"العدالة_ليوسف"... اتهامات للبوليس بقتل شابٍ مغربي

الخميس 18 نوفمبر 202105:26 م

"بْغِيت حق ولدي يوسف"، هي صرخة أمٍّ مغربية وجهتها إلى الملك محمد السادس، بعد أن فقدت ابنها (21 عاماً)، إثر "مطاردة بوليسية"، بالمعنى الحرفي للعبارة، في شوارع الدار البيضاء، انتهت بمصرع الشاب العشريني. تريد الأم العدالة لابنها في الحادثة التي تعود إلى شهرين مضت، وتحوّلت قبل أيام إلى قضية رأي عام في المغرب، يطالب فيها المواطنون السلطات بـ"العدالة ليوسف"، في وسم انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

بدأت القصة في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2021، وتحكيها نورة والدة الشاب على الشكل التالي: "طارد ثلاثة عناصر من شرطة الدرّاجين، وسيارة سوداء، ابني، بسبب عدم ارتدائه الخوذة في أثناء قيادة دراجته النارية". لكن المطاردة لم تتوقف بـ"غرامة مالية"، كما ينصّ القانون، بل عمد أحد رجال الأمن، تضيف المتحدثة، إلى "قطع طريق ابني ومرافقه، وإسقاطهما أرضاً من دون رحمة، قبل أن يلتفّ حوله بقية العناصر الذين انهالوا عليه بالضرب والرفس"، وهو ما توثّقه كاميراتٌ في محيط المكان، حسب قول السيدة.

لم تخرج القضية إلى العلن طوال شهرين، وظلّت حادثة سيرٍ من دون تفاصيل، إلى أن كشف فصيل "كرين بويز" Green Boys لمشجعي نادي الرجاء المغربي، الذي ينتمي إليه الشاب يوسف، معطياتٍ حول ظروف الواقعة التي نقلتها وسائل الإعلام.

"بْغِيت حق ولدي يوسف"، هي صرخة أمٍّ مغربية وجهتها إلى الملك محمد السادس، بعد أن فقدت ابنها (21 عاماً)، إثر "مطاردة بوليسية"

ونشر الفصيل تسجيلاً صوتياً مع والدة يوسف، الاثنين 16 تشرين الثاني/ نوفمبر، مرفقاً بنصٍّ كُتب بلغات عدة، يعلن فيه عزمه اتّخاذ "خطوات تصعيدية لم يسبق للمغرب أن شهدها"، للحصول على "العدالة" لرفيقهم "الذي تُرِك مرمياً في الشارع مغطّى بالدماء".

وأثار التسجيل الصوتي سخطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تصدر وسما "العدالة ليوسف"، "وحق يوسف وإن دُفن"، التراند المغربي باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، كما انتشرت جداريات في شوارع مدينة الدار البيضاء تتهم الشرطة بقتل الشاب العشريني، وتطالب بالعدالة له، ولعائلته.


وكتبت المدوّنة مايسة سلامة الناجي، في تغريدةٍ على حسابها في تويتر: ‏"المطالبة بتحقيق العدالة ليوسف الذي صرّحت والدته بأنه قُتل على يد ثلاثة عناصر من الشرطة، بسبب امتناعه عن التوقف لهم، هو فرض عين على كل مواطن مغربي"، مضيفةً: "لقد شاهدنا خلال فترة الحجر الصحي كيف يمكن استعمال أزمة صحّية، ومفاهيم ضبط النظام، للتغوّل الأمني، والتسلّط على الرقاب، رقاب أفقر أبناء الشعب".

وغرّد الصحافي عماد إستيتو: "نريد الحقيقة والعدالة لعائلة يوسف. البوليس ماشي فوق القانون"، مشيراً إلى أن دور الشرطة هو "حفظ الأمن بالوسائل القانونية، وليس تعنيف المواطنين".

فيما كتب الناشط محمد عسلي مناشداً المتضامنين مع قضية يوسف: "لا يمكن أن تمرّ هذه القضية مرور الكرام، يلزم أن تخرج إلى أرض الوقع، ولا تظل حبيسة مواقع التواصل، اليوم خونا يوسف، وغداً تكون أنت، أو أنا ... تحرّكوا معنا".

تحرّك بأمر ملكي

حسب وسائل إعلام مغربية، فإن والدة الشاب القتيل أُبلِغت من طرف المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف حموشي، أن الملك محمد السادس استجاب لطلبها، وأنه، أي الحموشي، أمر بالتحقيق في الملف.


ونشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية التابعة للأمن الوطني، بياناً تعلن فيه "تعميق البحث في هذه القضية، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وذلك للوقوف على الظروف والملابسات الحقيقية المحيطة بهذه الحادثة، والكشف عن جميع تفاصيلها وخلفياتها".

وكشف البيان أن المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي، قد أعطى تعليماته للمصالح المركزية للأمن الوطني، بمتابعة الملف من الناحية الإدارية، "مع انتظار نتائج البحث القضائي الذي تعكف عليه حالياً الفرقة الوطنية (...) ليتسنى لها ترتيب الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة".

"لا يمكن أن تمرّ هذه القضية مرور الكرام، يلزم أن تخرج إلى أرض الوقع، ولا تظل حبيسة مواقع التواصل، اليوم خونا يوسف، وغداً تكون أنت، أو أنا ... تحرّكوا معنا". #العدالة_ليوسف

ويرى الناشط الحقوقي فؤاد هراجة، أن مديرية الأمن، "لم تجد بداً من تعميق البحث أمام ادّعاءات الأم، وفصيل المشجعين، والحملة الإلكترونية الواسعة"، متسائلاً: "ماذا لو لم تطالب أية حملة بالعدالة ليوسف؟ وماذا لو لم توجّه أم يوسف نداءاتٍ إلى أعلى سلطة في البلاد (الملك)؟ هل كانت المديرية العامة للأمن الوطني ستعيد فتح الملف؟"، مشيراً إلى أن المديرية "تعترف بتفاعلها مع المحتوى الرقمي على مواقع التواصل".

تساؤلات وشكوك تجول في ذهن هراجة، وربما يواجهها غيره من المواطنين المغاربة، منها أيضاً: "هل يجب على كل من تم الاعتداء عليه من طرف الأمن، أو رجال السلطة، أن يكون منخرطاً في تجمّعٍ، حتى يضمن عدم دفن قضيته؟"، وقال هراجة لرصيف22: "أنا كحقوقي، أتساءل كيف لم تعمّق النيابة العامة البحث في قضية أطرافها بين قتيلٍ وجريحٍ ومصاب؟".

وفي رأيه، تُعدّ "هذه الحوادث بمثابة ورقة توت تعرّي ممارسات العنف المنهجي التي ازدادت وتيرتها في فترة كورونا، وكأن حالة الطوارئ الصحية أعطت الضوء الأخضر للسلطات بأن تفعل ما تشاء تحت ذريعة الأمن الصحي".

وطالب الحقوقي المغربي السلطات بضرورة الوقوف على الملابسات الحقيقية للقضية، والكشف عن التفاصيل والخلفيات المتعلقة بالحادثة جميعها، ثم اتّباع المسطرة القضائية اللازمة، من أجل ترتيب الإجراءات القانونية، إن ثبتت قرائن على وجود جناية، "غير هذه الإجراءات"، ويضيف المتحدث: "سنكون أمام اللا عدالة، والتشجيع المستمر على استعمال العنف المفرط، وأمام تغوّل سافر لأجهزة الدولة".

لا حصانة للشرطي

عميد الأمن المتقاعد، محمد أكضيض، يقول لرصيف22، إن "رجل الأمن كيفما كان موقعه، ورتبته، يُعدّ آليةً لإنفاذ القانون، وهو يعمل تحت الرقابة الإدارية والقضائية، أي تحت إشراف النيابة العامة، ناهيك عن المذكرات الإدارية التي تؤطّر عمله على مدار حياته المهنية، بالإضافة إلى الاجتماعات المستمرة لتوضيح المستجدات والمتغيرات، وتأطير العمل الأمني، سواء أتعلّق الأمر بالتدبير الإداري والوقائي، أو العملياتي، في محاربة الجريمة".

ويتحدث أكضيض، عن توفّر المديرية العامة، التي تلتزم بالقوانين، سواء المنظِّمة للمهنة، أو المتعلقة بالحريات، والنظام العام، وحماية الأشخاص، "على نظام تأديبٍ إداري في القانون الخاص لرجال الأمن، ومجلس تأديبي ينظر في التجاوزات، بالإضافة إلى مفتشية عامة من أجل البحث الإداري".

وأشار إلى أنه في حال "تعلّق الأمر بخطأ جنائي، فإنه يخضع لبحثٍ قضائي تحت إشراف النيابة العامة، حسب نوع هذا الخطأ، جنايةً كان أو جنحة، وغالباً ما تتولى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية هذا البحث، ولنا أمثلة عدة خضع فيها غير مرة ضباطٌ ورجال أمنٍ للحراسة النظرية، وتم تقديمهم إلى القضاء الذي يحكم إما بالسجن، أو بالبراءة".

"لا توجد أي حصانة لرجل الأمن، مهما كانت رتبته، في حال ارتكابه الخطأ الجنائي". هذه هي الخلاصة حسب العميد السابق محمد أكضيض، الذي يضيف: "يعدّ القانون الخاص برجال الأمن هذه الأخطاء خطأً شخصياً لا مسؤولية للمديرية العامة للأمن الوطني فيه، بصفتها الجهة المشغّلة"، مشيراً إلى أن المدير العام للأمن الوطني الحالي، "لا يتوانى في التطبيق الحازم للقانون، بغض النظر عن مصدر الخطأ، لأن الشرطي سواء مع غيره أمام القانون".

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام نتائج التحقيق، تعود إلى أذهان المغاربة حوادث قتلٍ سابقة كان أطرافها مواطنين وعناصر من الشرطة أو الجيش، إما انتهت بتوقيف الجاني، كما في حادثة الدار البيضاء التي لقي فيها شاب وفتاة مصرعهما برصاص رجل أمن عام 2019، أو انتهت بتحميل المسؤولية لرفاق الضحية، كما في قصة "حياة" التي قضت برصاص البحرية الملكية، خلال محاولتها الهجرة إلى أوروبا عام 2018، أو استمر تضارب الأقوال حولها بين اتهام القتيل بمقاومة الشرطي، أو الأخير بقتل الأول بدم بارد، من دون أن يكون معنياً بالمطاردة، كما في حادثة مدينة سلا عام 2009.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard