بعد "النكسة السياسية"... هل تنهي محكمة المحاسبات ما تبقّى من حركة النهضة؟

الثلاثاء 16 نوفمبر 202104:48 م

شهد حزب حركة النهضة، صاحب الأغلبية البرلمانية في تونس، هزات وارتدادات متتالية عدة، منذ إعلان رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن جملة من التدابير الاستثنائية في الـ25 من تموز/ يوليو الماضي.

وتمثّلت الضربات التي تلقّتها النهضة في تجميد البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة المقرّب منها، هشام المشيشي، بالإضافة إلى انقسامات داخل الحزب، بعد إعلان أكثر من مئة عضو من الحركة عن استقالتهم، احتجاجاً على ما أسموه بالسياسة الخطأ التي ينتهجها رئيس النهضة، راشد الغنوشي.

ويُعدّ تقرير محكمة المحاسبات (أعلى هيئة قضائية رقابية في تونس)، الذي كشف عن تجاوزات مالية لبعض الأحزاب والجمعيات، منها حركة النهضة، ضربةً موجعةً لهذا الأخير، قد تؤدي إلى حل هذا الحزب الذي سيطر على مفاصل الحكم في تونس، بعد ثورة 2011، وتقضي عليه بعد نكساته السياسية المتتالية.

تجاوزات خطيرة

أصدرت محكمة المحاسبات التي تختص بمراقبة حسن التصرف في المال العام، 350 حكماً ابتدائياً في قضايا انتخابية تعلّقت بمخالفات مالية ارتُكِبت من قبل قوائم في الانتخابات التشريعية لسنة 2019.

وجاء في التقرير، أن حركة النهضة تعاقدت مع شركة ضغط أمريكية منذ عام 2014، لتلميع صورتها، والأمر نفسه ينطبق على حزب قلب تونس، وجمعية عيش تونسي، وقد تم في 14 تموز/ يوليو الماضي، فتح تحقيق من طرف القطب القضائي الاقتصادي والمالي (مجمع قضائي مختص بقضايا الفساد الإداري والمالي)، بتهمة تلقّي تمويل خارجي.

حزب النهضة التونسي قد يواجه الحلّ إن تبثت في حقه شبهة "التمويل الأجنبي" التي تحوم حوله بعد تحقيقات محكمة المحاسبات

وأكدت القاضية في محكمة المحاسبات، فضيلة القرقوري، أن الأحكام تمثّلت في إسقاط 80 قائمةً للانتخابات البلدية، بسبب عدم احترام مبدأ الشفافية، إلى جانب إحالة أكثر من 30 ملفاً على أنظار النيابة العمومية لدى القضاء العدلي المختص، بسبب شبهات متعلقة بالإعلانات السياسية، والتمويلات غير المشروعة.

وتشمل هذه التجاوزات كلاً من حزبي النهضة (53 نائباً من 217)، وقلب تونس (28 نائباً)، وجمعية عيش تونسي (نائب واحد).

وقال رئيس محكمة المحاسبات، نجيب القطاري، خلال لقائه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إنه سيتم إسقاط عضوية كل قائمة تثبت عليها شبهة تمويل أجنبي، مضيفاً أن تقرير دائرة المحاسبات يؤكد وجود شبهات تمويل أجنبية لبعض الأحزاب، كما أن خمسة أحزاب فقط صرّحت بقوائمها المالية، وتقارير نشاطها، لدى محكمة المحاسبات.

عقوبات قاسية

المتخصص في القانون المحامي عماد بن حليمة، يؤكد أن مرسوم الأحزاب لعام 2011، يمنع منعاً باتاً أي تمويل أجنبي، كما يؤكد وجود نص قانوني آخر يعنى بالتمويل، وهو القانون الانتخابي الذي لا يُطبَّق إلا في حال وجود انتخابات، وفيه عقوبات سجنية، وإسقاط للقوائم الانتخابية، في حال الحصول على تمويلات غير قانونية من الداخل، أو من الخارج.

ويضيف بن حليمة، لرصيف22، أن حركة النهضة وضعت مرسومين خلال وجودها في الحكم، أحدهما يُعنى بالأحزاب، والآخر يُعنى بالجمعيات، وذلك لأجل غلق باب التمويل الأجنبي على بقية الخصوم. لكن، من جهة أخرى، سمحت بالتمويل الأجنبي للجمعيات، ثم قامت الحركة بعدها بتأسيس جمعيات قامت عن طريقها بجلب الأموال الخارجية، أي أن الجمعيات هي من أصبحت تؤمِّن النشاط السياسي للحركة.

ويؤكد بن حليمة، أن الجهات القضائية اليوم مطالبة بإثبات تلقّي حركة النهضة تمويلات خارجية، عن طريق الجمعيات، ومن بعدها معاقبتها. ويضيف أن الوضع يسير نحو حل الحزب، على ضوء ثبوت التمويل الأجنبي.

من جهة أخرى، دعا الرئيس التونسي قيس سعيّد، القضاء إلى تحمّل مسؤوليته في محاسبة المتورطين في قضايا الفساد والتجاوزات المالية، خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة التي جرت عام 2019.

وشدد على أن التجاوزات التي ارتكبها خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية (2019)، هي تجاوزات من الأنواع كلها، مطالباً القضاء العدلي والجزائي بأن يثبت الآثار القانونية حول "من أين أتت الأموال إلى الأحزاب".

 الجهات القضائية اليوم مطالبة بإثبات تلقّي حركة النهضة تمويلات خارجية، عن طريق الجمعيات، ومن بعدها معاقبتها. هل ستحل النهضة بسبب تحقيق محكمة المحاسبات؟

وقال: "هناك أحكام تصل إلى خمس سنوات بالنسبة إلى التمويلات الأجنبية"، مؤكداً أن الانتخابات التشريعية مُوِّلت بأموال جاءت من الخارج، والتي من المفترض أن تلغي بعض النيابات (المقاعد البرلمانية)، في مجلس نواب الشعب، ممن ثبت فساد أصحابها.

من جهتها، أعلنت حركة النهضة في بيان لها، أنها لم توقّع لا عن طريق ممثلها القانوني، ولا عن طريق أيٍّ من مؤسساتها، أو قياداتها، أي عقد مع أي مؤسسة في الخارج.

كما شددت على أنها لم تقم بأي تحويلات مالية إلى الخارج، ولم تتلقَّ أي تحويلات أو تمويلات مالية من الخارج، وأنها تتحمل مسؤولية قرارات قياداتها ومؤسساتها، والتزاماتهم فحسب، ولا تتحمل أي مسؤولية أخرى خارج ذلك.

"جريمة في حق الشعب"

قال الأمين العام لحزب التيار الشعبي، زهير حمدي، إن التمويل الأجنبي من أكثر الجرائم الانتخابية شيوعاً، وهو نتاج منظومة انتخابية فاسدة أرسَتْها الحكومات السابقة.

ويؤكد حمدي، لرصيف22، أن المحاسبة هي الطريق الوحيد للإصلاح، ولا توجد مرحلة جديدة في حال لم يتم الحسم والبت في ملفات الفساد، سوى في الانتخابات، أو غيرها، وذلك من أجل تنقية الحياة السياسية، وتطهيرها، ما يسمح في مرحلة قادمة بأن تُدار الحياة السياسية في ظروف نزيهة وشفافة.

ويضيف حمدي أنه في حال تم تطبيق القانون، فإن جرائم التمويل الأجنبي موجبة لحل الأحزاب التي ارتكبت فساداً مالياً، وتجاوزاتٍ في حق الشعب.

من جهة أخرى، أعلنت محكمة تونسية، أن قاضي التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي، قام بحجز "خادم معلومات" (Server)، تابع لحركة النهضة، لنقل محتواه، وإجراء الاختبارات الفنية اللازمة عليه.

وأوضح مكتب الاتصال في المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة، في بيان، أن عملية حجز "الخادم" تأتي في إطار استكمال الأبحاث المتعلقة بقضية "اللوبينغ"، وهي مسجلة لدى قاضي التحقيق في القطب الاقتصادي والمالي. وقد كشفت هذه الأبحاث عن وجود شبهة اتصال بين حركة النهضة، وشركة للضغط السياسي، عبر استعمال بريد إلكتروني تابع للحركة، كما اتّضح أن الحساب الإلكتروني المذكور تابع لمشغل تونسي.

مشهد سياسي جديد

النائب في البرلمان عن الكتلة الديمقراطية، لسعد الحجلاوي، قال لرصيف22، إن دائرة المحاسبات كشفت عن تجاوزات عدة لأحزاب سياسية مختلفة، وتالياً القانون واضح في هذا الإطار، وهو حل الأحزاب التي ثبتت عليها التجاوزات عن طريق قانون الأحزاب.

ويمنع المرسوم عدد 87 لسنة 2011، المتعلّق بتنظيم الأحزاب السياسية، أيّ تمويلات، إذ جاء في الفصل 19 منه: "يُحْجَر على الأحزاب السياسية قبول أي تمويل مباشر، أو غير مباشر، نقدي أو عيني، صادر عن أية جهة أجنبية"، كما يحجر أيضاً الحصول على تمويل مباشر، أو غير مباشر، مجهول المصدر.

وتطالب أحزاب سياسية ومنظمات بضرورة محاسبة كل من ارتكب تجاوزات أو أجراماً في حق المواطنين والدولة، وكان الآلاف من الأشخاص قد خرجوا في الأسابيع الماضية، دعماً لقرارات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وتنديداً بالأحزاب الحاكمة، مطالبين بحل البرلمان، ومحاسبة من أسموهم بالفاسدين.

وحول الانتخابات التشريعية المبكرة، يقول الحجلاوي، إن الغموض يلفّ المرحلة القادمة، ولا نعلم هل ستكون هناك انتخابات انطلاقاً من نظام القوائم الانتخابية، أو ترشّح الأفراد، وفي حال كان الانتخاب للأشخاص، فإن الأحزاب السياسية كلها ستندثر، وسيترشح أفراد، وإن كان الانتخاب للأحزاب السياسية، فهناك أحزاب ستُحلّ، والأكيد أننا سنرى مشهداً سياسياً مختلفاً، وانتهاء الأحزاب التي كانت مسيطرةً، أو ربما سنشاهد مشهداً مشتتاً، نظراً لعدم وجود أحزاب قوية لتتصدر المرحلة القادمة. وقد يكون أكبر خاسر من المرحلة المقبلة، هو النهضة الذي يواجه خطر الحلّ، بسبب مخالفته القانون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard