أمي شيطانة وصديقتي ساحرة شريرة... ثلاث رحلات هلوسة "إل إس دي"

الخميس 2 ديسمبر 202102:07 م

تحولت إلى طفل مؤدب، وأنا شاب في بداية الثلاثينيات غير مؤدب، إلى الدرجة التي استأذنت فيها لدخول الحمام.

رأيت نفسي منذ أن كان عمري عامين ونصف، ومررت بكل المشاعر التي أتتني في كل مرحلة عمرية. صغيراً، وأنا لا أعبأ بشيء، وفتىً غاضباً كما كنت، ثم شاب منطوٍ وعنيف، المشاعر مكثفة للغاية وتعبر عني، إنها المرة الأولى التي أتناول فيها عقار الهلوسة إل إس دي.

بعدها عدت لصديق جلستنا، رأيت صورة الشيطان على وجهه، قلت لنفسي: رغم إلحادي إلا أن صورة الشيطان المخيفة ما زالت في مخيلتي.

حين رأيته على وجه صديقي، أتاني فيض من المشاعر الجميلة التي اختبرتها لأول مرة في حياتي، كان ينظر إلي ويبتسم، خفت مما يحدث حينها.

الشيطان، قبل هلوساتي كانت تجتاحني مشاعر الذنب لخروجي عن الدين، لكن بعد هذه التجربة لم أعد أشعر بالذنب أبداً، وبت أؤمن بأن كل ما تلقنته وآمنت به قد لا يكون صحيحاً من الأساس، والشيطان الذي رأيته كثيراً على وجوه أصدقائي وأحبائي قد يكون شخصاً صالحاً بالأساس.

لماذا أرى الشياطين؟

اختفت صورة أمي الحنون، الطيبة، ورأيتها شريرة، وشيطانية.

في هذا اليوم كنت في بلدتي، وكان معي تذكرة LSD، وقررت أن أتعاطاها، ثم بعد الفجر دخلت إلى المطبخ لإعداد فنجان من القهوة، كانت أمي مستيقظة لتعد الفطور لأخي. كنت هادئا للغاية، ومستمتعاً بإعداد فنجان القهوة.

حين قامت أمي بإشعال البوتاجاز، كانت النار مرتفعة للغاية، لم أرها إلا "شريرة"، واختفت فجأة الصورة الحانية التي شكلتها عنها. وحين نظرت في عيني لم أتحمل نظرتها، كنت أشعر كما لو أنها ستمسك بي وتقليني في النار، ثم خرجت من المطبخ سريعاً، وأنا مرتبك.

بعد هذه التجربة، بت أؤمن بأن كل ما تلقنته وآمنت به قد لا يكون صحيحاً من الأساس، والشيطان الذي رأيته كثيراً على وجوه أصدقائي وأمي قد يكون شخصاً صالحاً بالأساس

حبي الشديد لأمي جعلني حائراً، هل عليّ أن أشعر بالذنب؟ الأحاسيس التي أتتني حينها لم أستطع تجاهلها أبداً، وبت الآن كلما رأيت أمي أتذكر تلك المشاعر، ووجه الشيطان الذي رأيته.

خارج البيت، أردت في إحدى تريباتي أن أستمتع بنسمات الهواء في شوارع وسط القاهرة وقت الغروب، جلست على مقهى، ولم أكن أرغب في تناول أي شيء، فقط أريد أن أجلس وأراقب الشارع والمارة.

ولأنك لا تستطيع أن تجلس على المقهى دون أن تطلب مشروباً، فطلبت شاياً لكني لم أشربه، لاحظ ذلك صاحب المقهى، فظن أن هناك شيء خاطئ في إعداد الشاي، فأراد تعنيف صبي القهوة، ولم يقتنع أنني أريد فقط الجلوس، وظل يتناقش معي كثيراً في أمر كوب الشاي.

شعرت وكأن هناك برمجة عصبية اجتماعية تضمنا كلنا، ولا سبيل للخروج عنها، لن يفهمك أحد، حتى في التفاصيل التافهة، أن تجلس على مقهى بأي مقابل يريده صاحب المكان، فقط بلا أن تشرب شيئاً.

وذات "تريباية"، رأيت الناس في الشارع يمشون كالزومبي، شعرت كأنهم منساقون إلى الجحيم كالمنومين مغناطيسياً، حينها عهدتُ نفسي ألا أتناول العقار خارج حدود البيت، ولكن في الداخل كنت أرى الشيطان الكامن في كل صديق وحبيبة، بالمعنى المجازي والحرفي (وجوه بشعة، تحبها أحياناً وتخافها أحياناً أخرى)شعرت بأنانية صديق، ورأيت وجوهاً شيطانية مفزعة تتجلى على وجه صديقة قبل ممارسة الجنس معها، ورأيت الناس يمشون كالزومبي، وشعرت أنهم يسيرون في اتجاه واحد، إلى الجحيم كلهم.

قبل أول مرة أجرب فيها الـLSD، قال صديقي إذا تعاطيته سوف يتغير فيك شيء إلى الأبد. وستوضع في اختبار، سنكتشف مشاعرك الحقيقية تجاهنا.

بحثت عن كتب تتحدث عن العقار وتأثيره، فلفت نظري كلمات الباحث النفسي تيرينس ماكينا، في كتابه "The Archaic Revival" الصادر عام 1991، أن المخدرات المهلوسة مثل الإل إس دي، تعتبر غير قانونية ليس لأن الحكومة تشعر بالقلق من أنك قد تقفز من الطابق الثالث، لكنها تخشى من أن تضرب هياكل الرأي النمطية، وتفتح الباب أمام احتمال أن كل ما تم تلقينه لك، وكل ما تعرفه كان خطأً.

إذاً، فهل أنا شيطان وسط شياطين، أم أننا نشعر الحياة بطريقة تصنيف خاطئة، من يدري قد تكون تلك الوجوه الشيطانية التي رأيتها في وجه أمي وصديقتي وصديقي، هي التي تجسد الخير والحياة وليس العكس.

هلاوس تصالحنا على الحياة

على عكس المشاعر الشيطانية التي اختبرها محمد، الكاتب المشارك في كتابة المقال، حاولت فريدة رسم صورة درامية لما شعرت به عند تناولها الإل إس دي، الذي جربته منذ عام تقريباً.

"كأنك ترين نفسك تخرج في لحظة ما منك، وتسير وفق خيالات سبق لك إعدادها بعقلِك من قبل، ثم يحدث صراعاً بين ذاتك الحقيقية وتلك التي خرجت منكِ، ولا تدرين من منهن أنتِ".

استخدمت فريدة، تسكن في المعادي وتعمل بالتسويق، مرادفات كانت أبعد ما يمكن عن هذه الفتاة الهادئة، التي قد يظن والداها أنها غير موجودة، ويستدلون على حضورها من صوت اللاب توب أو خرفشة الحركة بحجرتها المليئة، بالكتب وصور نجوم فرقها الأجنبية المفضلين، مثل: Now United - One Direction- Fifth Harmony وغيرهم.

"يصعب وصف تأثير العقار بشكل مفهوم لشخص لم يحظ بتجربة مماثلة، سيصحبك في عالم من الخيال، أؤكد لك أنكِ ستحاولين البقاء فيه للأبد، وسيكون ملجأك كلما ضاقت بك الحياة".

جاءت نصيحة أحمد، صديق فريدة، كرياح الهواء المحفزة لشذرات فضولها على الاشتعال، لم تتردد مرتين في طلب العقار منه للغوص في مثل عوالمه الخيالية بنفسها، حتى لو كانت لها أضرار قادمة.

تحكي فريدة عن سبب رغبتها في تجربة LSD: "ترك خالي آثار اعتدائه الجنسي على روحي قبل جسدي، عبثه بي ومعي على مدار 4 أيام كنت فيها بعمر الثالثة عشر، لم أدرك وقتها ما الذي يفعله بالتحديد، دمر حياتي".

"أحطت حياتي بالأصدقاء من كل الأصناف، لكن الدائرة المقربة لي كانت مجموعة صاخبة، يغرقون أوقاتهم بعلاقات منفتحة، سافرت معهم خارج القاهرة بالأيام، تسكعنا على الشواطيء وأعجبت بالسهرات المليئة بالخمور والمخدرات، كانوا هم ملاذي، ووسيلة استخدمتها للانتقام من أمي، التي لم تصدق حديثي عن خالي، ونعتتني بالمنفلتة".

"إذن أنا منفلتة".

"إذن أنا منفلتة، فسأعمل بالكلمة، هذا ما قلته لنفسي".

"جربت كل أنواع المخدرات، بداية من سيجارة الحشيش، البانجو، والإكستاسي، الكراك، وغيرهم".

"كنت أنتقم من أسرتي في نفسي، انخرطت في علاقات جنسية شرهة، كلما شعرت بالذنب تذكرت صورة أمي التي لا تكترث لأمري، وأبي الذي لا يمانع من تخمة حسابي البنكي كل يوم، بينما يبني حاجزًا خرساني بيني وبينه، ولايعرف كيف يحضنني".

"يلقون الفلوس في وجهي كرشوة كلما سألتهم عن غيابهم من مسرح حياتي، فأصبحت سجينة غرفتي وأفكاري، لا أشعرهم بوجودي في المنزل كأني والعدم سواء".

تصف فريدة بداية تجربتها لـ"إل إس دي" بـ"الهروب الكبير".

"كأنك ترين نفسك تخرج في لحظة ما منك، وتسير وفق خيالات سبق لك إعدادها بعقلِك من قبل، ثم يحدث صراعاً بين ذاتك الحقيقية وتلك التي خرجت منكِ، ولا تدرين من منهن أنتِ"

"كنت في منزل صديقي أحمد، شعرت بأهمية وجوده، فهو الذي شجّعني عليه، وثانياً لضرورة وجود شخص واعٍ بالقرب من رحلة من يجرب العقار للمرة الأولى حتى يلحقه إن أصيب بضرر، أو شت خياله لأفكار جنونية كالقتل أو الانتحار".

"شعرت في البداية ببعض الدوار، والدخول في حالة أشبه بدوار البحر، تشوشت رؤيتي للمكان، بدا السقف أعلى مما عليه، أوسع، والحجرة الضيقة أكثر رحابة ولمعاناً".

" في لحظة فاصلة شعرت بأن نفسي تسير أمامي، تخرج من جسدي وأراها متجولة، كأنني أنا أراني أنا.. لا أعلم كيف أشرح هذه النقطة تحديدًا لكنها جوهر الرحلة".

على عكس محمد، لم تر فريدة صديقها شيطاناً، ولكن رأته نجمة، "ونفسي التي سارت أمامي تحاول مداعبتها، لم أعرف وقتها أن أحمد هو الذي تحول إلى نجمة بل رأيت نجمة لامعة حقيقية".

"مرة أخرى نظرت إلى السقف، رأيته سماء مفتوحة على مصراعيها، كنت أحاول التحليق بجسدي إليها، ولكن نفسي السائرة أمامي منعتني من ذلك".

"مرة أخرى لا يمكن شرح ما رأيته كما هو، فقط أحاول".

كلما أمسكت فريدة بعبارة لتبدأ في وصفها، تعود لتفلتها مجدداً من منتصفها ثم تكرر "يستحيل وصف الحالة بالضبط".

مزيج من النشوة والجنون والارتباك، والسعادة المؤلمة، هذا ما يمكن استخلاصه من حديث فريدة عن رحلتها الدراماتيكية في عالم المخدر.

غرفة واسعة وسقف عالٍ

كانت رحلة كاترين سوداوية بالمقارنة مع فريدة، كانت في البداية واعية بنفسها، لم تصفها بأنها خرجت منها كما قالت الأولى، بل على العكس، تقول: "شعرت بشيء ما يطبق على صدري، حاولت ملاحقة أنفاسي المتسارعة لكن دون جدوى، للحظات تغيبت تماماً عن الوعي، أصدقائي حينها أخبروني أن هذا لم يحدث، لكنني شعرت جيداً بهذا الغياب، كأنني أمسكت "ريموت كنترول" لإسكات كل أصوات البشر والأمكنة، حتى دقات ساعة يدي توقفت".

خرجت كاترين لتوها من تجربة حب فاشلة، تصفها بأنها الأكثر شراسة على حياتها، كادت تقضي عليها بالكامل، "تعرفت على ماجد منذ 5 أعوام، كان رومانسياً ورزيناً في بداية العلاقة، ثم مع الوقت تحول إلى آخر، هو مزيج بين الشخصية النرجسية مع الحدة، حيث تتطابق كل صفاته مع شروحات هذه الاضطرابات النفسية التي قرأت عنها الكثير، واستعنت بأطباء نفسيين في تشخيصه، أخبرني أحد المعالجين: أنتِ مع مشروع قاتل، وتدمرين نفسك".

"سلوك ماجد غير المفهوم وضعني طوال الوقت في خانة المذنبة، الملامة في أبسط الأشياء، كان عليَ توضيح وتفسير أي سلوك حتى العفوي، ما أفقدني مع الوقت ثقتي بنفسي، وحولني لإنسانة كئيبة".

بحثت كاترين عن تجربة جديدة تغيبها لبعض الوقت عن أفكارها السلبية حول ذاتها، وتلقيها بعالم من الأوهام والخيالات الأكثر رحابة من واقعها، لم تكن لديها علاقة بالمخدرات من قبل، ولم تعرف بالتحديد ما الذي تود تجربته، لكن أحاديث الأصدقاء عن LSD أثارت فضولها، ودفعتها للتفكير في تجربته حتى لمرة واحدة.

"جهزت عقلي لمحاولة استيعاب مساحات جديدة، وخيالات سترتطم برأسي بمجرد الانطلاق في الرحلة، كما أخبرني أصدقائي في رحلة قضيناها بدهب، مزجت بين السهرات الصاخبة وما تتركه موجات البحر من هدوء وسكينة أنستني لبعض الوقت انفصالي عن ماجد".

"رأيت احدى صديقاتي في زي الساحرة الشريرة".

"بعدما أفقت، أو ربما كنت لا أزال في هذا الغياب عن الوعي، رأيت احدى صديقاتي في زي الساحرة الشريرة، تقترب مني وتحاول ابتلاعي، قبضت بيدي على رقبتها، ثم أخبرني أصدقائي فيما بعد أنني كدت أقتل صديقتي الأقرب ناردين، لولا أبعدوني عنها".

تنقلت بين حالات من الهلوسة والجنون، ضحكت كما لم أضحك من قبل، وبكيت أيضًا بنفس القوة، لكن ثمة أمر إيجابي فيما بعد التجربة، أمسكت بعد ساعات من استيقاظي من الرحلة ورقة وقلم، ورسمت باحترافية شديدة تعجبت منها، فأنا خريجة كلية فنون جميلة عام 2006، وأبعدني عملي في التعليم عن الرسم، لكن رحلة المخدر فتحت بذهني آفاق إبداعية، ومساحات جعلتني أرسم البحر والطبيعة كما لو كنت لازلت طالبة متفوقة.

ورغم تأثير التجربة التي امتدت لأعوام في ذاكرة كل من فريدة وكاترين، واعترافهما بمساعدة العقار على خطواتهما الاستشفائية من حادثة اغتصاب الخال، واستنزاف المشاعر مع حبيب سابق، إلا أن كليهما رفضا تعاطيه مرة أخرى، تقول كاترين: "في حاجات زي الفرص.. مرة واحدة منها تكفي".

في الوقت الذي أحكمت فيه كاترين إغلاق الباب أمام العقار، نافية احتمالية تجربته مرة أخرى، تركت فريدة الباب موارباً أمامه قليلاً، هي ترفض تكرار الرحلة حتى لا تعتادها، وتفلت من يدها الواقع، ومع ذلك تقول: "من يدري... ربما أتراجع وأجربه مرة أخرى، لأرى خيالات جديدة تدفعني إلى التفكير في لطف الدنيا، وتصالحني مع حياتي بشكل عام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard