"سوق الطيّب" بعد تفجير نصف بيروت... احتفاليّة الحرفة لا الدمار

الجمعة 23 أكتوبر 202002:35 م

هي بيوت متنوعة، تتجدد الآن (تأسست عام 2004) على ضفة الحيّ العتيق، بعد أسواق بيروت والجيفينور- الحمرا، مقابل المرفأ الذي تفجّر من شهرين ونيف: "طاولة مار مخايل"، "السوق"، "الدكّانة" و"مطبخ الكل".

تصعد ممتلئة بالأبيض والأخضر للترحيب بالباعة كما الزبائن والضيوف. عندما وقعت الكارثة، ظنّ الجميع أن تلك هي نهاية جميع العاملين بالمؤسسة المفعمة بروح عائلية حلوة، لكن إرادة الحياة أثبتت العكس، إذ باشر المؤسس، كمال مزوّق، الطاهي المُبدع وابن البساتين، بتدوير الدمار غير المسبوق إلى بداية واعدة، مع مزارعين وحرفيين.

كل ما تصنعه الأيدي الحرفية: الطهي المنزلي الشهي، شوكولا وحلاوة وسمسمية، وكريمات العناية بالبشرة... لنتعرف إلى مفاجآت "سوق الطيب" في بيروت

سركيس وطاولته من خضار وفاكهة إهدن اللبنانية، سوق الطيب 3 تشرين الأول 2020. 

فوق المساحة الرحبة والنازلة بسلاسة صوب البحر، يجمع الديكور الأناقة مع البساطة الشديدة، وفيه الحب متشعب إلى ثلاثة أقسام: حب الناس لبعضها البعض من خلال التآزر الاجتماعي خلال الصعوبات، حبها لعملها عبر إتقانه وتطويره، وحبها لبلدها كأرض أولى وأخيرة للعيش بكرامة وسلام.

مقابل المرفأ الذي تفجر في بيروت يجمع "سوق الطيب" بين الأناقة والبساطة، بين الحب والتآزر، بين خيرات البساتين والحرفة ليثبت أن الكارثة لم تكن النهاية لدى هؤلاء الذين يحبون بلادهم ويريدون العيش بكرامة وسلام

في السوق تحديداً، يحاول العارضون خلق علاماتهم التجارية الخاصة بعد نقلها من بيوتهم، مزارعهم أو محترفاتهم، إلى المستهلك مباشرة: أي نضرة، طازجة، لها سمات الفطرة اليدوية وبدون وسطاء متعددين يبتغي كل واحد منهم الربح. وربما لهذه الأسباب مجتمعة، تبقى منصاتهم معروفة بأسمائهم أو كنياتهم "أم فلان، أبو علّان" أكثر من "البرند" المبتكرة، وكأن هوية صاحب المصلحة تلتصق بمكونات المنتج، طريقة صنعه، توضيبه وعرضه، لتغدو وحدها الماركة المسجلة.

هنا تقف سيلين التي بدأت حكايتها كما في قصص الأطفال. فالسيدة التي تصنع قوالب الحلوى الراقية في المنزل منذ 10 سنوات، تعلّق أولادها بنوع معيّن من شوكولا السندويشات، لكن عندما انتشرت أخبار عن احتوائه على كيماويات قد تسبب السرطان، قررت أن تصنع لهم البديل بيديها. وبالفعل، نجحت بالتوّصل لوصفة لذيذة إثر عدة تجارب واختبارات تذوّق.

ولقد ساهم أصدقاؤها بجعل صنفها الأوّل منتجاً رسمياً لها، بعدما أحبوه وراحوا يطلبونه للشراء. أما اليوم، فتضم قائمة Celine أصنافاً كثيرة من المصنوعات العضوية المعروفة، كالحلاوة وزبدة الفستق، أو غير المتوقعة، كالسمسمية القابلة للدهن ومعجون الفريز مع الشيا والعسل. تضعها داخل جرّات تشبه التي في مطابخ الجدات، تدوّن عليها واحدة بواحدة اسم الصنف ومحتوياته، فتضفي عليها لمسات الفرادة الأخيرة.

تعتز سيلين بانتمائها وزوجها إلى سوق الطيّب، باعتباره ملتقى نخبة من صنّاع الغذاء في البلد، وتشير إلى أن القيمين عليه لا يتوانون عن زيارة بيتها أثناء التحضير والتعليب، بهدف مراقبة الجودة وحفظ المعايير العالية المطلوبة.

شوكولا سيلين

تقف ريتا بشعرها الأشقر وبشرتها الصافية، مشرقة كالشمس فوق سهول مارسيليا. كانت ريتا لمدة طويلة موظفة في شركات أدوية عناية بالجسم، فحصلت على خبرة واسعة بالمبيع ومعرفة علمية بالتركيبات، إلا أنها عندما تحررت من الدوام، راحت تجري أبحاثها في المجال وتمزج خلطاتها من المواد الطبيعية فقط. لاقت باكورة كريماتها استحسان المقربين، فتحمست لاحقاً لإطلاق مجموعة Kernel داخل عبوات جميلة.

مستحضرات كرنيل من ريتا

تعتقد ريتا أنها استجابت بمبادرتها لنقص محلي في النوع بعيداً عن الصيدليات، ولقد أكسبتها مشاركتها الدائمة في سوق الطيّب مجموعة زبائن لا بأس بها، في لبنان، البلاد العربية والغربية. وزبائنها ظلوا أوفياء حتى مع الإغلاق بسبب تفشي جائحة كورونا، لأنهم واظبوا على طلب مستحضراتهم العزيزة عبر خدمة التوصيل.

تأخذ ريتا من لبنان زيت الزيتون، اللافندر وماء الورد، لكنها تجلب من فرنسا معظم موادها الأولية. يضعها الأمر أمام تحد دائم جرّاء انهيار الليرة، كي تُبقي أسعارها بمتناول الجميع مع تجنب الخسارة. وصحيح أن الصبية ألِفت سوق الطيّب بعناوينه القديمة، لكنها لا تنفي الآن امتلاءها بتجربة إعادة الحياة إلى مار مخايل، على غرار أي بنّاء أو مالك قهوة في زواريبها.

عقود مرّت وسكان العالم عموماً والعواصم خصوصاً يفرطون باستهلاك المواد المصّنعة، يغلب تواصلهم الإلكتروني والافتراضي على الملموس والواقعي، وصارت العزلة أسلوب حياة المتعبين قبل الحجر المستجد.

تأتي أسواق الشارع لتخلق فضاءات تجارية صغيرة، يسير التبادل فيها بصبر وهدوء خارج قواعد المدنية المتوحشة، وهي تعيد بالتوازي، ولو بخجل، مفاهيم وسلوكيات إنسانية باتت شبه مفقودة، على الرغم من أنها كانت مفيدة للصحة النفسية والجسدية.

يقدم "سوق الطيب" في بيروت مثالاً عن أسواق الشارع التي تحيي الأطعمة البلدية من مونة و"ستريت فود" يؤكل على الماشي، فيشكل فضاءً تجارياً صغيراً ومتعة للحواس وفرصة للتلاقي بين قاطني الحي

يقام سوق الطيّب كل سبت وثلاثاء في الضوء والهواء، يحيي المآكل البلديّة من مونة و"ستريت فود" يُؤخذ "على الواقف" أو "الماشي"، فيمتع الحواس، فهل يشكل فرصة لقاطني الحي بالتلاقي، بعد أن تقلصت عِشرة الجيران ولم يعد بينهم "خبز وملح" مثل زمان؟ هل يساهم بإعادة تنشيط المكان المنكوب كمعلم عريق ومعاصر في آن، مفتوح أمام الرواد الأجانب والآتين من المناطق؟

حتى الآن، ثمة مؤشرات تبعث على التفاؤل، وبيروت، المغدورة من السلطة بالأرواح والأرزاق، تهمّ بالنهوض بفضل مجهود الأفراد والمجموعات الخلّاقة، فيها وخارجها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard