشيوخ في مسجد بجوارنا، كي يساعده على حفظ القرآن الكريم. وذات مرة، دعاني شقيقي لأن أحفظ معه القرآن، فتوجهت إلى صالة منزلنا حيث يجلس شقيقي وبجواره الشيخ، ولم أكن محجّبةً، فكان الاستقبال الأوّل من الشيخ لي، ليس نظرات استنكارٍ فحسب، ولكن نظراته كانت تحمل احتقاراً ودونيةً لا حصر لهما، وبدأ ينظر في الأرض على الرغم من أنني كنت أرتدي "ملابس محتشمة"، وجلست في انتظار أن يقرأ الشيخ آياتٍ قرآنيةً لأرددها خلفه، ولكنني وجدته يسألني نصّاً: "إنتِ بتصلي؟".

أجبته: "الحمد لله"، فبدأ الاستنكار يبدو على ملامح وجهه أكثر، ثم طلب منّي أن أردد الآيات القرآنية التي أقرأها في الصلاة، فبدأت أقرأ الآيات التي حفظتها، فوجدته يتفقدني بنظرات تعجبٍ شديدة، وفي حقيقة الأمر لم أفهم تلك النظرات وقتها، فقد كنت في السابعة عشر من عمري.

سألني: "إنتِ مش محجّبة ليه؟ ما إنتِ بتقولي إنك بتصلّي، وشايفك حافظة آيات قرآنية، مش خايفة تتعلقي من شعرك ده يوم القيامة، والملايكة يضربوكِ بالسوط؟، أو ربنا يبتليكِ بمرض يوقّع شعرك، وتلبسي الحجاب غصب عنك؟".

لن أنكر أن حديثه وقتها أثار الخوف، بل الرعب، في داخلي، وقررت أن أتحاشى ذلك الرجل تماماً، وألا احفظ القرآن بمساعدته، ولا حتى أن أدخل معه في أي نقاشٍ من الأساس، واعتذرت وغادرت المكان، ودخلت غرفتي وأنا أرتجف من شدّة الخوف، وأبكي بكاءً شديداً.

إن حديث الشيخ وقتها أثار الخوف، بل الرعب، في داخلي، وقررت أن أتحاشى ذلك الرجل تماماً، وألا احفظ القرآن بمساعدته، ولا حتى أن أدخل معه في أي نقاشٍ من الأساس، واعتذرت وغادرت المكان، ودخلت غرفتي وأنا أرتجف من شدّة الخوف، وأبكي بكاءً شديداً

مرّت الأيام، وانتهيت من الامتحانات، وجاء يوم النتيجة، فوجدت أنني رسبت في مواد عدة، وسوف أعيد السنة الأولى في الكلية، وكان ذلك الرجل مستمراً في زيارة منزلنا كي يحفّظ شقيقي القرآن، فالتقيت به ذات مرة، وسألني عن أحوالي، وعن نتيجتي في الكلية، فأجبته بأنني رسبت، وسوف أعيد السنة. عندها، ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وازدادت حدقتا عينيه اتساعاً، وتحدّث بصوتٍ تكسوه السعادة، قائلاً: "معلش". وحين انصرفت، علمت أنه قال لشقيقي نصاً: "أختك سقطت بسبب سوء أعمالها!".

طبعاً، كانت سوء أعمالي من وجهة نظره هي عدم التزامي ارتداء الحجاب، وعدم التزامي حفظ القرآن الكريم أيضاً.

"إنتِ مش محجّبة ليه؟ ما إنتِ بتقولي إنك بتصلّي، وشايفك حافظة آيات قرآنية، مش خايفة تتعلقي من شعرك ده يوم القيامة، والملايكة يضربوكِ بالسوط؟، أو ربنا يبتليكِ بمرض يوقّع شعرك، وتلبسي الحجاب غصب عنك؟".

ظلّ ذلك الموقف عالقاً في ذهني، فلن أنكر أنني أصبت بصدمةٍ مما قاله لي، إلى الحد الذي جعل شبح حديثه يطاردني في أحلامي سنوات عدة، إذ ظللتُ أحلم بأنني أًصبت بمرضٍ خطيرٍ تسبّب في سقوط شعري، وأنني أرتدي الحجاب رغماً عني، كما قال الشيخ، وأعترف بأنني لم أتخلص من ذلك الكابوس لفترةٍ طويلة، إلى الحد الذي جعلني شغوفةً بارتداء الحجاب، ولكنني لم أتمكّن من اتخاذ الخطوة بشكلٍ كامل، فكنت أرتديه تارةً، وأخلعه تارةً. أرتديه في شهر رمضان، وأخلعه بعد انتهاء الشهر. استمرت تلك الحالة، وهي بلبلة بين الخوف الشديد من "عقاب الله" الذي سوف يلاحقني في الدنيا والآخرة، بسبب عدم ارتدائي الحجاب، وبين يقيني بأن الله أعطانا الحرية الكاملة لاختيار الصورة التي نودّ أن نبقى عليها، من دون أن يُنزِل سخطه علينا بالصورة الفجة والموحشة التي صوّرها ذلك الشيخ.

مرّ عام، ومرضت والدة صديقتي المقرّبة، واكتشفنا أنها مصابة بسرطان الثدي في مرحلة متأخرة، وبدأت رحلة العلاج. كنت أرافقها دائماً لتتلقى جرعات الكيماوي في المستشفى. وقتها، أُصبت بحالةٍ من القلق، والاكتئاب، والغضب، والسخط أيضاً، وبدأت أسأل نفسي: لماذا ابتلى الله هذه السيدة بذلك المرض اللعين الذي شوّه جمالها، وأفقدها شعرها بالكامل في أثناء فترة العلاج؟

فهي امرأة صالحة تصلّي الفروض في مواعيدها، وتصوم، وتزكّي من مالها الخاص، وترتدي الحجاب منذ زمنٍ بعيد. ظللت في تلك الدوامة فترةً، وكل ما يرتكز في ذهني هو كلام الشيخ بأن الله ينتقم من العبد العاصي بمرضٍ خطيرٍ، أو يُفقده عزيزاً كي ينبّهه ليكفّ عن عصيانه، وعن سوء أفعاله، ثم أعود لأتذكّر العديد من الأشخاص الذين يطيعون الله، وينفّذون أوامره قدر المستطاع، وعلى الرغم من ذلك وقعوا في ابتلاءات كبيرة.

قررت أن أبحث في مفهوم الدين الصحيح، فلم تكن قضيتي هي البحث عن فرضية الحجاب من عدمه، ولكن كانت قضيتي أعمق من ذلك بكثير. فقد كنت أبحث عن مفهوم فكرة تقبّل الله للإنسان المجرّد، وللروح المجرّدة من أي شيء، أو بالأحرى فكرة قبول الله للإنسان من الداخل، من دون الالتفات إلى الحجاب، أو النقاب، أو اللحية، أو أي مظهرٍ دينيٍ دنيوي.

أودّ أن أشكر الشيخ السالف ذكره. فعلى الرغم من كل ما عانيته من دوامة أفكار لا حصر لها، إلا أنه كان السبب الرئيسي الذي جعلني أتحرر من فكرة الخوف المرَضي الذي يصل إلى حد الرعب من انتقام الله

بدأت أتعمق في مفهوم الرحمة الإلهية، ووجدت أنها بعيدة البعد كله عن تلك الفزّاعات، وفكرة الترهيب من الله التي يستخدمها الكثيرون، وللأسف هي الفكرة السائدة التي نشأ عليها معظمنا، إن لم يكن جميعنا. أكاد أجزم أن أغلبنا نشأ على جملٍ من قبيل "اشرب اللبن علشان ربنا يحبّك ويدخّلك الجنة"، و"أكلك اللي بترميه هيجري وراك يوم القيامة، وينتقم منك"، و"البنت اللي متتحجبش لما تكبر، ربنا بيعلّقها من شعرها يوم القيامة"، و"لو كذّبت ربنا يوم القيامة هيقطع لسانك"، وغيرها من الفزّاعات التي ما زال معظم الأهالي يستخدمونها، سواء من قرارات أنفسهم، أو تأثراً بشيوخٍ كالشيخ الذي أخافني يوماً، وذلك ظنّاً منهم بأنهم يضعون حجر أساسٍ قوي البنية لتربية أبنائهم، وتنشئتهم، وهو حجر الترهيب من الله، من دون أن يدركوا أنهم يخلقون أشخاصاً غير أسوياء نفسياً على الإطلاق.

والآن، أودّ أن أشكر الشيخ السالف ذكره. فعلى الرغم من كل ما عانيته من دوامة أفكار لا حصر لها، إلا أنه كان السبب الرئيسي الذي جعلني أتحرر من فكرة الخوف المرَضي الذي يصل إلى حد الرعب من انتقام الله، وجعلني أعي المعنى الصحيح للرحمة الإلهية، وللحرية التي خلقنا الله عليها. نعم، فقد أصبحت أكثر قبولاً لطبيعتي البشرية، ولنفسي الضعيفة.

وعلى الرغم من هروبي من ذلك الشيخ في الماضي، إلا أنني أتمنّى أن ألتقي به مرةً أخرى الآن، كي أخبره بأنني نجحت في حياتي، دراسياً ومهنياً، وأنا من دون حجاب!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard