مستشفى حيفا... شريان الحياة لأهالي المخيمات الفلسطينية في بيروت

الثلاثاء 16 نوفمبر 202104:17 م

ما إن ندخل إلى مخيم برج البراجنة، جنوب بيروت، ونسير في شوارعه، حتى ندرك حجم المعاناة التي يعيشها سكان المخيم المتأثرون بالضائقة الاقتصادية في لبنان، فهؤلاء يعانون أساساً من فقر، وبنى تحتية سيئة، وظروف معيشية صعبة، بسبب شحّ فرص العمل لحاملي الجنسية الفلسطينية الذين لا يُسمح لهم بالعمل إلا في مهنٍ محددة، كالبناء، والحدادة، والنجارة، وغيرها من المهن الحرة.

يُقدَّر عدد سكان المخيم بنحو 50 ألف نسمة، منهم فلسطينيون، ولبنانيون، وسوريون وأناس من جنسيات أخرى، يعيشون في ظروف اجتماعية، وبيئية، وسكنية، سيئة للغاية.

في العام 1948، تأسس مخيم برج البراجنة، بغية إيواء اللاجئين الفلسطينيين، الذين أُخرِجوا من بلداتهم وقراهم في الجليل، وشمال فلسطين، على مساحة كيلومتر مربّع واحد، وما لبث أن تمدد هذا المخيم بسبب ازدياد عدد سكانه إلى كيلومترين.

ما إن ندخل إلى مخيم برج البراجنة، جنوب بيروت، ونسير في شوارعه، حتى ندرك حجم المعاناة التي يعيشها سكان المخيم المتأثرون بالضائقة الاقتصادية في لبنان، فهؤلاء يعانون أساساً من فقر، وبنى تحتية سيئة، وظروف معيشية صعبة، بسبب شحّ فرص العمل لحاملي الجنسية الفلسطينية الذين لا يُسمح لهم بالعمل إلا في مهنٍ محددة

يعاني أهالي مخيم برج البراجنة من فقرٍ شديد، بسبب قلّة فرص العمل، كما يعاني المخيم من مشكلات خدماتية، في مقدّمها ضيق الطرقات، وسوء البنى التحتية، ومشكلات جمّة في شبكتيّ الكهرباء والمياه، إذ إن التمديدات العشوائية تتسبب بحالات وفاة عديدة سنويّاً.

وسط المخيم، شُيّد مستشفى سُمّيَ بـ"حيفا"، نسبة إلى المدينة العريقة في فلسطين المحتلّة، وتقدّم أقسامه المتعددة، ومعدّاته المتطورة، خدماتٍ طبية للاجئين/ ات في مخيمات منطقة بيروت وضواحيها.

من داخل مستشفى حيفا، تصوير انتصار الدنان

طوارئ طبية

يقصد أبو علي (51 عاماً)، مستشفى حيفا، آتياً من الضاحية الجنوبية، ليجري بعض الفحوصات الطبية، بعد إصابته في يده في أثناء العمل، فيستقبله قسم الطوارئ الذي أُعيد تأهليه وتوسعته قبل عامين، بدعم من سفارة اليابان في لبنان.

يقول أبو علي، إنه يتعالج دائماً داخل المخيم، لأن الكلفة زهيدة مقارنةً بالمراكز الطبية في بيروت، ويضيف أن "اللبناني والفلسطيني واحد، وما في فرق، ونحن جيران من 70 سنة".

يقدّم المستشفى خدماته الطبية لمخيمات برج البراجنة، وشاتيلا، وصبرا، والضنّية، وبعض التجمعات الفلسطينية في بيروت، بالإضافة إلى جميع المرضى من مختلف الجنسيات، كما يقول مدير المستشفى، خليل مهاوش.

بدوره، يكشف المدير الإداري في قسم الطوارئ، محمد صلاح، أنه "يتلقى العلاج في القسم، شهرياً، نحو مئتي مريض، بين لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، بالإضافة إلى مرضى من بيروت وضواحيها"، مشيراً إلى أن "المستشفى يقدّم العلاج للمرضى بأعلى جودة ممكنة، علماً أنه لا يعيق المستشفى سوى مكانه، وبنائه غير المؤهل بشكل كافٍ ليكون مشفى".

أما الممرضة، مرفت السواس، فتشير إلى "حجم المعاناة التي يعيشها الناس جرّاء ارتفاع أسعار الطبابة والاستشفاء، إذ صار يقصد المستشفى مرضى من الجنوب اللبناني، ومنطقة الجبل، لتلقّي العلاج في قسم الطوارئ والأشعة والمختبر، حتى يوفّروا على أنفسهم بعض المال".

صعوبة الوصول إلى المستشفى

تشير أم أحمد من مخيم شاتيلا، إلى أنه على الرغم من أن مستشفى حيفا يقدّم خدماته للمرضى بأسعار أقل من المستشفيات الأخرى، إلا أن هناك صعوبةً في الوصول إلى المستشفى: "لقد وقع ابني (12 عاماً)، بينما كان يلعب مع رفاقه، وكنت مضطرةً للإتيان به إلى المستشفى، ولم أستطع الوصول إلى سيارة إسعاف لتقلّه، واضطررت إلى نقله بسيارة أجرة، فدفعت مبلغاً كبيراً لنقله".

وأضافت: "في أثناء دخولنا إلى المخيم، واجهتنا عقبة الوصول إلى المستشفى، فالطريق ضيّق، والشارع يعجّ بالمارة، ما اضطر السائق إلى الوقوف بعيداً من المستشفى، فنقلنا ابني بواسطة عربة متحركة".

وأشارت أم أحمد إلى أنها لم تتمكن من إبقاء ابنها في المستشفى، لأن وضعه الصحي مستقرّ، والأسرّة مخصصة للحالات الطارئة، حسب ما قالت لها الممرضة.

مولود جديد

يتألف مبنى مستشفى حيفا من ثلاث طبقات، وسط زحام عمراني وأزقة ضيقة، وقبل أن تحوّله جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مستشفى، خلال حرب المخيمات بين 1985 و1988، كان مركزاً طبياً متخصصاً بعلاج الحروق.

ونظراً إلى كون الحرب تخلّف العديد من الجرحى والضحايا، أصبح المركز مقصد الناس، خصوصاً وأن المخيم كان في تلك الأعوام محاصراً، ولا يمكن الخروج منه، أو الدخول إليه.

ويضمّ المستشفى أقساماً عدة، منها الجراحة، والعناية الفائقة، والتوليد، والمختبر، والأشعة، والصيدلية.

ومع الضائقة الاقتصادية، وتقصير وكالة الأونروا في خدماتها الطبية، لم يعد للاجئين/ ات من خيار سوى هذا المستشفى، كما تقول مروة حمد (32 عاماً)، التي وضعت مولودها بعد عملية قيصرية، وتقول إن "حيفا رحمة للناس الفقراء الذين يتكبّدون مرارة العيش، ولأمثالنا الذين لا يستطيعون دفع كلفات العلاج في المستشفيات الخاصة. أنجبت اليوم في المستشفى، علماً أنه لو لم تتكفل الأونروا بتكلفة ولادتي، لما استطعت الحضور إلى هذا المستشفى لأنجب ابني".

من داخل مستشفى حيفا، تصوير انتصار الدنان

وتضيف مروة: "إنني أسكن في مخيم شاتيلا، وبالكاد استطعت تأمين كلفة سيارة الأجرة التي أوصلتني إلى مخيم برج البراجنة، فكيف أستطيع توفير كلفة الولادة؟".

وإلى الغرفة المجاورة، وصلت حسنة سنونو (30 عاماً)، إلى سريرها، بعد أن وضعت مولودها بحالة صحية جيدة، بعد معاناة الولادة، واحتياجها إلى دم بشكل عاجل.

مستشفى حيفا هو بمثابة شريان الحياة لأهالي المخيمات الفلسطينية في بيروت الذين يعيشون كسائر اللبنانيين/ ات اليوم، ظروفاً اقتصاديةً ومعيشيةً صعبةً لم يشهدها لبنان من قبل

تشكر حسنة ربّها لأن المستشفى قريب من بيتها، فهي وصلت إلى المستشفى بحالة ولادة، سيراً على الأقدام. وتقول: "أنا لا أفكر في الذهاب إلى مستشفى آخر للعلاج، فهنا أتلقّى العلاج الآمن الذي تدفع تكاليفه (الأونروا)، من خلال التحويل إليه، كما أن المستشفى قريب من بيتي، فلا أحتاج إلى أن أدفع أجرةً مرتفعة لسيارة نقل تقلّني إلى المستشفى، خاصةً في هذه الظروف الصعبة، وارتفاع أسعار تعرفة النقل".

وبالنسبة إلى عدد الولادات الجديدة في المستشفى، فتقدَّر بـ50 مولوداً شهرياً داخل المستشفى، حسب ما يقول مدير المستشفى خليل مهاوش، مشيراً إلى أنه في العامين الأخيرين ارتفع عدد المرضى والمراجعين، لا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، إذ استقبل المستشفى أعداداً كثيرة من الجرحى، وقام بحملةٍ لتأمين الدم لجميع المستشفيات اللبنانية.

هذا ويشير مهاوش إلى أن الطاقم الطبي المؤلّف من 120 موظفاً/ ةً، وطبيباً/ ةً، وممرضاً/ ةً، يقدّم الخدمات على مدار الساعة لأكثر من 200 مريض يزورون المستشفى يومياً، هذا غير العمليات الجراحية اليومية.

وعليه، يمكن القول إن مستشفى حيفا هو بمثابة شريان الحياة لأهالي المخيمات الفلسطينية في بيروت الذين يعيشون كسائر اللبنانيين/ ات اليوم، ظروفاً اقتصاديةً ومعيشيةً صعبةً لم يشهدها لبنان من قبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard