"أسبوع الصورة"... عروض خارج السياقات تعيد إحياء بيروت المنكوبة

الثلاثاء 30 نوفمبر 202103:46 م

أطلق مركز بيروت للتصوير(BCP)، بدعم من المعهد الفرنسي في لبنان، نسخته الأولى من "أسبوع الصورة"، بين الـ23 والـ28 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، عبر تنشيط مواقع تعليمية وترفيهية منتشرة في مختلف مناطق بيروت التي هزّها انفجار المرفأ في الرابع من آب 2020.

دعم مجال التصوير

قام "أسبوع الصورة"، وهو جزء من سوق الطيب النابض منذ فترة على طرف شارع مار مخايل المطلّ على المرفأ، بفتح منصات مستجدة أمام الفنانات والفنانين المختصين، واضعاً بتناول الجميع المزيد من عناصر الفهم والتساؤل والإتقان في مجال التصوير، كما وأنه سلّط الضوء على غنى الثيمات وفرادة التقنيات التي تحاول أحياناً محاكاة الحداثة التي تسير نحوها البلاد من حولنا.

في مقدمة نص المشروع، الذي حصل رصيف22 على نسخة منه، يقول المؤسس باتريك باز: "يبدو من المهم جداً تأمين استمرارية الإنتاج الفوتوغرافي في خلال الظروف الراهنة للبلد. واليوم أكثر من أي فترة مضت، يحتاج المصورون هنا لكل الدعم. عملنا بات ضرورة إذن".

صورة الياس مبارك

يوم الأحد، أدارت مديرة الـBCP، شنتال فهمي، مشغلين متواليين لإبداعات الصغار بين الـ6 والـ10 سنوات، تحت عنوان "الحياة بالأزرق"، كما تعمل بالتوازي منسقة غير اعتيادية لزهر البراري: "أعمد ضمن نشاطي على تعريف الأطفال ببداية المهنة تاريخياً، عبر استخدامي لتقنية الـ "سَيانوتايب" (Cyanotype) باستعمال النباتات الجافة، وتُعد هذه عملية طباعة راجت بكثرة في بداية القرن الماضي، لبساطتها وانخفاض تكاليفها، وكوسيلة لإعادة إنتاج الوثائق، فعُرفت كذلك باسم الـblueprints وما زالت تُلهم عدداً من الفنانين المعاصرين. ما عليك 

"يبدو من المهم جداً تأمين استمرارية الإنتاج الفوتوغرافي في خلال الظروف الراهنة للبلد. واليوم أكثر من أي فترة مضت، يحتاج المصورون هنا لكل الدعم"

"إن الفوتوغرافيا هي الرسم بالضوء"، أسهبت شنتال بالشرح لتلاميذها، معتمدةً على جذر الكلمة اللاتينية: "فتو"، أي ضوء ثم "غرافيا" أي رسم، شارحة ذلك بالقول: "من الجدير دوماً لفت الأنظار إلى هذا النوع على أنه فن قائم بالأساس، وقبل ولادة الرقمنة (Digital). واستطردت: "أثرت جائحة كورونا سلباً على عمل المصورين في العالم، تُضاف إليها الأزمة الاقتصادية المستمرة بالتفاقم في وطننا. بات الغلاء يحد من قدرات الزملاء على شراء المواد والأمتعة اللازمة، فكيف بإقامة الاحتفاليات؟".

وأضافت فهمي: "مهما تكن الأحوال، من الجيد إخراج كافة الفنون من دوائر النخب وصالات العرض الأنيقة وجعلها ملكاً لكل الناس، على خريطة الأحياء بكوزموبوليتها".


صورة سلوى منيمنة

من جهتها، تعشق سلوى منيمنة التصوير، فتشارك غالباً رفاقها لقطات أخاذة للمدينة أو للقرى الوادعة، من خلال حساباتها في وسائل التواصل.

وفي حديثها مع رصيف22، كشفت منيمنة التي تعمل أمينة مكتبة، "إن هذا الشغف نفسه بتظهير وأرشفة لحظات الإحساس العالي، دعاني إلى ارتياد السوق وإلى إشراك ابنتيّ بالمشغل".

وأضافت: "رائع أن يكون الأمر نوعياً ومجانياً معاً، في حين نجتاز فترة صعبة للغاية على الصعيدين المالي وتعليم وترفيه اليافعين".

وعند عودتها بعد ظهر ذلك النهار التشريني، لم تنس كالعادة أن تشاطر أصدقائها الزيارة بالنظر والتعليق، فكتبت مُرفقةً لقطاتها: "ها هي بيروت اليوم تنتصر مجدداً على الظلم والموت في حبها المتجدد للفن والثقافة والحياة".

من أرض المعركة إلى المعارض الفنية

يوم الأربعاء الواقع فيه 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، عقد مروان طحطح مع ريشار هيكل، طاولة مستديرة، أدارها عمر عبد ربه في متحف سرسق، تحت عنوان: "من أرض المعركة إلى المعارض الفنية… وجهات نظر مختلفة حول التصوير الصحفي".

ولعل المادة المذكورة تتآلف تماماً مع خصوصية مروان طحطح، كموثق بصري "للتظاهرات المطلبية" وسط الساحات وعلى امتداد الأوتوستراد: "بت حراً بعد أن عملت كمصور صحفي منذ العام 2000 في عدة جرائد لبنانية ووكالات أجنبية. نلت في العام 2016 شهادة في التصوير من فرنسا، كما شاركت بعدة معارض محلية وفي أوروبا وأميركا".

صورة مروان طحطح

"ها هي بيروت اليوم تنتصر مجدداً على الظلم والموت في حبها المتجدد للفن والثقافة والحياة"

وفي حديثه مع رصيف22، وصف طحطح التجربة عموماً على أنها "تشكل، في هذا التوقيت بالذات، تظاهرة فنية ممتازة". وأضاف: "لقد جذبت طاولة النقاش حوالي 30 شخصاً، بعضهم من جمهور الصورة، ومنهم جامع لصور الحرب ومطلع ضليع على (الحرفة) حتى لو لا يمسك بأدواتها".

وعن "سوق الصور" تحديداً، اعتبر مروان أنه "مع المراكمة الزمنية، سوف يحفز المقتدرين على شراء القطع الأصلية والنادرة من أجل الحصول على الصورة المتوفرة بنسخة واحدة وكأنها لوحة مرسومة. وسوف يتمكن الآخرون من الدخول إلى هذا العالم الجميل، خلق حوارات مع الفوتوغرافيين/ ات وإثراء ذائقتهم عبر المشاهدات الحية".

جرعة أمل

في "أسبوع الصورة"، حصة مُضافة لتانيا طرابلسي" التي تتحدث لرصيف22 عن رؤيتها للمبادرة: "إنها طبعاً جرعة أمل مشجعة للباقين من المصورين/ات، عقب مغادرة كثر منهم/ن لهذه الأراضي المفجوعة والمتصدعة على كل المستويات".  

صورة تانيا طرابلسي

وكانت طرابلسي قد عقدت بدورها طاولة مستديرة في مركز بيروت للفن، تحت عنوان: "أي مستقبل للتصوير؟ وأي تحديات قادمة؟" مع كل من Thierry Van Beisen وCamille Allard وبإدارة سيرج عقل.

صورة تانيا طرابلسي

من أب لبناني وأم نمساوية، درست تانيا طرابلس تصميم الأزياء في البداية، ولم تتأخر بتطوير معارفها في التصوير، فباشرت مسيرتها منذ العام 2007 لتحصل على جائزة مؤسسة بوغوصيان عن مسلسل Seules في الـعام 2013، وتُعرض أعمالها دولياً.

"يمكنك مشاهدة صورة لمدة أسبوع كامل وعدم التفكير في الأمر مرة أخرى. ولكن يمكنك أيضاً رؤية صورة للحظة واحدة والتفكير فيها طوال حياتك"

ورداً على سؤال حول أشغالها وعدتها، أجابت طرابلسي: "أستكشف معظم الأحيان موضوعات ذاكرة الفرد والعائلة، كالتجذّر من عدمه، لا سيما وأنني أخفق في دمج انتمائي بين مكانين غير متجانسين، وأتطرق لموضوعات متعلقة بهوية النساء، مثل وصم المرأة العازبة في مجتمعنا المُتخبط بالتابوهات. لا أحصر نفسي بنوع محدد من الكاميرات، وقد أستخدم كل ما لدي في مجموعتي، من كاميرا الهاتف إلى موديلات الثمانينيات والتسعينيات، وفق ما تقتضي الحاجة".

صورة تانيا طرابلسي

بعد الانتهاء الطواف بين منصات العارضين، جلست خلف مأدبة خشبية قريبة من ربة الصاج الآتية من القرية البعيدة، ولا تترد بفرد صلصة الغواكامولي فوق الرغيف التقليدي، إلى جانبها بائع البيرة المنكهة بطعم تفاحنا البلدي. بانتظار أن تجهز منقوشتي، هممت أبحث على هاتفي حول أجمل ما قيل عن الصورة، فاستوقفني اقتباس المراسل التربوي جون ميرو: "يمكنك مشاهدة صورة لمدة أسبوع كامل وعدم التفكير في الأمر مرة أخرى. ولكن يمكنك أيضاً رؤية صورة للحظة واحدة والتفكير فيها طوال حياتك".

فكم من صورة، وإن أُخذت على غفلة، إلا أنها سكنت وجدان الإنسانية جمعاء، فألهمتها ثورةً، شعراً وموسيقى وقصة؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard