أزمة زهرة قدي… لماذا تُجبر النساء على الإفصاح عن هويّاتهن الجنسيّة؟

الثلاثاء 16 نوفمبر 202103:31 م

تعيش النساء في مجتمعاتٍ تفرض عليهنَ السير وفقاً لمعايير محددةٍ تخترق خصوصياتهنَ واختياراتهنَ في معظم الأحيان. فلا يمكنهن بقصدٍ أو بغير قصد الخروج عن تلك الصورة النمطيّة التي رُسمت لهن، حتى إنَّ محاولتهن ذلك تعني تحدي القيود المفروضة والتعرض للانتقادات التي ستشكك بأنوثتهنَّ وتكوينهنَّ البيولوجيّ من دونَ أدنى اعتبار لمشاعرهن، بل قد يتعدى الأمر إلى رفض نجاحاتهنَ في مجالات مُعيَّنة والتشكيك بها.

زهرة رجل أم أُنثى؟

زهرة قدي، حارسة منتخب السيّدات الإيرانيّ لكرة القدم، كانت في عداد اللواتي احتجن لإثبات هويتهن الجنسيّة بعد الطعن فيها بسبب مظهرها إثر تقديم رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم الأمير علي بن الحسين طلباً رسمياً إلى الاتحاد الآسيوي للكرة لكشف عن جنسها الحقيقي درءاً للشكوك المُثارة نحوها.
وعلّقت مدربة المنتخب، مريم إيراندوست، في تصريحات صحافيّة على ذلك: "بعد هزيمة المنتخب الأردني، من الطبيعي أن يحاولوا تهدئة أنفسهم بذرائع كاذبة".
ما زالت النساء يحتجنَ لتحقيقٍ يُثبتُ أُنوثتهن عند كُلِ كسر لقيدٍ أو اتباع خيارٍ لا يُناسب معايير المجتمع

طلبُ التحقيق جاء بعد تأهل منتخب إيران للسيدات لبطولة أمم آسيا 2022 التي ستقام في الهند، عقب فوزه في المباراة الحاسمة على نظيره الأردني بركلات الترجيح، واستند الاتحاد في طلبه إلى سوابق منتخب إيران بـ"قضايا النوع الاجتماعي وتعاطي المنشطات"، لتخرج نتائج التحقيق بأن زهرة "أُنثى"، بحسب وكالة الأنباء الأردنيّة بترا.
انتشرت قصة اللاعبة في صفوف رواد مواقع التواصل الاجتماعيّ والإعلامين المحليّ والعالميّ، وبرر البعض بأن طلب الاتحاد الأردنيّ جاء نتيجة سوابق المنتخب الإيراني، في حين التفت آخرون لمشاعر اللاعبة ووصفها معلقون بالعابرة جنسيّاً،  وغرّد بعضهم معترضاً علي السماح لها باللعب مع الإناث.


ولكن لم يخلُ الأمر من متعاطفين بشكل خافت مع قدي إزاء سيل الإهانات التي تعرضت لها.


من إيران إلى الأردن وكوريا

ما حدث مع الإيرانيّة قدي، يُعيدُ للأذهان ما تعرّضت له الأردنيّة آية الولويل حين  تهجّم  أحد سائقي التطبيقات الذكيّة عليها بعد عدم تصديقه أنها الفتاة نفسها التي طلبته للذهاب إلى عملها بسبب شعرها القصير وملابسها ذات الطابع الرجوليّ، وزعم أنها رجل، ثم ألغى رِحلتها وطلب سيارةٍ أُخرى لها، حسب قولها. وكانت قد نشرت مقطعاً مصوّراً عبر صفحتها على موقع "انستغرام"، تروي فيه أنها اتصلت بخدمة الزبائن والتقطت صورةً للوحة السيارة بعد رفض السائق ركوبها معه لتفاجأ به يتهجّم عليها ويأخذ هاتفها، ما جعلها تصرخ طالبةً النجدة من شقيقها ووالدها.


وما مرّت به رامية السهام الكوريّة الجنوبيّة آن سان لا يختلف كثيراً عما مرت به قدي والولويل، فبعد فوزها في أولمبياد طوكيو الأخيرة بثلاث ميدالياتٍ ذهبية استقبلها الكثيرون بوابلٍ من الانتقادات بسبب قصة شعرها القصير، وتطرّقت وسائل إعلامٍ لسؤالها عن قصّتها ومظهرها بدلاً من لعبها في بعض المقابلات، فيما وصفها بعض المنتقدين بالنسويّة، وهي كلمة تشير إلى كره الرجال في كوريا، بحسب ما ذكرت شبكة "بي بي سي".

من يضع المعايير؟

تختلف الأسماء وتتشابه ردود الفعل. قصص أولئك الفتيات ليست الوحيدة في هذا العالم، إلا أنَّ شهرتهن ومعرفة الآخرين بهن أدتا إلى شيوع تلك القصص، وما زالت النساء يحتجنَ لتحقيقٍ يُثبتُ أُنوثتهن عند كُلِ كسر لقيدٍ أو اتباع خيارٍ لا يُناسب معايير المجتمع، وهو ما يجعل السؤال حاضراً حول من الذي يضع هذه المعايير ويختارها؟ وكيف تُفرَضُ على المجتمع؟ ولمَ تجد النساء صعوبةً في اختيار طريقة حياتهن مهما اختلفت خياراتهن ومدنهن؟ ولمَ الرفض والإساءة موجودانِ دوماً؟
ما يحدث مع النساء على اختلاف ثقافات مجتمعاتهن يدعو إلى التساؤل هل هناك ثقافةُ واحدةُ سائدةٌ فيما يتعلق بهن، ولمَ تُفرض دوماً القيود عليهنَ بصفتهنَ الحلقة الأضعف

يؤكد الدكتور في علم الاجتماع صبري أربيحات لرصيف22 أنَّ لكل مجتمع معاييره التي تدفع الأفراد لأخذ الأدوار المتوقعة منهم، إذ يعتقد الناس أنَّ تبعات المسؤوليّة دائمة ما دامت صاحبها أُنثى ومؤقتة ما دام صاحبها ذكراً، مضيفاً: "ردة فعل المجتمع باعتبار أنه المالك والمتملّك للفرد، وزاده هو التقاليد والطقوس التي يتم تناولها وتمريرها للأجيال".
ويشرح: "منذ تحديد جنس المولود تعود ملكيّته للأُسرة، التي تدعم قرارته أو تردعها، على أنَّ تغيير العادات لا يساعد على تغيير المجتمع، فكلما انتشرت العولمة زاد تفكير الفرد حول مكانه ودوره، إلا أنَّ البعض يختارون الانغماس في العادات الأُخرى".
ويلفت اربيحات إلى أهميّة فهم تصرفات الأفراد وتفكيرهم حيال بعضهم الآخر دون إعطاء رأيٍّ مسبقٍ لأحقيتهم في القيام بها من عدمه، مؤكداً أن هذا الفهم "ليس حُكماً عليهم أو الحديث عن الصواب والخطأ في تصرفاتهم".

النساء يتحملن المسؤولية

تقول المديرة التنفيذيّة لمجموعة تقاطعات النسوية بنان أبو زين الدين لرصيف22 إن "النساء معرضات للتهديد بشكل يوميّ في المساحات الخاصة والعامة، دائماً يتحملن المسؤولية والمجتمع يتهمهنَّ ليزيح العبء عن نفسه".
وتضيف أنَّهن كُنَّ دوماً مُطالباتٍ بإثبات أنفسهن لأن المجتمع يراهن الحلقة الأضعف، قائلةً: "ما حدث مع زهرة هو عنفٌ على المستوى الدوليّ ويوجِبُ وجود اعتذار رسميّ بعد أن كان مطلوباً منها إثبات هويّتها الجنسيّة. بأي منطقٍ يُطلبُ ذَلك؟".
وتؤكد أبو زين الدين وجود سلطةٍ ذكوريّةٍ على النساء في المجتمع، حيث يعتقد كل فردٍ أنَّ لديه الولاية عليهن، فيما هنّ يتحملن عبء رفع أصواتهنَ والمطالبة بحقوقهن واتخاذ قرار مواجهة المجتمع.
وتتساءل عن المعايير التي يتم على أساسها تقييم النساء جمالياً، خاصةً أن معياراً مثل هذا غير ثابت إذ لم تختر أي امرأةٍ شكلها أو طريقة تكوينها، موضحةً: "يطلب منا في كل مرةٍ إثبات أنفسنا لنرضي المجتمع على حساب ذواتنا وشخصياتنا. يتم تربيتنا على أن نكون جميلات، في نظرِ من؟ لسنا مضطراتٍ لإثبات ذلك لأي أحد".

تنتهي حقوقك إذا كنت فتاة

تؤكد الناشطة الحقوقيّة إيمي داوود لرصيف22 أن حقوق النساء في المجتمع تنتهي حين يُخبرها رجلٌ ما بأنها فتاة، أي بمعنى أنها غير قادرةٍ على فعلِ تصرّفٍ مُعيّن أو القيام بفعلٍ ما، مشيرةً إلى أنَّ "الكثير من المُبادرات كان يتم رفضها في حال كانت تتحدث عن النساء رغم أن تحرر المجتمع من تحرر المرأة".
وتلفت إلى اعتياد المجتمع مهاجمة الحركات النسوية واتهامها بتشويه صورة البلد إلا أنَّ ما حدث مع لاعبة المنتخب الإيرانيّ دليل قاطع على أن الثقافات المشوهة لا يمكن سترها وستكشف عن نفسها بنفسها، مشيرةً إلى أنه "لا يمكن للحركات النسوية تشويه صورة فعل هو مشوه أصلاً".
وتوضح داوود أنَّ محاولات توعيّة المجتمع أثناء حادثة آية بأن النساء كيان بذاته لا مجرد أجساد، وعدم استجابته لذلك أدَّى إلى تصدّر الأردن للصحف العالمية بعد ارتكاب نفس الإساءة إلى فتاة أجنبية، قائلةً إنَّ "أشد المظاهر الذكورية التي تعاني منها النساء هو اختزالهن داخل جسد بقوالب ومقاييس محددة وتالياً انتزاع انسانيتهن وجعلهن يركضن خلف عمليات التجميل نتيجة الصورة الذهنيّة الموجودة".
وتتساءل عن سبب استخدام مصطلحاتٍ مثل "تشبه الرجال" أو "يشبه النساء" دون الرضوخ لفكرة أنَّ الملامح لا صلة لها بالجندر، مضيفةً: "اعتدنا كنساء تلقي الأنماط والقوالب التي يجب علينا الامتثال لها وتطبيقها، مظاهرنا، أفكارنا، سلوكياتنا، ملابسنا، أدوارنا المجتمعية، وكل شيء متعلق بنا كان قد حدد مسبقاً قبل ولادتنا".
ما يحدث مع النساء على اختلاف ثقافات مجتمعاتهن يدعو إلى التساؤل هل هناك ثقافةُ واحدةُ سائدةٌ فيما يتعلق بهن، ولمَ تُفرض دوماً القيود عليهنَ بصفتهنَ الحلقة الأضعف، ويعاملهن البعض كأنهنَّ يحظينَ بأقسى درجات الراحة والسعادة، ولدى أي مُنعطف يحتجنَ لإثبات الأنوثة من دون فتح تحقيق.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard