المقاطعة الخليجية... اللبنانيون المنهكون جراء الأزمة الاقتصادية ينتظرون الأسوأ

السبت 6 نوفمبر 202109:02 م

ألقى الخلاف الدبلوماسي بين السعودية ولبنان بظلاله على الأوضاع الاقتصادية  المتدهورة في بلاد الأرز التي شهد أزمة مالية اعتبرها البنك الدولي الأكثر حدة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.

في الأيام الأخيرة، فرضت السعودية المنتشية اقتصادياً بفعل ارتفاع إيرادات النفط، حظراً شاملاً على بعض البضائع اللبنانية، رداً على انتقادات وجّهها وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي للحرب التي تقودها المملكة ضد المتمردين الحوثيين في اليمن منذ عام 2015.

وفق تقديرات الأمم المتحدة، يرزح نحو 55% من سكان لبنان حالياً تحت خط الفقر. إذ قفز معدل الفقر في البلاد نحو 13 نقطة مئوية منذ نهاية العام الماضي. علماً أن التقديرات تشير إلى زيادة تناهز الـ28 نقطة مئوية نهاية العام الجاري، لا سيما في ظل "عزلة" غدا فيها لبنان نتيجة غضب دول خليجية عليه تضامناً مع المملكة.

قطاع الصناعة أشد تضرراً

لا تقل التبعات الاقتصادية والخسائر المحتمل أن يتكبدها الاقتصاد اللبناني عن الآثار السياسية للخلاف الدبلوماسي إذ بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية عام 2019 نحو 282 مليون دولار أمريكي و200 مليون عام 2020، ما يعني أنها تمثل مصدر مهم للعملة الأجنبية في لبنان الذي ترجع أزمته الاقتصادية جزئياً إلى سنوات من عجز الحساب الجاري البالغ 25% من الناتج المحلي الإجمالي.

في غضون ذلك، تبلغ الصادرات اللبنانية إلى السوق الخليجية نحو 900 مليون دولار سنوياً من أصل 2,6 مليار دولار، وهي إجمالي صادرات القطاع الصناعي، ما يشي بأن تضامن الكويت والبحرين والإمارات مع السعودية في الموقف من لبنان قد يشكل انتكاسة كبرى لاقتصاده. 

وفي إشارة إلى مدى تفاقم الأزمة في ظل القطيعة السعودية/ الخليجية، كشف بيان لـ"جمعية الصناعيين اللبنانيين"، نشر في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، عن فقدان 500 ألف وظيفة في لبنان إذ تراجع عدد المسجّلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الضامن الأساسي لموظفي القطاع الخاص، من 1300000 منتسب إلى نحو 800000 منتسب منذ بدء الأزمة.

منها البطالة ونقل شركات ومصانع للخارج وخسارة تحويلات المغتربين بالخليج... التبعات الاقتصادية والخسائر المحتمل أن يتكبدها الاقتصاد اللبناني على إثر أزمة تصريحات جورج قرداحي والقطيعة الخليجية للبنان لا تقل عن الآثار السياسية 

ولفت تقرير لوكالة رويترز إلى الآثار الجسيمة المباشرة التي خلفتها المقاطعة السعودية لبضائع لبنانية، معتبراً أن حظر الاستيراد السعودي "يوجه ضربة جديدة للصناعة اللبنانية المترنحة".

على سبيل المثال، توقف مصنع "أورينتال للمنتجات الورقية"، أحد مصانع الأدوات المكتبية خارج بيروت، جزئياً عن العمل، وتم تقليص ورديات العمل فيه. كان المصنع بصدد تجهيز صفقة أدوات مكتبية إلى المملكة بقيمة 500 ألف دولار حين دخل حظر الاستيراد حيز التنفيذ.

قال الرئيس التنفيذي للمصنع زياد بكداش لرويترز: "لدينا مشاكلنا، والآن هم (يقصد السياسيين اللبنانيين) زادوها. الله يعين اللبنانيين". وأضاف بكداش، وهو نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين، أن الصناعة اللبنانية سعت للاستفادة من القدرة التنافسية المتزايدة بسبب انهيار عملة بلاده لتعزيز الصادرات إلى السعودية من 240 مليون دولار عام 2020 إلى 600 مليون.

واستطرد: " في الوقت الحالي (العائدات) صفر"، لافتاً إلى أن عدة شركات لبنانية بدأت نقل مصانعها إلى عمان وتركيا وقبرص للتحايل على الحظر السعودي. علاوة على بعض المنتجات الغذائية، كان الألومنيوم والذهب والمجوهرات والآلات والصابون والدهانات من أبرز الصادرات اللبنانية إلى المملكة.

وبينما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها منذ انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، تقلصت القوة الشرائية للسكان المحليين وأجبروا على إنفاق مدخراتهم، في حين أدى الإغلاق العالمي جراء تفشي فيروس كورونا إلى خفض الصادرات بشكل كبير.

في نيسان/ أبريل الماضي، أوقفت السعودية استيراد المنتجات الزراعية والغذائية اللبنانية بعد تصاعد وتيرة عمليات تهريب المخدرات إلى المملكة عبرها. اتهمت السلطات السعودية الحكومة في لبنان بالفشل في وقف تهريب المخدرات. في كل مناسبة، دأب المسؤولون السعوديون على لوم "النفوذ الإيراني" في لبنان، و"سطوة" حزب الله اللبناني المدعوم إيرانياً. 

الأسبوع الماضي، استدعت السعودية وأربع دول خليجية أخرى سفراءها لدى لبنان. وصرح وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان بأن بلاده لا ترى جدوى لإعادة مد جسور الاتصال مع لبنان ما دام حزب الله "يهيمن" عليه. تمسك قرداحي من جهته بالبقاء في المنصب برغم ضغوط سياسيين ومسؤولين عليه لتجنيب البلاد تبعات الخلاف مع الأشقاء الخليجيين.

لم تكن الأمور مع السعودية في الأساس جيدة حين اندلعت الأزمة الأخيرة. وكان رجال أعمال لبنانيون يسعون إلى تحسين العلاقات مع المملكة. أدت أزمة تصريحات قرداحي إلى إحباط مساعيهم.

في هذا السياق، قال رجل الأعمال اللبناني جو رزق، مدير سلسلة التوريد في شركة "Second House Products" التي تصنع خلطات التوابل ومجموعة متنوعة من الأطعمة الجافة، إنه اجتمع مع القنصل السعودي في بيروت في اليوم السابق لتعليقات قرداحي، لكن سرعان ما تعقدت الأمور.

وأوضح أنه قبل الحظر، كان يورد 20% من منتجاته إلى 700 مطعم في المملكة، مضيفاً أن شركته لم تتمكن من إيجاد مشترين آخرين لمبيعات شهر رمضان المقبل الذي يكون عادةً موسم ذروة مبيعات الشركة.

تفكر شركة رزق راهناً في نقل جزء من مصانعها إلى الخارج بينما تخشى التسريح الاضطراري المحتمل للعمال. وعن ذلك قال: "نحن من ندفع الثمن في هذه القضايا الكبيرة جداً. هم تعبوا ونحنا تعبنا. هي خسارة للجانبين وليس فقط لنا"، في إشارة إلى الشعبين السعودي واللبناني.

من بداية الأزمة، فقد اللبنانيون 500 ألف وظيفة في القطاع الخاص، وتوقفت شركات ومصانع عن الإنتاج كلياً أو جزئياً، واضطرت شركات إلى نقل مصانعها إلى خارج لبنان لتفادي الحظر. كل المؤشرات تشير إلى خسائر لا يمكن تعويضها 

وتمثل التحويلات المالية من المغتربين أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في لبنان وتعد جانباً مهماً من دخول العديد من الأسر. يعمل معظم المغتربين في دول الخليج. يبلغ عددهم نحو 550 ألفاً، منهم 350 ألفاً في السعودية.

أين وصل الانهيار الاقتصادي في لبنان؟ 

في مثال آخر يعكس الحال الذي آل إليه لبنانيون كثر، تشير تقارير إلى أن وفاة شخص في العائلة أصبح عبئاً مالياً كبيراً على أقاربه الذين يضطرون إلى تحمل تكاليف الدفن والجنازة وفق ديانته. علماً أن التكاليف باهظة في حالة المتوفى المسيحي بسبب الحاجة إلى شراء نعش وأكاليل وملابس للمتوفى ونقله إلى المقابر وتأمين مكان للدفن. وفي حالة المتوفى المسلم تكون التكاليف أقل نسبياً بسبب الحاجة إلى كفن فقط.

تمثل التحويلات المالية من المغتربين أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في لبنان وتعد جانباً مهماً من دخول العديد من الأسر. يعمل معظم المغتربين في دول الخليج. يبلغ عددهم نحو 550 ألفاً، منهم 350 ألفاً في السعودية.

عموماً، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للبنان (من 55 مليار دولار أمريكي عام 2018 إلى نحو 20.5 مليار عام 2021). وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بنسبة 37.1%.

كذلك تدهور سعر الصرف بسرعة كبيرة خلال الأشهر الستة الماضية إذ بات الدولار الأمريكي يعادل 19800 ليرة لبنانية، مقارنة بانخفاض بنسبة 18% خلال الأشهر الستة السابقة.

في الوقت نفسه، بلغ معدل التضخم 131.9% في المتوسط ​​خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري. ومن المتوقع أن ينخفض ​​إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 10.5% على خلفية الانكماش بنسبة 21.4 عام 2020.

ليس واضحاً كم قد تطول الأزمة اللبنانية مع السعودية أو بالأحرى مع البلدان الخليجية المتعاضدة. يمكن القول إن ما يتكبده الاقتصاد اللبناني يومياً جراء هذه المقاطعة من المتعذر تعويضه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard