"إيلينا وإخوتها"... تونس أصبحت منصةً للاجئين الأفارقة من دون سياسة حكومية

الثلاثاء 16 نوفمبر 202104:57 م

بعد غياب طويل، التقيت بزميلات في موعدنا المحدد. اخترنا للقائنا مقهى مركوناً في إحدى أزقة شارع الجمهورية، في العاصمة تونس. لم يكن هناك سبب محدّد لاختيار هذا المقهى، لكن على ما يبدو فإن القدر ساقنا إليه للوقوف على حجم معاناة إِلِينا.

طوال جلستي مع الصديقات، لم أتمكّن من رفع عينيّ عنها. كنت احتسي القهوة، وأراقب حركاتها، وسكناتها، وملامح وجهها، وتعابيره، خاصةً انصياعها التام لأوامر العرف (رب العمل).

جسدها نحيل، ويبدو منهكاً، ويحمل ما لا يطيق، وعيناها متورمتان تغطيهما خصلة شعر مجعّد، وثياب صيفية في طقس شديد البرودة. أعدَّت القهوة والشاي في آن واحد، وقدّمتهما بلباقة لي ولزميلاتي، ثم انطلقت مسرعةً لتنظيف الطاولة المجاورة، بعد مغادرة الزبائن، ثم اتجهت إلى المطبخ لغسل الأواني.

قبل أن يقترب موعد إغلاق المقهى، حملت سلّة القمامة لتلقي بها في حاوية كبيرة في الشارع الخلفي، فتحيّنت الفرصة، ولحقتها للاستفسار عن وضعها. توجّست خوفاً للوهلة الأولى، ورفضت الحديث، ظنّاً منها أني سأكشف أمرها، وهي التي لم تسوّي وضعيتها القانونية بعد، لكني حاولت جاهدةً التقرّب منها، والتأكيد لها بأني متعاطفة مع حالتها، وأخيراً فتحت قلبها لتحكي قصتها: "اسمي إيلينا. شاركت في عملية هجرة سرية من ليبيا، بقصد الوصول إلى الأراضي الإيطالية، للفرار من كابوس الحرب في بلادي، لكن المركب الصغير الذي كان يقلّ العشرات تعطّل، وتاه بنا يومين في عرض البحر، إلى حين تدخلت وحدات خفر السواحل التونسية لإنقاذنا. ليتها لم تنقذنا، فلقد أصبحت عرضةً لشتى أنواع الاستغلال، بعد أن تشردت في الشوارع. على الرغم من الجشع، والاستغلال، والاستنزاف الشديد، فإن هذا المقهى الصغير هو ملاذي الوحيد، وهو أكثر أمناً من شوارع العاصمة ليلاً. أقدّر مجهودات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، لكن هذا لا يكفي لحل أزمتنا، نحن المهاجرين غير النظاميين".

جسدها نحيل، ويبدو منهكاً، ويحمل ما لا يطيق، وعيناها متورمتان تغطيهما خصلة شعر مجعّد، وثياب صيفية في طقس شديد البرودة. تونس تتحول إلى منصة للاجئين الأفارقة

إيلينا واحدة من بين آلاف الأفارقة من دول جنوب الصحراء الكبرى، الذين اختاروا التراب التونسي ملاذاً لهم، أو أرض عبور نحو الفضاء الأوروبي. لعلّ أغلبهم مجبرون على الإقامة في تونس، بصفة غير نظامية. على الرغم من قسوة الظروف، وتعرّضهم لشتى أنواع الاستغلال والعنصرية، إلا أن ذلك لا يحجب التوتر الذي يسود في بعض جهات البلاد، بسبب تفاقم عدد المهاجرين فيها، والاشتباه في ضلوع البعض منهم في عمليات إجرامية، ليتحولوا بذلك من ضحايا إلى "قنابل موقوتة" تهدد السلم الاجتماعي.

عدد يتضاعف يومياً

يوضح رئيس "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، جمال مسلم، أن تونس لم تعد أرض عبور، بل أصبحت أرض استقرار للمهاجرين غير النظاميين الذين يتضاعف عددهم يوماً يعد يوم، في ظل غياب منظومة تشريعية توقف نزيف انتهاك حقوقهم، كما أشار إلى أن المعاهدات الدولية والاتفاقيات التي مضت عليها تونس في خصوص اللاجئين وطالبي اللجوء، لم تتمكن من التصدي للتجاوزات القانونية الرهيبة في حق هذه الفئة الهشة.

ويضيف محدث رصيف22، أنه "في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أرسلت الرابطة إشعاراً يتعلق بـ45 مهاجراً تم توقيفهم في سواحل محافظة صفاقس، من بينهم نساء وأطفال وامرأة حامل وضعت مولودها في مستشفى في تونس، لكن ما راعنا أن السلطات المحلية تجهل مصيرهم، ووزارات الإشراف تمتنع عن الرد على الإشعار". وأضاف أن الرابطة طالبت بالإحاطة بهم، وحفظهم في مراكز للإيواء، وتوفير الحد الأدنى الإنساني لهم، من دواء، وغذاء، وانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي لمن سوّوا وضعهم القانوني.

ورأى مسلم، أن الإشكال يكمن في غياب إحصاءات مؤكدة عن المهاجرين في تونس، والذين يأتون غالباً من مالي، والسنغال، وكوت ديفوار، مبيّناً أن سلطات الإشراف تمنع المنظمات الحقوقية من متابعة وضعية اللاجئين، لكيلا يُعرَف مصيرهم.

كما أكد جمال مسلم، أن البعض يتم ترحيلهم إلى الحدود، وسبق للرابطة أن حاولت متابعة وضعية مهاجرين تم ترحيلهم سنة 2011 إلى الحدود، لكنها مُنعت من ذلك.

سياسة هجرة أدّت إلى أزمة مهاجرين

تحوّلت تونس، في السنوات الأخيرة، إلى منصة للمهاجرين الأفارقة بامتياز، وتشير إحصاءات شبه رسمية إلى أن عددهم تجاوز الـ60 ألف مهاجر، وسط غياب تام لإستراتيجية واضحة ومعلنة، للإحاطة بهم، ومتابعة أوضاعهم، أو حتى التفاوض من أجلهم. وعلى الرغم من تنديد المنظمات الحقوقية بما تتعرض له هذه الفئة الهشة، من استغلال، وتمييز عنصري، وتهميش، فإن السلطات المتعاقبة لم تتمكن من إيجاد حلول جذرية لهذه المسألة، نتيجة الضغوط الأوروبية المسلّطة على البلاد، لإجبارها على التعاون في مجال المراقبة الأمنية للحدود والسواحل، هذا إلى جانب صعوبة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الهش في البلاد الذي يحول دون تأمين ظروف عيش إنسانية للمهاجرين.

لا وجود لإحصاءات مؤكدة حول عدد المهاجرين في تونس، لأن وضعيتهم غير قانونية، لكن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتراوح بين 50 و60 ألفاً

حتّمت الضغوط الأوروبية على تونس أن تصبح منصة إنزال للمهاجرين، على الرغم من رفضها السابق لأن تكون حرس حدود أوروبا. فقد كثّف الجانب الأوروبي الاتفاقيات الثنائية، وبرامج التعاون مع تونس، خلال الفترة الأخيرة، كما رصد مبالغ ضخمة تهدف في الأساس إلى تأمين حدوده، عبر الاستعانة ببلدان أخرى، لعل أبرزها تونس وليبيا.

وإن اتّضح أن هذه الاتفاقيات ليست سوى خدمة لمصالح أوروبا في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، فإنها آتت أُكُلَها، وساهمت في تقليص عدد المهاجرين الوافدين على السواحل الإيطالية منذ سنة 2020، إذ تمكّنت وحدات الحرس الوطني من اعتراض أكثر من 13،400 مهاجر من تونس، وفق معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما بلغ عدد عمليات اجتياز الحدود البحرية خلسةً، والمحبَطة خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2021، أكثر من 245 عملية عبور للبحر، أي بنسبة زيادة تُقدَّر بـ242%، مقارنةً مع الفترة نفسها من سنة 2020، وتم كذلك منع 4،100 مهاجر من الوصول إلى السواحل الإيطالية، وفق المصدر نفسه.

وفي هذا الصدد، يؤكد الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، أنه لا وجود لإحصاءات مؤكدة حول عدد المهاجرين في تونس، لأن وضعيتهم غير قانونية، لكن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتراوح بين 50 و60 ألفاً، وفي المقابل فإن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء يبلغ 8،500 لاجئ، وفقاً لمعطيات المفوضية السامية للمهاجرين.

ويرى محدّث رصيف22، أن الوضعية تأزمت بسبب سياسة الهجرة التي تنهجها تونس منذ سنة 2020، بضغوط أوروبية، لتنخرط في مقاومة الهجرة غير الشرعية نحو الفضاء الأوروبي، إذ تعمد تونس إلى اعتراض المجتازين خارج المياه الإقليمية، والمهاجرين الذين ينطلقون من السواحل الليبية، وتنقلهم إلى أراضيها، بحجة إنقاذهم من الغرق، على حد زعمه.

"حسب آخر الإحصاءات، فإن تونس تحتجز شهرياً نحو 400 أو 500 مهاجر غير نظامي، نحو 20 في المئة منهم انطلقوا من السواحل الليبية. هذه الممارسات خلقت أزمة مهاجرين، نظراً إلى غياب الإحاطة، وقصور الخدمات التي تقدّمها تونس والمنظمات الدولية على التكفّل بهم"، ويؤكد بن عمر وجود توتر شديد في صفوف المهاجرين، في كل من محافظتي صفاقس ومدنين، بسبب هشاشة أوضاعهم التي تفتح الأبواب أمام شبكات الدعارة، والجريمة، والإتجار بالأشخاص.

ويرى الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن تونس تحولت إلى منصة لإذلال المهاجرين، نتيجةً للضغوط الأوروبية، كما أنها تلعب دوراً غير دورها، خاصةً وأنها تمر بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تؤهلها إلى هذا الدور، وفق تقديره.

"إجرام وتوتر" في محافظات عدة

تتناول أغلب وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، موضوع المهاجرين غير النظاميين، من زاوية واحدة تتعلق بهشاشة وضعيتهم، وتعرّضهم لأنواع مختلفة من الاستغلال، والحال أنه مع تزايد عدد المهاجرين، انخرط البعض منهم في شبكات نهب، وسرقة، واحتيال، وبيع الخمور والمخدرات خلسةً، كما تورّط البعض الآخر في عمليات اغتصاب، وعنف، وتخريب. وعلى الرغم من أنها ظواهر هامشية، ولا تتعلق إلا بنسبة ضئيلة من هؤلاء المهاجرين، إلا أنها أصبحت تثير مخاوف السكان في المحافظات التي تشهد حضور المهاجرين بشكل كثيف، ومن بينها صفاقس، وأريانة، ومدنين.

وقد شهدت منطقة الربط في محافظة صفاقس، يوم 27 أيلول/ سبتمبر الماضي، محاولة اغتصاب فتاة قاصر من قبل مهاجر تسلل إلى بيت عائلتها، مستغلاً وجودها بمفردها. كما شهدت المحافظة، يوم 23 تموز/ يوليو الماضي، مواجهاتٍ عنيفة بين أفارقة من دول جنوب الصحراء استُعملت فيها الهراوات والحجارة.


وبدورها، شهدت منطقة الحفارة في المحافظة نفسها، مواجهات بين سكان المنطقة ومجموعة من الأفارقة، وبسبب التوتر والاحتقان الذي ساد فيها، تدخلت وحدات الأمن، وتم القبض على العناصر الضالعين في أحداث الشغب.

بدوره، رفض المجلس البلدي لمحافظة مدنين، التي تشهد هي الأخرى احتقاناً في صفوف المهاجرين، في أيار/ مايو الماضي، أن تتحول المنطقة إلى مركز للمهاجرين، ولمخيمات الإيواء، معرباً عن عجز المنطقة عن استيعاب المهاجرين، أو توفير الخدمات الضرورية لهم.

وقد أعرب المحلل السياسي والدبلوماسي السابق، عبد الله العبيدي، عن مخاوفه من انفجار الوضع في محافظات صفاقس، ومدنين، والكاف، بسبب الاحتقان في صفوف المهاجرين غير الشرعيين، وكذلك من إمكانية استعمال هؤلاء لاختراق البلاد، والتجسس، على غرار ما حدث في الخليج عبر بعض الفليبينيين، خاصةً وأنهم لا يثيرون شكوكاً لدى المواطن التونسي عندما يندمجون في المجتمع، حسب رأيه.

وحسب المتحدث، فإن تونس لم تولِ أهميةً لتفاقم عدد المهاجرين، إلا عندما أصبحت ظاهرةً بارزةً تقلق اجتماعياً نتيجة الاحتقان، وتقلق مادياً بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف العبيدي، أن مصادر شبه رسمية أكدت له أن عدد الأفارقة في تونس بلغ 75 ألفاً، متسائلاً عن جدوى الإبقاء على أقليّة محرومة، في بلد محروم يفتقر إلى فرص عمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard