"من الموت إلى الجحيم"... لاجئون من غزّة إلى اليونان يروون تفاصيل رحلتهم القاسية

الأحد 5 مايو 201905:15 م
Read in English:

‘From death to hell’: refugees fleeing from Gaza to Greece recount details of their brutal journey

ثلاث ساعات في الظلام الموحش عاشها الشاب الفلسطيني سفيان ناصر (23 عاماً) برفقة حوالي عشرين شخصاً. في تلك الليلة لم يكن أنيسهم إلا صوت تلاطم أمواج البحر بقاربهم المطاطي الصغير الذي استقلوه لقطع طريقٍ ظنّوا أنّ نهايته ستكون باباً يعبرون من خلاله نحو حياة أفضل بعدما ضاقت عليهم بلادهم.

الشاب ناصر، من سكان المنطقة الشمالية في قطاع غزّة، كان من بين آلاف الشباب الذين سلكوا مؤخراً طرقاً غير شرعية للهجرة نحو الدول الأوروبية، هاربين من الحرب ومن الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يعيشها القطاع منذ عدّة سنوات، بفعل ظروف الاحتلال والحصار والانقسام.

في 17 أكتوبر 2018، وصل الشاب ومَن معه في نهاية رحلتهم البحرية التي انطلقت من شواطئ مدينة أزمير التركية إلى إحدى الجزر اليونانية، لتبدأ هناك قصة جديدة، تمنى لو أنّ الموت أدركه قبل أن تُقدَّر له شهادة فصولها.

"معاملة لا إنسانية"

يقول ناصر لرصيف22: "ألقت الشرطة اليونانية القبض علينا فور اقترابنا من مراكبها، وقادتنا نحو معسكر اللجوء في جزيرة ليروس، وهناك شاهدت مئات الأشخاص يعيشون في مكان ناء يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة البشرية"، ويضيف: "الاغتصاب والقتل والترهيب والعنصرية تمارَس يومياً بحق اللاجئين من قِبل المواطنين اليونانيين والشرطة تغضّ النظر".

يوضح أنّ التجمعات التي يقطنها اللاجئون لا تحوي إلا خياماً قماشية يُزجّ فيها الأفراد، بدون مراعاة للأطفال أو المرضى أو النساء، في أوضاع مزرية لا يسلمون فيها من حر الصيف أو برد الشتاء.

ويروي أنّهم يتفاجأون بين وقت وآخر بمداهمة الشرطة اليونانية للخيام، واعتدائها على المهاجرين أثناء النوم، الأمر الذي يوقع إصابات بينهم ويتم نقل المصابين إلى المستشفيات.

يرسل اللاجئون الغزّيون المحتجزون حالياً في اليونان صوراً إلى أهلهم في القطاع تشير إلى أنهم يعيشون بخير وأن حالهم أفضل من السابق، لطمأنتهم. ولكن الحقيقة مختلفة تماماً. "حاول بعض الشباب الانتحار أكثر من مرّة للتعبير عن رفضهم لما يعانون منه"، يقول ناصر.

وكانت منظمة العفو الدولية قد ذكرت أنّ آلاف اللاجئين في اليونان عالقون في الجزر، ويعيشون في أوضاع مروعة وصعبة للغاية، ولفتت إلى أنّ العديد من النساء اللاجئات يتعرّضن للمضايقة اللفظية في المخيمات، ويواجهنّ العنف الجنسي، والعنف القائم على أساس النوع، مشيرةً إلى وجود العديد من حالات الموت بين المهاجرين لا يتم التحقيق في أسبابها.

تفاصيل الوصول

الشاب يزيد أدهم (28 عاماً) حكايته مشابهة. الظروف ذاتها دفعته نحو الهجرة غير الشرعية في مايو 2017، لينطلق من معبر رفح نحو القاهرة بعدما دفع ثمن تنسيق عبور بلغ ألف دولار، ومن هنالك ركب الطائرة لأول مرّة في حياته متجهاً إلى تركيا، حيث بقي شهراً كاملاً ينتظر اتصال المهرّب الذي اتفق معه مسبقاً على نقله من شواطئ مدينة أزمير التركية إلى الجزر اليونانية مقابل 1500 يورو.

على متنِ قاربٍ مطاطي، يفتقر لأيّة أدوات للسلامة البحرية وغير مجهز للتعامل مع أيّة صعوبات طبيعية، انطلقت الرحلة التي أقلّت 34 شخصاً. يقول يزيد لرصيف22: "بعد أن قطعنا ربع الطريق تقريباً، كان مركب آخر ينتظر وسط البحر، وتفاجأنا بالمهرب يخبرنا بأنّ دوره انتهى هنا".

ويتابع: "شعرت بأنّ حياتي انتهت، فمعظم مَن هم على القارب نساءٌ وأطفال سوريون ويمنيون إضافة إلى ثمانية شباب من غزّة"، موضحاً أنّ الدموع في عيونهم كانت كافية لشرح حالة اليأس التي عاشوها في تلك اللحظة، ويضيف: "استجمعت قواي النفسية وطلبت المساندة من بعضهم وأعدنا تشغيل مولّد القارب، ومضينا في الطريق".

تجاوز المركب أخيراً المياه الإقليمية التركية ولاقى دوريات خفر السواحل اليوناني. اقتيدوا إلى جزيرة "كامب" المخصصة لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين، وهنالك استقبلتهم قوات حرس الحدود وأجرت معهم تحقيقات أولية سألتهم فيها عن أسباب لجوئهم إلى هذا المكان، ثم قدّمت لهم أربعة خيام قماشية ليسكنوا فيها.

عن الحياة التي يواجهها خلال عيشه هناك، يتحدث يزيد ويقول: "الحياة هنا ليست سهلة، والتفاصيل مفجعة. نحن هربنا من الموت إلى الجحيم. ساعات طويلة نقضيها في انتظار وجبة الطعام، وأحياناً يتم إعلامنا من قِبَل الشرطة بأنّ الأكل نفذ وهم غير مضطرين لجلب المزيد".

ويضيف: "حتّى لو تحصّلنا على الوجبة، فهي في أحسن الحالات عبارة عن حفنةٍ من الأرزّ أو الخبز الجاف، أو بعض المعلبات"، لافتاً إلى أن الجزيرة التي يسكنها يعيش عليها حالياً 1700 شخص، بينما هي في الأصل لا تستوعب إلا 500 فقط.

وأشار استطلاعٍ للرأي صدر في يوليو 2018 عن مركز الدراسات وقياس الرأي العام في جامعة الأقصى في غزة، إلى أنّ نحو 52% من الشباب في القطاع يفضلون الهجرة خارج البلاد لأسباب سياسية واقتصادية. وأفاد استطلاع آخر أجراه مركز الإحصاء الفلسطيني بأنّ نسبة البطالة بين الشباب في قطاع غزّة ارتفعت عام 2018 إلى حوالي 61%.

قيود تركية واعتقالات

قصة مختلفة يروي تفاصيلها الشاب إياد سامر (32 عاماً)، لرصيف22. اتخذ الشاب قرار الهجرة إلى اليونان برفقة ثلاثة من أصدقائه في بداية 2018، وتمكنوا من الوصول إلى إسطنبول ليمكثوا هناك أسبوعاً قضوا أيامه في التواصل مع مهربين من جنسيات مختلفة، محاولين مفاوضتهم للحصول على تخفيض في المبلغ الذي سيدفعونه مقابل تهريبهم إلى الجزر اليونانية.

أخيراً، اتفق الشباب الأربعة القادمون من مناطق متفرقة في قطاع غزّة، مع مهربٍ من أصل باكستاني تواصلوا معه عبر "الواتس أب"، على دفع مبلغ 5000 يورو مقابل السماح لهم بصعود المركب المطاطي.

يقول إياد: "أخبرنا أن موعد الرحلة سيكون بتاريخ 14 فبراير 2019، وفعلاً كنا نحن الأربعة على الموعد في المكان المتفق عليه، لنتفاجأ بقوة من الأمن التركي تداهم المكان، وتعتقل بعض الموجودين كنت من بينهم أنا وأحد أصدقائي، فيما نجح الآخران في الفرار".

ويتابع: "تمّ اعتقالنا لمدّة 15 يوماً في السجون التركية، وبعدها تمّ ترحيلنا إلى القاهرة ومنها إلى غزّة مرّة أخرى، فيما نجح صديقاي الآخران في محاولةٍ ثانية للهجرة غير الشرعية وتمكنّا من الوصول إلى الجزر اليونانية في بداية أبريل"، منوهاً إلى أنّه خسر شخصياً في رحلته نحو 2000 دولار، مبدياً أسفه على حال عائلته التي استدانت من الأقارب المال اللازم لسفره، أملاً في أن يحقق ابنها مُراده ويصل إلى برٍ آمن ويعيش حياة أفضل ويساعدها.

يرسل اللاجئون الغزّيون المحتجزون حالياً في اليونان صوراً إلى أهلهم في القطاع تشير إلى أنهم يعيشون بخير، لطمأنتهم. ولكن الحقيقة مختلفة، فقد "حاول بعض الشباب الانتحار أكثر من مرّة للتعبير عن رفضهم لما يعانون منه"
سفيان ناصر كان من بين آلاف الشباب الذين سلكوا مؤخراً طرقاً غير شرعية للهجرة من قطاع غزة نحو الدول الأوروبية، هرباً من الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية الصعبة... تفاصل هذه الرحلات المحفوفة بالموت

وكان الاتحاد الأوروبي قد توصّل إلى اتفاق مع تركيا، عام 2016، نص على ضرورة تشديد الأخيرة إجراءاتها الحدودية مقابل الحصول على مساعدات مالية لدعم اللاجئين الذين تستضيفهم على أراضيها. ووفقاً لوزارة الداخلية التركية، تم احتجاز حوالي 265 ألف مهاجر غير شرعي في تركيا، عام 2018.

وبين فترة وأخرى، تتوارد أنباء تفيد بوجود حالات غرق وموت في صفوف المهاجرين الفلسطينيين الذين يقطعون البحر من أجل الوصول إلى اليونان، ولعل آخر تلك الحالات كانت حالة الشاب حسام أبو سيدو (23 عاماً)، من أبناء وسط مدينة غزّة، ولقي مصرعه قبل ثلاثة أشهر على مقربة من شاطئ جزيرة "فارمكونسي" اليونانية، بعدما أجبره قبطان المركب ومَن معه على النزول وإكمال الطريق سباحةً، الأمر الذي عرضّه ومجموعة آخرين من جنسيات متعددة للغرق، وفقاً لما رواه مصدر من العائلة لرصيف22.

"إلى منتصف الطريق فقط"

تواصل رصيف22 مع مهرّب من أصل عراقي يُدعى (ع. هـ.) مقيم حالياً في تركيا، ويتصيّد عبر مجموعات على فيسبوك الراغبين بالهجرة، ويُقدّم لهم عروضاً يدّعي أنّها تنافسية من حيث السعر ونسبة الأمان.

يقول إنّ مهمته كمهرب تتلخص في توفير المركب المطاطي، ومرافقة اللاجئين حتى منتصف الطريق، وبعدها يعود على متن قارب آخر إلى الشواطئ التركية، ويترك المهاجرين وحدهم يواجهون الطريق والبحر".

ويضيف: "في السنوات الأخيرة، زادت ملاحقة السلطات التركية لنا كمهربين، وصار علمنا يتم في الخفاء بعد أن كان في وقتٍ من الأوقات يتم في الميادين العامّة في إسطنبول، أمام عيون الشرطة".

ويروي أنّ الشخص الواحد يدفع مبلغاً لا يقل عن 1500 يورو مقابل صعود مركبه، وفي حال كان الأفراد مجموعة يحصلون على تخفيض ليصل مبلغ كلّ فرد منهم إلى 1000 يورو، لافتاً إلى أنّ المهربين في تركيا هم غالباً جزء من شبكات عالمية، ويدلل على هذا بقوله: "لدي مندوبون يُسيّرون رحلات تهريب من الجزائر ودول إفريقية أخرى".

وعن الغزيين، يبيّن أنّ تركيا تُعطي امتيازاً في الدخول لهم، ما يجعلها الطريق الأنسب أمامهم إذا ما رغبوا بالهرب إلى أوروبا من أجل الحصول على لجوء، ويشير إلى أنّه هرّب أكثر من 700 شاب خرجوا من قطاع غزّة نحو دول أوروبية خلال السنوات الثلاث الماضية.

مواجهة القمع

يبيّن الناشط الفلسطيني في مؤسسة "جفرا" للإغاثة والتنمية الشبابية والمقيم في العاصمة اليونانية أثينا قيس حمد لرصيف22 أنّ أوضاع الشباب الفلسطينيين في اليونان صعبةً للغاية، "فمثلاً تحوّل مخيم موريا إلى سجنٍ لا يغادره اللاجئون إلّا إذا حصلوا على موافقة من الشرطة"، مضيفاً أنّ هذا الأمر يظلّ واقعاً لمدة قد تصل إلى سنة كاملة، و"يُحتجز اللاجئون أحياناً لشهور طويلة، ويخضعون لتحقيقاتٍ قاسية، من أجل معرفة أسباب لجوئهم فقط".

وذكر أنّ السلطات اليونانية بدأت منذ فترة في إرجاع الكثيرين من اللاجئين إلى تركيا، عبر نظام الترحيل، مضيفاً أنّ العشرات غرقوا دون أن يتم رصدهم في المياه الدولية، ومنبهاً من أنّ ذلك يرجع سببه إلى حالات النصب والاحتيال التي يمارسها المهربون والسماسرة بحق الشباب.

وينبّه حمد إلى أنّ الشباب الفلسطينيين والمهاجرين الآخرين وإلى جانبهم المؤسسات الحقوقية والشعبية، أبدوا في مناسبات عدة اعتراضهم على الإجراءات الممارسة بحقهم، وظهر من خلال تنظيمهم عددً من الاعتصامات التي قابلتها السلطات اليونانية بالقمع، وهتفوا خلالها ضد الضرب والعنف وانتهاك الحقوق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard