"شعر أشقر وعدسات ملوّنة"... تونسيات مهووسات بالتشبه بالغربيات

الجمعة 26 نوفمبر 202106:11 م
Read in English:

Blonde hair and colored contacts... Tunisians’ obsession with looking white


"تعرّفت إلى فتاة ذات عينين سوداوين، وشعر أسود طويل، وبشرة قمحيّة جميلة. تقدّمت إليها، وتمت الخطوبة، ثم أسرعنا في الزواج بعد شهرين تقريباً. كان كل شيء على ما يرام، خاصةً وأننا نحبّ بعضنا البعض كثيراً. في ليلة الزفاف، فوجئت بفتاةٍ أخرى تجلس بجانبي ذات شعرٍ أشقر، وعينين ملوّنتين. لم أصدر صوتاً، وبقيت أسترجع ملامح خطيبتي السمراء التي عرفتها، وأقارن بينها وبين التي تجلس بجانبي". يروي لنا عمر (31 عاماً)، من تونس، قصة تغيير حبيبته لشكلها كلياً، ليلة زفافها.

يقول: "نظرت إليّ بدهشةٍ قائلةً: لماذا تنظر إليّ هكذا؟ أنا عروس، ومن حقي أن أظهر بأبهى حلّة، ثم لو كانت امرأةً أوروبية لأعجبتك".

"أحببتها سمراء، بعينين سوداوين، وفي ليلة الزفاف فوجئت بفتاةٍ ذات شعرٍ أشقر، وعينين ملوّنتين بجانبي". عن هوس التونسيات بالتشبه بالغربيات

ما قد تجهله ربما الشابة، هو أن السمرة كانت ميزةً جماليةً أسالت حبر الشعراء، وتغنّى بها الفنانون. فقد شبّه الفنان التونسي الراحل هادي الجويني، السمراء بالعسل، في مقطع من أغنيته الشهيرة، سمراء يا سمراء، يقول فيه: "سمراء يا لون العسلة/ أنا نخزر(أنظر) وأنت تحلى/ يا سمراء بروحي نفديك"، واستنكر لوم الناس من يحب السمراء التي تغزّل بها في أغنيته الشهيرة: "لاموني اللي غاروا مني"، ويقول في أحد مقاطعها: "في عيني تضوّي كالقمرة (مثل القمر)/ أناجيها بحبي في سماها/ هم يقولولي هالسمراء إش فيها/ حتى تهواها... قلتلهم أحلى م التمرة/ تردع بالدنيا ما فيها".

تقليد أعمى

على الرغم من المكانة الجمالية للسمراء في الموروث الفني والثقافي التونسي، وعلى الرغم من ميزة جمالهن بالشعر الأسود، تعمد كثيرات في تونس إلى تغيير لون أشعارهن إلى ألوان أخرى، تشبّهاً بألوان شعر نساء الغرب، كالشعر الأشقر القاتم، أو الأحمر القاني، ويبتعدن عن اللون الأسود الذي يُعدّ لون الشعر الطبيعي الطاغي بالنسبة إلى سكان قارتي آسيا وإفريقيا. ففكرة أن الرجل يُعجب بجمال الشقراوات التي روّجت لها الإنتاجات السينمائية الغربية، وأن الجمال حكر عليهن، ترسّخت في أذهان العديد من النساء، وصرن يتسابقن على محلات التجميل، وصالونات الحلاقة، لاختيار لون شعر فنانة، أو ممثلة، أو حتى امرأة انبهرن بشكلها.

وأصبح صبغ الشعر باللون الأشقر، عادةً من عادات الزواج، مثلها مثل بقية التقاليد المتعارفة، فمنهن من لا تحسب حساباً لملاءمة اللون الأشقر للون بشرتها السمراء، أو القمحية، ولا للون حاجبيها الطبيعي، الأسود، الذي يُصبغ هو الآخر مثل الشعر، أو أقل منه بدرجةٍ، أو درجتين.

تقول يسرى (40 عاماً)، التي تعمل في صالون حلاقةٍ في تونس: "تأتي كثيرات من الفتيات قبل زفافهن بنحو أسبوعٍ، أو أسبوعين، ليغيرن أشكالهن بصبغ الشعر باللون الأشقر غالباً. نلبّي طلباتهن، على الرغم من أن كثيرات منهن يتحولن من جميلاتٍ، إلى أقل جمالاً، بسبب عدم ملائمة اللون لبشرتهن، لكن الواحدة منهنّ تصرّ على الصبغ باللون الذي تريده، وليس في وسعنا سوى تلبية رغبتها".

يرى عماد (30 عاماً)، من تونس، أن تقليد النساء التونسيات للغربيات، غير ناجح غالباً، ويقول لرصيف22: "صراحةً، أنا من بين الرجال الذين يحبّذون الجمال الطبيعي، الذي يكمن في الفتاة العربية الساحرة صاحبة العين السوداء الواسعة، والتي يليق بها الشعر الأسود الطويل، الذي يمنحها نوعاً من الجاذبية، لكن للأسف، هذه المعالم الفريدة يتم طمسها اليوم، تحت مسمى الموضة، واللوك، والتقليد الأعمى للنساء الغربيات اللواتي يولدن بتلك المواصفات، وهنّ ذوات بشرة فاتحة، وتليق بهنّ الألوان الفاقعة، على عكس نسائنا اللواتي لهن جمالهن الطبيعي الخاص، لكن بعضهن لديهن إصرار على تدميره".

ظاهرة عربية

وصلت حمّى تقليد الغربيات إلى النجمات والمشاهير. فما إن تظهر إحدى نجمات أمريكا، أو أوروبا، بإطلالةٍ معيّنة، حتى لو كانت خارج إطار الموضة، أو الألوان الدارجة، حتى تتبعها نجمات فنّيات في أول مناسبة يظهرن فيها. فالفنانة العالمية الجميلة مارلين مونرو، ذات الشعر الأشقر القصير، والشامة السوداء التي تتوسط وجهها، هي ذات إطلالة فريدة تميّزها عن الجميع. لكن ذلك لم يمنع فنانات عربيات من تقليدها، على غرار الممثلة المصرية هنا الزاهد التي اعتمدت الشعر الأصفر، وملمّع الشفاه الأحمر الجذاب. وقد انهالت التعليقات على الصورة، بين معجب بنجاحها في تقمّص مظهر مارلين، وبين منتقدٍ للتقليد الأعمى.

وأيضاً الفنانة ذات الجمال الأخّاذ، هيفاء وهبي، سقطت في دائرة التقليد، وتقمّصت "لوك" مارلين أيضاً، وأنزلت صورةً لها بشعرٍ أشقر قصير، وبوضعية تصوير تعتمدها مونرو دائماً... وبكل جرأةٍ، اعتمدت الممثلة التونسية درة زروق، "اللوك" ذاته، على الرغم من اختلاف طريقة قص شعرها، ولونه، عن الفنانة الأمريكية.

كثيراً ما تستوحي الشهيرات في العالم العربي إطلالاتهن من النجمات العالميات، وهي ظاهرة تنتشر أيضاً بين النساء التونسيات

ولقّب كثيرون الفنانة السورية سوزان نجم الدين، بـ"مارلين مونرو العرب"، كونها تُعدّ من أكثر فنانات العرب ظهوراً بلوك مونرو، بشكلٍ دائم، إلى درجة أنها خضعت لعملية تجميل لتصغير أنفها، كما تحرص نجم الدين خلال ظهورها في المهرجانات السينمائية، والحفلات، على أن تظهر بملابس تشبه تلك الخاصة بملابس مارلين مونرو، وماكياج يضعها في قالب تلك الممثلة العالمية.

وكثيراً ما تستوحي الشهيرات في العالم العربي، إطلالاتهن من النجمات العالميات، فقد قلّدت الفنانة مايا دياب الممثلة كيم كاردشيان، في أكثر من مناسبة، وارتدت فستاناً أحمر يشبه فستان الفنانة كايلي جينر.

وارتدت الفنانة الإماراتية أحلام، في برنامجthe voice، فستاناً ظهرت فيه الفنانة العالمية بيونسي، قبلها بأشهر، كما أطلّت الفنانة إليسا في فيديو كليب أغنيتها، "أسعد وحدة"، بفستانٍ شفّافٍ من علامة "غابانا"، وهو ذاته الذي أطلّت به كيم كاردشيان في مهرجان "دو آيسد فيستفال".

وفي حديث إلى رصيف22، تُرجِع المختصة في علم الاجتماع، نادية مصدق، مسألة التقليد الأعمى للغرب بشكلٍ عام، إلى التنشئة الاجتماعية التي كبر عليها أبناء البلدان العربية الذين صُوّر لهم الغربي في صورة الشخص الأفضل والمميز في جميع المجالات، وهو غير قابلٍ للنقد، ولا يخطئ، حتى أنهم يضربون بهم المثل في الكثير من المواقف. وهنا نستحضر مقولة مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، الذي قال: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيِّه، ونِحلته، وسائر أحواله وعوائده". وتقليد المغلوب للغالب، والضعيف للقوي، ينبع من الهزيمة النفسية، والإحساس بالدونية، مقابل فوقية الآخر، فالمنتصر دائماً مستغنٍ، ولا يجد الحاجة إلى تقليد الغير، إلا في أضيق الحدود، وبما لا يضرّ بمقومات تميّزه.

وتضيف مصدق:" تلك الدول هزمت دولنا بالاستعمار، وهي هزيمة عسكرية تحولت إلى هزيمة اقتصادية وتكنولوجية، ثم نفسية، فترسّخ لدينا أنهم الأقوى والأفضل، ونحن التُّبَّع. فالتقليد الأعمى، كما قال المنفلوطي، شأن العاجز الضعيف الذي لا يدري بماذا فاقه القوي القادر، فهو يقلّده في جميع حركاته وسكناته، ظنّاً منه أنها سرّ قوته وقدرته، وهو بالضبط ما يحدث في المجتمعات العربية اليوم".

وتخطّى التقليد الأعمى للغرب الشكل، وأصبح تقليداً لمناسباتهم، وطريقة أكلهم، وصورهم، وطريقة عيشهم، وحتى عقيدتهم، وهو أمر خطير بإمكانه طمس الهوية والثقافة، ومحو معالم الخصوصية والتفرد، ورسم العالم بقالبٍ واحدٍ على هوى جزءٍ صغير منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard