كيف تُغذّي وسائلُ إعلامٍ اليمينَ المتطرف؟... اللاجئون على الحدود البولندية مثالاً

الخميس 18 نوفمبر 202102:24 م

"العدالة هي أن أركض مع حبيبتي، في أزقّة العالم، دون أن يسألني الحرّاس عن رقم هاتفي، أو هويتي الضائعة".

-رياض الصالح الحسين-

يقول الخبر على مواقع إعلامية عربية: "أزمة اللاجئين على حدود بولندا... لوكاشينكو يتوعّد أوروبا، وبوتين يدعو إلى التهدئة"، ويقول خبر ثانٍ: "مهاجرون يخترقون الحدود وسط الأزمة بين بولندا وبيلاروسيا"، وخبر آخر يقول: "أزمة الهجرة في أوروبا: بولندا تواجه محاولات جديدة من المهاجرين لخرق حدودها مع بيلاروسيا".

أمّا وسائل الإعلام الأوروبية، فتقول في أحد العناوين: "مهاجرون يخترقون الحدود مع بولندا"، وخبر ثانٍ يقول: "أزمة اللاجئين: الوضع على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا في تصاعد"، ويقول عنوان خبر آخر: "المواجهة الحدودية بين بيلاروسيا وبولندا تغذّي تدفّق المهاجرين، والخوف من أزمة جديدة في ألمانيا".

هذه عيّنة عشوائية من عناوين وسائل إعلامية كبيرة، تؤثر في الرأي العام، وفي مواقف السياسيين والحكومات، وتحكي عن لاجئين ولاجئات، معظمهم من الشرق الأوسط، عالقين على الحدود بين دولة بولندا التي تنتمي إلى منطقة "الشنغن" والاتحاد الأوروبي، ودولة بيلاروسيا الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي، والتي تشكّل بقيادة رئيسها ألكسندر لوكاشينكو، حليفاً رئيسياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

المهاجرون والمهاجرات ليسوا "سلاحاً" بين أيادي بوتين ولوكاشينكو، أو بيد أي أحد آخر، وتكرار هذه الكلمة في وسائل الإعلام طوال الوقت، لها نتائج سيئة ومؤذية بحق اللاجئين واللاجئات، وبحق قوانين حقوق الإنسان التي أقرّها الأوروبيون أنفسهم، بعد الحرب العالمية الثانية

بغضّ النظر عن تفاصيل ما حدث، وتسهيل بيلاروسيا، ومن خلفها روسيا، وصول لاجئين ولاجئات من دول سوريا، والعراق، واليمن، وغيرها، إلى حدود الاتحاد الأوروبي، للضغط على الاتحاد، ولأهداف سياسية اقتصادية تخصّها، وبغض النظر عن تعامل دول الاتحاد الأوروبي غير الإنساني مع ما يحدث، وعدم سماحهم للّاجئين واللاجئات بالدخول إلى دول الاتحاد، وكأنّ العالقين على الحدود ليسوا بشراً من لحمٍ ودمٍ وذكريات، فإنّ تعامل بعض وسائل الإعلام، هو جزء من مشكلة التطرّف التي تجتاح العالم.

المشكلة في مصطلحات مثل "أزمة اللاجئين"، و"أزمة الهجرة"، و"خرق الحدود"... إلخ، أنّها توصّف طالبي لجوء هاربين من حروبٍ، أو فقرٍ، أو بحثاً عن حياة أفضل، بـ"المشكلة"، و"الأزمة"، ووضع هذه الكلمات في عناوين جذّابة برّاقة يحبّها ناخبو الأحزاب اليمينية، ومريدوهم من كارهي اللاجئين.

كأنّ العالقين على الحدود ليسوا بشراً من لحمٍ ودمٍ وذكريات.

بيلاروسيا، ومن خلفها روسيا كما صرنا جميعاً نعرف، لا "تستغلّ اللاجئين"، بل تستغل السياسات الأوروبية الفاشلة، والعنصرية في كثيرٍ من الأحيان، وأقصد السياسات المتعلّقة بالهجرة واللجوء، السياسات التي تخاف من مئات (أو بضعة آلاف) من المهاجرين الذين يموتون من البرد في غابات تقع على حدود دول الاتحاد الأوروبي (حتى الآن مات عدد من اللاجئين برداً، والعدد النهائي للوفيات غير معروف)، أو غرقاً في البحر الأبيض المتوسط الذي امتلأ قاعه بجثث المهاجرين الباحثين عن فرصة حياة في "الجنّة الأوروبية"، أو في الغابات التي تفصل تركيا عن بلغاريا، أو في طريق دول البلقان، أو في غابات اليونان.

ما تروّجه وسائل الإعلام، عن قصد أو عن غير قصد، عن خطر اللاجئين، والأزمات التي يسببونها، وعن كونهم "سلاحاً" في يد هذا الديكتاتور أو ذاك، وتكرار هذه الكلمات بشكل متواتر، يؤدي في النهاية إلى تأكيد "خطر" أولئك "الغرباء" الذين "يغزون" بلاداً أوروبية لطيفة، ويأخذون نقودهم كمساعدات، من دون أن يعملوا، ومن دون أن يندمجوا في المجتمع، وفوق ذلك يجلبون معهم مشكلاتهم وتخلّفهم وهمجيتهم. هذا جلّ ما يريده اليمين المتطرف الذي يريد توسيع قاعدته الشعبية، عن طريق جلب الأوروبيين الخائفين من اللاجئين إلى صفّه.

أولئك الهاربون من جحيم بلادهم، ليسوا "سلاحاً"، بل هم باحثون عن حياة تشبه الحياة، وهم لاجئون هاربون من الموت والفقر، وليسوا "أزمةً"، لأنّ موارد العالم تكفينا جميعاً، وتزيد

المهاجرون والمهاجرات ليسوا "سلاحاً" بين أيادي بوتين ولوكاشينكو، أو بيد أي أحد آخر، وتكرار هذه الكلمة في وسائل الإعلام طوال الوقت، لها نتائج سيئة ومؤذية بحق اللاجئين واللاجئات، وبحق قوانين حقوق الإنسان التي أقرّها الأوروبيون أنفسهم، بعد الحرب العالمية الثانية.

أولئك المهاجرون والمهاجرات، الذين يلتحفون برد الحدود الأوروبية، ويذيبون ثلوجها بحرارة أجسادهم، وقعوا في فخاخ سياسيين قذرين لا همّ لهم سوى مصالحهم وأهدافهم وأيديولوجياتهم، وليمت من يمت طالما لا يؤثر هذا على قوّتهم ومكانتهم.

وحيداتٌ ووحيدون، أولئك البشر العالقون على حدود مصطنعة تتغير بشكل مستمر، لا نستطيع فعل شيء من أجلهم، ونحن مثلهم لا حول لنا ولا قوة، ومن يستطيع فعل شيء هم سياسيون وعسكريون لا يهمهم من أمر أولئك شيء، وفوق هذا كله، تأتي وسائل إعلام وتنعتهم بصفات ليست منهم في شيء.

أولئك الهاربون من جحيم بلادهم، ليسوا "سلاحاً"، بل هم باحثون عن حياة تشبه الحياة، وهم لاجئون هاربون من الموت والفقر، وليسوا "أزمةً"، لأنّ موارد العالم تكفينا جميعاً، وتزيد. لكن طمع فئة قليلة تخاف من أن تهتز سويّة حياتها قليلاً، وجشعها، يجعلان بضعة آلاف من اللاجئين "أزمةً".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard