"الإسلام وأصول الحكم"... حين أدار الملك فؤاد بنفسه عملية معاقبة علي عبد الرازق

الثلاثاء 30 نوفمبر 202109:22 ص


عام 1926، لم يكن على طه حسين إلا أن يذهب إلى وكيل النائب العام، المحقق محمد نور، ويقول إنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام، أو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وإنه ما قصد إلا وجه البحث العلمي، لكي يبرّئه المحقق ويحفظ القضية، وهو ما يُشتمّ منه أن توجيهاً صدر بإنهائها دون أضرار.

ولكن قبل ذلك بعام واحد، سنة 1925، أقام الأزهر الدنيا ولم يقعدها ضد علي عبد الرازق (1888-1966) وكتابه "الإسلام وأصول الحكم"، لدرجة أنه شكَّل لجنة محاكمة أطلق عليها اسم "هيئة كبار العلماء"، اجتمعت به وساءلته صوريّاً، وأصدرت بحقّه حكماً عاجلاً دون إعطائه الفرصة كاملة للدفاع عن نفسه.

بين علي عبد الرازق وطه حسين

بدا أن الحكم ضد عبد الرازق جُهّز قبل المحاكمة، وهو فصله من الأزهر، وتجريده من شهادة العالمية، وإخراجه من "زمرة العلماء"، ومنعه من تولي أي منصب ديني، بما في ذلك فصله من مهنته في القضاء، فضلاً عن قرار مصادرة كتابه ومنع تداوله.

ونُفّذ الحكم رغم معارضة وزير الحقانية (العدل حالياً) عبد العزيز فهمي، الذي كان عبد الرازق يعمل في وزارته قاضياً شرعيّاً. تدخّل الملك فؤاد الأول بنفسه وأقال وزير الحقانية المعترض، ما أدى إلى استقالة ثلاثة وزراء اعتبَروا تدخل الملك اعتداءً على السلطة التنفيذية، وهم: وزير الأوقاف محمد علي علوبة، ووزير الزراعة توفيق دوس، ووزير الداخلية إسماعيل صدقي.

ببساطة، عُيّن أربعة وزراء جدد ونُفِّذَ الحكم! وهو ما يوضح درجة الشدة التي قوبل بها كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، مقابل "التهاون" الذي قوبل به كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، رغم أن الأول تعرّض لموضوع هامشي ليس من صلب العقيدة، بينما الثاني انطلق من أرضية نزع القداسة عن كل نص مقدس ليستقيم البحث العلمي.

قَبِل محمد نور دفاع طه حسين غير المنطقي، بينما وجهت هيئة العلماء ستّ تُهَم لعبد الرازق: جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل المُلك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين؛ اعتبار نظام الحكم في عهد النبي موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجباً للحيرة؛ اعتبار مهمة النبي كانت بلاغاً للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ؛ إنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا؛ إنكار أن القضاء وظيفة شرعية؛ اعتبار أنَّ حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين كانت لادينية.

السؤال هنا: لماذا حدث هذا التباين بين الأمرين؟ وما الأسباب التي جعلت الأمور تتأزم إلى حد تدخل رأس الدولة شخصيّاً؟ وهل يستحق كتاب علي عبد الرازق التهم الست التي وجهتها إليه الهيئة، وكلها تتعلق بشكل السلطة لا بصلب العقيدة؟ ولو كان الأمر كذلك، لماذا تراجع الأزهر بعد 20 عاماً فأصدر عام 1945 قراراً بالتراجع عن فصله، ليتولى وزارة الأوقاف (من 28 كانون الأول/ ديسمبر 1948 حتى 25 تموز/ يوليو 1949) في وزارة (حكومة) إبراهيم عبد الهادي، ويُعَيّن عضواً بمجمع اللغة العربية؟

الليبراليون والدولة الدينية

رغم أن حسين وعبد الرازق كانا ينتميان إلى مجموعة الليبراليين التي سبقت وواكبت وتلت ثورة 1919، وكان هدفهما في الكتابين هو تحرير الفكر الديني وتخليصه مما اعتبراه أغاليط فقهية، فإن الفارق الجوهري بينهما أن "في الشعر الجاهلي" شكك في بعض تفاسير القرآن التي استندت إلى معاني الكلمات كما وردت في الشعر المنسوب لشعراء جاهليين، وهو أمر فكري فيه أخذ ورد، بينما يمكن اعتبار "الإسلام وأصول الحكم" كتاباً سياسيّاً، يهدف إلى "نزع القداسة" عن محاولة الملك فؤاد الأول -ومعه شيوخ الجامع الأزهر- إعلانه خليفة للمسلمين بعد أن ألغى كمال أتاتورك نظام الخلافة.

قبل عام من تبرئة طه حسين من تهمة الإساءة إلى الإسلام، أقام الأزهر الدنيا ولم يقعدها ضد علي عبد الرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم"... فلماذا هذا الكيل بمكيالين؟

فالخلافة من وجهة نظر عبد الرازق ليست من أصول الدين، ولكنها قضية دنيوية سياسية لم يرد فيها نص قطعي، وهو ما يفسر إصدار عقوبة متعجلة ضده، وتدخل الملك بثقله لتنفيذها، ولو أدى الأمر إلى إقالة أربعة وزراء مهمين.

وبالطبع ليس مستغرباً أن يغير شيوخ الأزهر موقفهم من النقيص إلى النقيض في 20 سنة، وأن يتسامحوا في قائمة الاتهامات التي وضعوها بأنفسهم، فهذه الأمور حمَّالة أوجه، ويمكن الدفاع عن كل وجوهها بأسانيد من القرآن والسنّة.

المعركة السياسية وأطرافها

المسألة السياسية في كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وفي ردود الأفعال المبالغ فيها من الأزهر والسلطة، يمكن إثباتها في مواقف الطرفين. فمن ناحية كان عبد الرازق "عضواً في حزب الأحرار الدستوريين، الذي تأسس عام 1922 وتبنى الفكر الليبرالي، وهو وريث حزب الأمة الذي تأسس عام 1907، وكان من أبرز مفكريه أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين، وهم يمثلون المدرسة الفكرية المنحازة إلى المدنية والوطنية والحداثة والليبرالية"، وعليه فليس مستغرباً صدور الكتاب في التوقيت الذي يسعى فيه الملك إلى ترسيمه خليفة للمسلمين، باعتبار أن هذه المجموعة ضد الدولة الدينية من الأساس، وضد الخلافة بالتبعية.

على الجانب الآخر، فبعد أن أصدرت اللجنة قرارها ضد عبد الرازق أرسل شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي، برقية إلى القصر الملكي، جاء فيها: "صاحب السعادة، كبير الأمناء: أرجو أن ترفعوا إلى السُّدة العليَّة الملكية، عنِّي، وعن هيئة كبار العلماء، وسائر العلماء، فروض الشكر وواجبات الحمد والثناء، على أن حُفظ الدين في عهد جلالة مولانا الملك من عبث العابثين وإلحاد الملحدين، وحُفظت كرامة العلم والعلماء". كما أرسل كتاباً إلى وزير الحقانيَّة طلب فيه فصل عبد الرازق من وظيفته في القضاء، وهو ما يوضح أن "حفظ الدين" لم يكن الهدف الوحيد للشيخ.

معركة الإسلاميين مع الكتاب وصاحبه

ما يؤكد وجود مساحة غير حاسمة في التأويل، أنه رغم أن علي عبد الرازق تولى -بعد الأزمة- مناصب وزارية وعلمية، كما انتُخب عضواً في مجلس النواب، ثم دخل مجلس الشيوخ، فإن بعض المنتسبين إلى التيار الإسلامي لا يزالون يشككون في منهج الكتاب والنتيجة التي وصل إليها، وهي أنه ليس ثمة نظام محدد للحكم في الإسلام، فهناك كتب ومقالات كثيرة عارضته وما زالت حتى يومنا هذا، بل تخطوا موضوع الكتاب إلى شخص مؤلفه.

كتاب "في الشعر الجاهلي" شكك في بعض تفاسير القرآن التي استندت إلى الشعر المنسوب لشعراء جاهليين، بينما كان "الإسلام وأصول الحكم" كتاباً سياسيّاً، يهدف إلى "نزع القداسة" عن سعي الملك فؤاد الأول إلى خلافة المسلمين

فقد أورد تقرير نشرته وكالة رويترز في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2009، في تغطيته لندوة عقدتها مكتبة الإسكندرية تحت عنوان "في الفكر النهضوي الإسلامي"، قول الدكتور محمد عمارة إن "الكتاب (شركة) بين طه حسين وعلي عبد الرازق"، وقال إن "هناك عدة قرائن على أن عبد الرازق ليس مؤلفاً للكتاب، منها قول طه حسين إنه قرأ مسودته ثلاث مرات وأضاف إليه وحذف منه وهذا كافٍ لإثبات أن عبد الرازق ليس وحده مؤلف الكتاب".

هذا الادعاء دحضه الدكتور عمار علي حسن في ورقته للندوة نفسها، أكد فيها أنه "من الصعب -إنْ لم يكن من المستحيل- أن يكون طه حسين هو المؤلف الحقيقي، لأسباب منها أن الأسلوب أو بنية الجملة في الكتاب تختلف تماماً عن أسلوب حسين الذي كان يحمل سمات شفاهية ظاهرة، نظراً لأنه كان يملي كتبه ولا يخطها... وهذه مسألة لا نعثر عليها إطلاقاً في طريقة وأسلوب علي عبد الرازق الذي نألفه في كتبه وأبحاثه الأخرى".

وأضاف حسن "أن طه حسين الذي كان معروفاً بالشجاعة والاعتداد بالرأي لم يكن بحاجة إلى التخفي وراء أحد ليطلق أفكاره، وفي الوقت نفسه كان عبد الرازق مكتمل القيمة والقامة الفكرية، معتدّاً برأيه، ولم يكن يقبل أن يكتب له أحد أو ينتحل ما أنتجه غيره من معرفة وأفكار".

وبغض النظر عن أن "قراءة مسودة" أي كتاب، وإثبات بعض الملاحظات التي يرى صاحبها أنها تستوجب التعديل، لا تُعدُّ "شراكة" في التأليف، فهذا الأمر يفعله معظم الكتاب في ما بينهم، فإن هذا الرأي ينطوي على تربُّص قَصد تحريف المعنى للإيهام بأمرين: الأول أن علي عبد الرازق ليس كفؤاً وحده لتأليف الكتب، رغم أنه حاضر في طلبة الدكتوراه في جامعة القاهرة عشرين عاماً في مصادر الفقه الإسلامي، وله عدد من الكتب، منها: "أمالي علي عبد الرازق"، "الإجماع في الشريعة الإسلامية"، "من آثار مصطفى عبد الرازق"؛ والثاني أن هناك "شلة" أو "جماعة منظمة" تعمل بشكل متساند ومتكاتف هدفها الإضرار بالإسلام.

واختيار طه حسين جاء على أرضية مناكفاته العلمية المعلنة في موضوع التراث، حيث معروفٌ أنه لا يقبل كل ما جاء فيه، وقد عرَّضه ذلك للأذى أثناء دراسته في الأزهر، وامتنعت المشيخة عن إعطائه شهادة العالمية، مما جعله يذهب إلى الجامعة الأهلية حين افتتحت عام 1908 ليحصل على الشهادة منها.

الدفاع عن النقيضين!

ثمة اختلافات بين الليبراليين أنفسهم في هذه الفترة حول قيمة "الإسلام وأصول الحكم" باعتبار أنه لم يأتِ بجديد، بل ساهم في ترسيخ بعض الأمور العقدية المختلف حولها انطلاقاً من معارضته للخلافة.

ولكن -إضافة إلى أن هذا ليس مهمّاً في هذا المقام- فإن ما أردت التعرض له هو التداخل بين السياسي والديني لدى المشتغلين بالدين أنفسهم، وكيف يقبلون أن يكونوا أداة الحاكم في البطش بخصومه السياسيين متى أراد منهم القيام بهذا الدور، إضافة إلى تبدل المواقف والدفاع عنها بأسانيد من التراث -ومن النصوص نفسها- رغم تعارض هذه المواقف!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard