"آخر النهضويين"... مشروع طه حسين لبناء حياة ديمقراطية سليمة

الأربعاء 27 أكتوبر 202111:33 ص

مثّل سقوط مصر في قبضة الاحتلال الإنكليزي عام 1882 بداية دخول مصر حالة من الموت السياسي. حينذاك، وفي 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889، وُلد في عزبة الكيلو، في مركز مغاغة، في محافظة المنيا في صعيد مصر، طه حسين علي سلامة، الطفل الذي أصيب بالعمى في الرابعة من عمره.

قُدّر لهذا الطفل أن يكون أحد أبرز رموز الفكر المصري وأحد بناة مصر الحديثة. فمنذ وصوله إلى القاهرة، عام 1902، للدراسة في جامعة الأزهر ثم التحاقه بالجامعة الجديدة (جامعة فؤاد الأول)، عام 1908، بدا طه حسين كصورة مصغرة تعبّر عن المجتمع المصري وتغيّراته في فترة حاسمة من تاريخه، وهي النصف الأول من القرن العشرين.

نضال من أجل السيادة

بعد دخولهم مصر، بمباركة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وتواطؤ الخديوي توفيق، سعى الإنكليز إلى إبقاء الاحتلال البريطاني لمصر، وذلك باتخاذ إجراءات سريعة تشلّ الاستقلال النسبي الذي تمتعت به البلاد بمنأى عن السلطنة العثمانية، وتجعل من المندوب السامي، لورد دوفرين حينها، حاكم البلاد غير المُتوّج.

فبعد ستة أيام من معركة التل الكبير التي انهارت فيها قوات أحمد عُرابي، قائد أول ثورة عربية ضد النفوذ الأجنبي، حُلّ الجيش المصري وسُرّح جنوده وحوكم ضباطه وعُيّنت قيادة بريطانية له بمرسوم من الخديوي توفيق، كما أحيطت القاهرة بقوات بريطانية.

شهد العقد الأول من دخول الإنكليز ضعف المقاومة الشعبية للاحتلال، نتيجة تشتيت الحركة الوطنية، إما بسجن رموزها أو بنفيهم. يشرح جاك بيرك في كتابه "الاستعمار في مصر والثورة"، أن مصر لم تشهد في تلك الفترة معارضة سياسية منظمة للاحتلال، لكن كان هنالك اعتراض شعبي بين الفلاحين وسكان المدن ينتظر ظهور زعيم يحمله.

لاحقاً، قويت شوكة المقاومة بجهود الرموز الوطنية، كمصطفى كامل الذي أسس الحزب الوطني عام 1907، داعياً إلى الاستقلال، ومتقارباً مع العثمانيين، وسعد زغلول الذي أخذ في قيادة الحركة السياسية.

كما لعبت الممارسات الإنكليزية دوراً رئيسياً في تهييج المصريين ضدّهم، وقد تجلت في فرض الحماية البريطانية على مصر في كانون الأول/ ديسمبر 1914، كإعلان دولي بالسيطرة الكاملة على مصر، عقب إعلان الحرب العالمية الأولى. وتزامن ذلك مع استرداد المصريين الوعي بالقضية الوطنية، وحقهم في الحرية والمطالبة بالدستور، وحرية الصحافة، وتوالي تأسيس الأحزاب، وهو ما مهد الطريق أمام ثورة شعبية في 1919.

التعليم قاطرة النهضة

قامت ثورة 19 بتغييرات سياسية واجتماعية عدة، أهمها صدور تصريح 28 شباط/ فبراير 1922 من الإنكليز، والذي منح مصر استقلالاً جزئياً، إذ أقرّ دستور 1923، كما انتُخب برلمان 1924، وتحوّلت مصر من سلطنة إلى مملكة، وأعيد لها التمثيل الدبلوماسي الذي ألغي بإعلان الحماية عام 1914. على وقع هذه المنجزات بدأ وعي طه حسين السياسي.

بينما كان الشارع المصري يغلي بفعل الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي، وطأت أقدام طه حسين القاهرة قادماً من فرنسا، عبر ميناء الإسكندرية، عام 1925، بعد دراسته للتاريخ في جامعة السوربون.

يقول حسين في مذكراته المعنونة بـ"الأيام" إنه عاد إلى وطنه "مؤمناً بالثورة التي نشبت فيه، ومؤمناً في الوقت نفسه بأن عبئاً خطيراً من أعباء هذه الثورة سيقع على العلماء والمثقفين من أبناء هذا الوطن، فهم قد عرفوا تجارب الأمم، وعرفوا حقائق العلم، واستطاعوا أن يميّزوا ما يمكن من الأمر وما لا يمكن، وهم القادرون على أن يقودوا الشعب إلى الخير، ويسلكوا به قصد السبيل، ويعصموه من التورط فيما تورطت فيه شعوب كثيرة فلم تجنِ منه إلا شراً".

اعتبر طه حسين قضية التعليم القاطرة الأساسية لإحداث نهضة حقيقية للبلاد ولطرد المستعمر الأجنبي، كما اعتبر أن التعليم يجب أن يكون متاحاً لجميع فئات الشعب، فقرر الانخراط، بشكل أكبر، في السياسة لتحقيق حلمه بإقرار مجانية التعليم كمشروع شامل للنهضة.

كان طه حسين يرى أن هنالك حاجة إلى مشروع شامل لإنتاج المعرفة، لبناء نهضة مصرية عربية، مشروع يقوم على بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية حكومية قوية قادرة على خلق كوادر وطنية متعلمة منخرطة في الحركة السياسية

غرق حسين في السياسة إلى أذنيه، حسب تعبيره في "الأيام"، وذلك من خلال أحزاب مختلفة التوجهات والأفكار، كحزب الأمة بقيادة أحمد لطفي السيد، ثم الأحرار الدستوريين، وأخيراً الحزب القوي في السياسة المصرية، حزب الوفد، وذلك في أواسط الثلاثينيات.

الباحث المصري حسام أحمد، وهو باحث أعدّ رسالة الدكتوراه في قسم التاريخ عن طه حسين، وصدر له قبل أشهر كتاب "آخر النهضويين: طه حسين وبناء المؤسسات في مصر"، عن دار نشر جامعة ستانفورد، ويعمل حالياً أستاذاً مساعداً في التاريخ في جامعة ماينوث في أيرلندا، يقول لرصيف22: "من واقع دراستي لأعمال طه حسين كرجل سياسي وكرجل دولة، وجدتُ أن البرلمان ممثِّلاً للشعب المصري لعب دوراً محورياً في تشكيل مشروعه للثقافة والتعليم في مصر. فمع بداية الحياة البرلمانية عام 1924، تحمس طه حسين جداً للبرلمان واعتبره الضامن الرئيسي لحقوق الشعب المصري والوسيلة الوحيدة التي تمكّن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، كما كان يحب أن يقول".

ويوضح: "بعد انتهاء الإشراف البريطاني على شؤون التعليم في مصر، عقب تصريح 28 فبراير 1922، طالب طه حسين وزارة المعارف بعرض كافة المشاريع التعليمية والثقافية على البرلمان وطالب بشفافية كاملة في ما يخص هذه المشاريع ودورها والهدف منها وتكلفتها. ولتحقيق مشروعه لإنشاء نظام مصري متكامل لإنتاج المعرفة، انخرط طه حسين في العمل السياسي في سياقه البرلماني، واعتبر أن حزب الوفد هو الأقرب من اتجاهاته وأفكاره والأقدر على مساعدته في تنفيذ هذا المشروع".

من النظرية إلى التنفيذ

يرى أحمد أن طه حسين، موظف الدولة والرجل السياسي، لعب دوراً مهماً في تأسيس البنية التحتية الثقافية والتعليمية في مصر. يقول: "امتلكَ طه حسين رؤية واسعة لمشروع شامل لإنتاج المعرفة، كان يرى أنه ضروري لبناء أي نهضة مصرية عربية وأساسي لتحقيق استقلال فعلي لا اسمي للبلاد. هذا المشروع كان قائماً على بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية حكومية قوية قادرة على خلق كوادر وطنية متعلمة منخرطة في الحركة السياسية ومستندة إلى ثقافة واسعة راسخة في التراث العربي الإسلامي ومنفتحة على الأفكار الحديثة".

ويتابع أن حسين "كان يرى أن دور هذه المؤسسات، مثل الجامعات والمجمع اللغوي، هو توفير أحدث ما توصلت إليه النظم العلمية والأكاديمية الحديثة من حيث مناهج البحث والتدريس اللازمة من وجهه نظره لاشتباك نقدي وبنّاء مع الأفكار الحديثة ومع التراث القديم بمعناه الشامل، أي فقهياً ولغوياً وأدبياً وفلسفياً وتاريخياً، وذلك لفهم تاريخ مصر والتحديات التي تواجهها وتوفير الحلول اللازمة لمواجهة هذه التحديات".

"آمن المصلحون من أمثال طه حسين بإمكانية إحداث تغيير حقيقي للأفضل في حياة المصريين، ورأوا أن التركيز على آليات إنتاج المعرفة وإتاحتها للعموم ودعم الدولة لها هو الوسيلة الوحيدة لإنجاح العملية الديمقراطية ومواجهة الاستعمار"

وفي آب/ أغسطس 1936، وقّعت مصر مع بريطانيا "المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936"، والتي تنص في أبرز بنودها على إلغاء تصريح 28 شباط/ فبراير وتبعاته، وانتقال القوات البريطانية من المدن المصرية إلى قناة السويس، وعلى حق مصر في إلغاء الامتيازات الأجنبية، وإقامة المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية بشرط ألا تتعارض مع المعاهدة المشتركة، كما تركت بريطانيا لنفسها تسهيلات كبيرة تمكّنها من إبقاء مصر تحت السيطرة.

رغم الانتقادات العديدة التي وُجّهت إلى المعاهدة، فقد تلتها انفراجة سياسية مصحوبة بآمال الاستقلال التام. ففي العام التالي سوّد طه حسين أحد أهم كتبه، وهو "مستقبل الثقافة في مصر"، والذي نشره عام 1938، ويقول في مقدمته: "أغراني بإملاء هذا الكتاب أمران: أحدهما ما كان من إمضاء المعاهدة بيننا وبين الإنجليز في لندرة (لندن)، ومن إمضاء الاتفاق بيننا وبين أوروبا في منترو، ومن فوز مصر بجزءٍ عظيم من أملها في تحقيق استقلالها الخارجي وسيادتها الداخلية. وقد شعرتُ كما شعر غيري من المصريين، وكما شعر الشباب من المصريين خاصة، وإنْ باعَدَت السن بينهم وبيني، بأن مصر تبدأ عهداً جديداً من حياتها إنْ كسبت فيه بعض الحقوق، فإن عليها أن تنهض فيه بواجباتٍ خطيرة وتبعاتٍ ثقال".

في كتابه المذكور، صاغ طه حسين رؤيته الشاملة للتعليم والثقافة في مصر، واعتبر أن تقدُّم الثقافة في مصر يتوقف على تقدم التعليم، هذا التقدم الذي ربطه بانتماء مصر إلى ثقافة حوض المتوسط عوضاً عن الثقافة الشرقية، كما اعتبر أيضاً أن التعليم حق للمواطن كالماء والهواء، ومن هنا جاءت حملته الشهيرة "الماء والهواء" في الأربعينيات لإقرار مجانية التعليم.

واجه المفكر المصري في مشواره لإقرار مجانية التعليم والممتد من منتصف العشرينيات وحتى أوائل الخمسينيات عراقيل سياسية وبيروقراطية عدة، تتمثل في الصراع بين الأحزاب السياسية وبينها وبين القصر، وكذلك المفاوضات اللانهائية مع الاحتلال الإنكليزي، كما أن الحكومات المتعاقبة كانت تعتبر أن قضية الاستقلال أولى من القضايا الداخلية ومنها التعليم.

لم يكتفِ أحمد في رسالته عن طه حسين بالكتب والدراسات المنشورة، بل عمد إلى البحث في مصادر رسمية من دار الوثائق القومية وأرشيف كلية الآداب في جامعة القاهرة وأرشيف وزارة التعليم وأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، كما حظي بمقابلة أسرة طه حسين، الوثائق والتقارير التي كشفت عن طبيعة نظام التعليم المصري والمسؤوليات والمشاريع التي تولاها حسين.

يوضح أحمد: "دراسة هذه الوثائق فتحت لي نافذة واسعة على لحظة من تاريخ مصر الحديث آمن فيها المصلحون من أمثال طه حسين بإمكانية إحداث تغيير حقيقي للأفضل في حياة المصريين، ورأوا أن التركيز على آليات إنتاج المعرفة وإتاحتها لعموم المصريين ودعم الدولة لها هو الوسيلة الوحيدة لإنجاح العملية الديمقراطية ومواجهة الاستعمار. فعلى سبيل المثال، تحتوي دار الوثائق القومية على محاضر الاجتماعات والقرارات التي توضح الخطوات التدريجية التي اتّبعتها الوزارات الوفدية المتعاقبة من أوائل الأربعينيات في القرن العشرين لإقرار التعليم المجاني".

ويتابع: "تشرح هذه الوثائق العقبات البيروقراطية والمالية التي واجهت هذه الإصلاحات، وكيف قام مسؤولون مثل طه حسين ونجيب الهلالي بتوظيف الضغط الشعبي، ممثَّلاً في طلبات الأهالي المتزايدة للحصول على إعفاءات من المصاريف المدرسية، لتبرير زيادة التمويل الحكومي للمنح الدراسية والتمهيد بذكاء لإقرار التعليم المجاني".

نجح حسين أخيراً في مشروعه لإقرار مجانية التعليم، فقد شغل منصب المستشار الفني لوزير المعارف الوفدي نجيب الهلالي (1942-1944)، ونجح معه في دفع الحكومة إلى التصديق على مجانية التعليم للمرحلة الأولى، الابتدائي والإعدادي، للعام الدراسي (1943-1944)، وفي 12 كانون الثاني/ يناير 1950 صدر مرسوم ملكي يقضي بتعيين طه حسين وزيراً للمعارف في حكومة مصطفى النحاس الوفدية الأخيرة، واشترط حسين قبول الوزارة باستكمال تطبيق قرار مجانية التعليم ليشمل التعليم الثانوي والفني، وهو ما أُقرّ قبل عامين من تموز/ يوليو 52، تاريخ "ثورة الضباط الأحرار".

قراءة نقدية للتراث

لم يكتفِ حسين في مشروعه الثقافي بمشروع إقرار مجانية التعليم، بل عمد في كتاباته إلى تغذية الحس النقدي في مختلف القضايا الأدبية والتاريخية والاجتماعية التي كتب فيها، وتجلى ذلك في أحد أشهر كتبه وهو "في الشعر الجاهلي"، والذي حاول فيه حسين اعتماد منهج علمي مستمَد من مذهب الشك الديكارتي، لدراسة التراث العربي. ويقول عنه: "والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرّد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع البحث خالي الذهن عما قيل فيه خلوّاً تامّاً".

الكتاب الذي أصدره حسين هو عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها على طلبة الجامعة المصرية عام 1925، ثم جمعها بين دفتي كتاب ونشرها عام 1926، وجاء -من ضمن ما فيه- تشكيكه في حقيقة الشعر الجاهلي وفي وجود النبيين إبراهيم وإسماعيل. كتب: "للتوراة أن تحدّثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".

هذه العبارات ما لبثت أن أثارت معركة أدبية ودينية تحت غطاء سياسي، وحوكم حسين بتهمة الطعن في العقيدة، وفُصل من وظيفته كأستاذ في كلية الآداب، قبل أن تتم تبرأته "لعدم توافر القصد الجنائي"، ليعود عميداً لكلية الآداب، ولكنه اضطر تحت ضغط دعاوى التكفير إلى تنقيح كتابه بحذف الفصول الأربعة التي أثارت المحافظين، وإعادة طبع الكتاب تحت عنوان "في الأدب الجاهلي".

عن ذلك يقول أحمد: "كتاب في الشعر الجاهلي لم يكن الهدف منه إطلاقاً النيل من المقدسات أو الانتقاص منها، ولكنه كان في الأساس عبارة عن محاضرات موجهة إلى طلبة الجامعة المصرية الجديدة حاول فيها طه حسين رسم منهج جديد لدراسة التراث أو أي موضوع بحثي آخر، وهو المنهج النقدي الذي يشتبك مع المسلّمات ولا يقبل بها دون دراسة وبحث وتمحيص. فالهدف الرئيسي من الكتاب كان الدفاع عن حق الجامعة الجديدة وباحثيها في حرية تحليل ودراسة النصوص دون التخوف من السلطات ورسم خط جديد لدراسة الماضي بالأسلوب العلمي المعتد به في الأوساط العلمية وقتها".

ويخلص أحمد إلى القول: "حاولتُ أن أفهم طه حسين وجيله من خلال السياق التاريخي الذي عاشوه وأنتجوا فيه، وليس من خلال ما جاء بعد ذلك. فمع العهد الناصري والحرب ضد الاستعمار واستحالة استمرار مشروع طه حسين المنفتح على القديم والحديث بأسلوب نقدي، تم تصنيف هؤلاء المفكرين كإسلاميين أو كتنويريين، كعلمانيين أو كتقليديين إلى آخره، وطه حسين من أهم أسيري هذه التصنيفات التي تحجب التداخل والتعقيد بل والتناقض أحياناً في فكره، كما تحول هذه التصنيفات بيننا وبين فهم سياق طه حسين التاريخي ورغبته المحمومة في توظيف المعرفة لمقاومة الاحتلال وبناء حياة ديمقراطية سليمة توفر للمصريات والمصريين حياة كريمة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard