راية منّاع، حكواتية من الجليل تروي قصصاً فلسطينية مصورة قصيرة

الخميس 9 ديسمبر 202110:30 ص

لطالما تعاملت ابنة قرية مجد الكروم، راية منّاع، القائمة في الجليل الفلسطيني، مع محيطها وكل ما يحصل معها في الطريق وكأنها حكواتية، مهمتها الوحيدة أن تحول سوريالية الحياة إلى قصة مشوقة تروى في المجالس، ونوادر مؤلمة بواقعيتها تتوارثها الأجيال.

أو ربما اقتصرت مهمتها على تزيين الأمسيات الطويلة والصباحات العائلية المحببة، بالضحكات غير المكبوحة والانفعالات الصادقة بهزاتها الارتدادية والابتسامات الصغيرة العارفة التي تغويها بسحرها، وهذا الحنين الجميل الذي يولد من حناياها.

أروي كيلا تختفي القصص

المهم أن تروي القصص، وأن تحول التفاصيل الصغيرة لصلة وصل بينها وبين الآخرين، فهذه الطريقة الفضلى التي تستطيع من خلالها أن تعبر فيها عن كل ما يجري حولها، وفي حنايا روحها. وربما كانت أيضاً الطريقة الفضلى لتتقبل الواقع.

"رواية القصص هي طريقتي عملياً في التواصل مع (كل إشي حوالي). صبوحة جهينة. حبيبتي يسعد قلبك. بونجور من إسطنبول. أنا مقيمة هنا من سنة تقريباً. بتنقل بين فلسطين وتركيا".


المصورة راية مناع

المصورة راية مناع التي تتفنّن أيضاً في المطبخ، وتحول توابله ووصفاته لرواية قصيرة من غير المهم أن نعرف من هو بطلها الحقيقي، ثائرة تتعامل مع فلسطين وكأنها الناطقة الرسمية باسم طقوس أبناء شوارعها المنسية وعاداتها القريبة من الروح.

تتفنّن المصورة راية مناع في رواية قصص فلسطينية قصيرة دون أن نعرف من هو بطلها الحقيقي؛ ثائرة تتعامل مع فلسطين وكأنها الناطقة الرسمية باسم طقوس أبناء شوارعها المنسية وعاداتها القريبة من الروح

وهي تتوسل بحساباتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي لتنقل حكايات موطنها الصغيرة التي غالباً ما نغضّ الطرف عنها، على اعتبار أن ثمة عناوين كبرى لا بد من أن تكون الحدث وحديث الساعة في كل ساعة.

ودردشة هذا الصباح مع هذه الثائرة هو عن "ستوديو الأمين" الذي بناه والدها في منزل العائلة القائم في القرية الجليلية، في بداية ستينيات القرن المنصرم.

وهي اليوم تعمل جاهدة لتضع مشروعها/ الحلم "أرشيف الأمين" في الواجهة، لتكمل ما بدأه والدها ذات يوم وأصرّ فيه على تجسيد الحياة الفلسطينية اليومية، من خلال المناسبات الاجتماعية التي كانت في الواقع التجسيد الأقسى ليوميات عادية، هي بأهمية العناوين الكبرى المزخرفة بالعنف والحرمان والذل والاضطهاد، وعناصر بركانية أخرى يعيشها الفلسطيني ثوب أيامه.

محمود أحمد أمين مناع

والدها، محمود أحمد أمين مناع، "كان مصوراً ناشطاً حتى منتصف تسعينيات القرن المنصرم". وكان يبرع في تجسيد العرس الفلسطيني التقليدي، ومختلف المناسبات التي احتفل فيها الفلسطيني بمرور الأيام... "هيك، هيك، محسوبة علينا".

واعتاد أن يلتقط مئات الصور، ليحول كل تفصيل وكل انفعال عابر لحكاية كبيرة يفرح فيها أصحاب المناسبة لاحقاً، عندما يحين الوقت لفلفشة ألبوم الذكريات.

صور من أرشيف الأمين

وكان محمود يغض الطرف عن الذين يطلبون منه أن يدفعوا لاحقاً، آخذاً في الاعتبار الفترة الاقتصادية الصعبة التي عاشتها الخليلة فلسطين في تلك الفترة. وبطبيعة الحال، تراكمت الديون، ووجه محمود أحمد أمين مناع بالإفلاس نتيجة تفهمه لظروف هؤلاء الذين أرادوا تخليد لحظاتهم الصغيرة في يوم عرسهم مثلاً، ومناسبات "تاريخية" أخرى في حياتهم، تأتي على شكل عيد ميلاد "بيت العيلة الدلوعة" و"تخرج الشيطان الصغير من المدرسة".

كان والد راية، محمود أحمد أمين مناع، "مصوراً ناشطاً حتى منتصف تسعينيات القرن المنصرم". وكان يبرع في تجسيد العرس الفلسطيني التقليدي، ومختلف المناسبات التي احتفل فيها الفلسطيني بمرور الأيام

وفجأة، لم يعد الناس يريدون صورهم. تخلوا عن لحظاتهم الصغيرة التي أسرها المصور الناشط، وانتهى المشروع، ووضع هذا الفنان الذي نقل عشقه للصورة لابنته الثائرة، آلاف الصور جانباً في علية المنزل، وأصيب بداء الألزهايمر بالرغم من صغر سنة، هو المولود في العام 1945.

صور من أرشيف الأمين

ولأن ابن ال76 يعيش اليوم مراحل متقدمة من المرض، "ما عندي معلومات بتاتاً عن الصور"، كما تروي لي هذه الحكواتية المتعددة الموهبة. "جزء من هذه اللحظات الهاربة من السعادة والانفعالات الصادقة مزودة بالتاريخ، وباسم العريس والعروس، ولكن هي مش دايماً الحالة".

إنقاذ الذاكرة

محمود أحمد أمين مناع لا يذكر أي شيء عن هذه الصور، والعلية في المنزل العائلي امتلأت بالصور المطبوعة والأخرى التي ما زالت في إطار "النيغاتيف".

ووالدة راية، قررت ذات يوم أن ترميها، وترمي معها مئات الحكايات والانفعالات واللحظات التي رحلت مستأذنة ولن تعود يوماً، إلا إذا احتفظنا بهذه الصور وحولناها قصة شعب بكامله وليس فقط قصصاً صغيرة مأخوذة من مختلف المناسبات الاجتماعية.

صور من أرشيف الأمين

"وأنا لحقتها باللحظة الأخيرة قبل ما تحرقها، عم نحكي هون على صناديق فيها أكثر من 10 الآف نيغاتيف وصور مطبوعة".

فإذا براية تشتري كل المعدات التي ستسعفها في عملية الحفاظ على التاريخ المنسي في علية العائلة، ولتنقذ النيغاتيف الذي كان بعضه قد تأكسد والبعض الآخر التصق مع الأيام بالأوراق التي حضنت الذكريات التي لن تتكرر، وبدأت العمل عليها.

وفي حوذتها اليوم كل مراحل العرس الفلسطيني والطقوس التي كانت معتمدة في تلك الحقبة، والتي قد تشمل على سبيل المثال، "حمام العريس"، "زفة العروس"، "السهرة التي تجمع العرسين"، "والنوف وهي كلمة إسرائيلية وتعني المناظر الطبيعية ولكن أبناء فلسطين في الداخل كانوا يستخدمون الكلمة لوصف الصورة التي تجمع الثنائي. وفي حين أن الكلمة مش وصف دقيق ولكنها لا تزال تستخدم حتى اليوم".

صور من أرشيف الأمين

تعمل راية مناع جاهدة لتضع مشروعها/ الحلم "أرشيف الأمين" في الواجهة، لتكمل ما بدأه والدها ذات يوم وأصرّ فيه على تجسيد الحياة الفلسطينية اليومية، من خلال المناسبات الاجتماعية التي كانت في الواقع التجسيد الأقسى ليوميات عادية عاشها الفلسطينيون

وفي هذه الصناديق التي تتعامل معها راية وكأنها الكنز الذي أراد والدها أن تكتشفه بطريقة أو بأخرى، على الرغم من غرقه في عالم النسيان، "واحدة من أهم المراحل في العرس الفلسطيني وهي طلعة العروس. هو حدث كبير ومؤثر للغاية. وحتى اليوم يتكلل بالدموع التي تذرفها العائلة وأهل العروس. وأكثر منهم، العروس نفسها".

صور من أرشيف الأمين

وبالإضافة إلى المناسبات الاجتماعية التي تستريح على الحنين، وجدت راية توثيقاً مهماً لشوارع فلسطين من خلال الـStreet Photography.

وأيضاً البورتريهات العائلية التي تعكس عدم قدرة العديد من العائلات على اقتناء آلة تصوير، فمن هنا الحاجة إلى محمود مناع ليزور المنازل الحميمية والتي تستريح على الانفعالات والصخب العائلي لتخليد جمعة العائلة.

وتحاول راية حالياً أن تجد التمويل الكافي لتعزيز دور هذا المشروع الذي ورثته عن والدها، في التاريخ الفلسطيني، "وأنا أحتاج فعلياً لـ3 سنوات بتقديري، لأنهي عملية الترقيم والمسح. وهمي أن أتعاون مع بحاثة في علم الأنثروبولوجيا لأنشر قصة الأعراس في الشمال الفلسطيني. أزودها النصوص والبحوث عن ممارسات العرس. فبعد الانتهاء من عملية الترقيم والمسح، سأنتقل إلى البحث الأنثروبولوجي المتعلق بالأرشيف".

صور من أرشيف الأمين

مشروع للحياة

بالنسبة لابنة مجد الكروم، فإن أهمية المشروع تكمن في تسليط الضوء على أبناء فلسطين في الداخل. "حياتهم الاجتماعية. حياتهم الثقافية. حياتهم الفنية. لم نحصل حتى الساعة على تجسيد حقيقي لحياتنا في الداخل".

المشروع يبرز جمالية الحياة في الفترة الممتدة بين الـ60 والـ90 في شمال فلسطين. "في التاريخ الفلسطيني نتحدث عادةً عن الحروب والمآسي. لم يركز أحد بما فيه الكفاية على التاريخ الفلسطيني الاجتماعي. ولكن في الفترات الأخيرة ثمة مبادرات رائعة لعدة فنانين فلسطينيين لتوثيق المطبخ الفلسطيني والأزياء الفلسطينية".

ومن خلال صور والدها، "نستطيع أن نتعلم الكثير عن أهل البلد. ما هي مراحل العرس. ما هي المراحل التي نركز عادة عليها؟ أنا أنظر إلى الأرشيف من جانب جمالي من جهة ومن جانب أنثروبولوجي من جهة أخرى".


صور من أرشيف الأمين

بعد "كم سنة"، تجد راية هذا المشروع مناسباً جداً ليشارك في معارض فنية تقام في متاحف عالمية، "وهو أيضاً مناسب لأعمال بحثية محض".

هذه الصور تقربنا بضع خطوات من "انفتاح الشعب الفلسطيني. الانفتاح المهول عند الشعب الفلسطيني. هذا الانفتاح الذي يجعل العريس يتحمم وهو عارٍ تماماً مع مجموعة شباب آخرين. هذا التقبل، هذه الراحة مقابل التشدد الذي نشاهده اليوم. فرق مهول شاسع".

أما العروس، فهي تعيش اليوم، كما ترى راية عبر الصور التي يتم إسقاطها على المواقع التواصل الاجتماعي، الحالة النفسية عينها التي كانت تعيشها عروس الستينيات. حالة نفسية صعبة، "لمجرد فكرة أنها تغادر بيت أهلها أو حتنتقل لبيت جديد"، والعائلة بكاملها تبكي.

"فوين هاللهفة والحساسية تجاه الفتيات في العيلة من حوادث العنف والقتل اللي عم نشهدها اليوم واللي ما كانت موجودة بهيديك الفترات".

هذه المفارقات التي نلمسها في الممارسات المتجسدة في الصور تستحق التأمل والتفكير والبحث. "هذا ما أراه شخصياً في مشروع فوتو ستوديو الأمين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard