الشّعر من علامات الرُقيّ المجتمعي

الاثنين 8 نوفمبر 202109:07 ص

تُعدّ الكتابة في المجتمعات الحيّة، من الجهود المميزة التي تهدف إلى إعادة خلق عالمٍ جديد، عبر خلق لغةٍ جديدة غير تلك اللغة المألوفة، لغة الاستعمال اليوم. ومن أجل ذلك يُستلزَمُ إلغاء الزمن، والتاريخ المُركّز فيه، والالتحاق بوضع فردوسي أولي بشكلٍ عفوي، ومن دون ذاكرةٍ تتناول الديمومة الزمنية.

في هذه المجتمعات، توجد عناصر مهمّة تدخل في صيرورة "الرقي المجتمعي"، والتي تتكون من أساسات عديدة، لعلّ أبرزها كتابة الشعر، وقراءته، والموسيقى، وحقوق النساء...إلخ.

الشّعر، والمرأة، والموسيقى، أعمدة متينة وراسخة في بناء الحضارة المتقدمة، وتطوّرهم يمثّل رمزاً لارتقاء الأمم، ومقياساً لتطور جوانب مُهمّة من الوعي البشري.

الشعر أصل العالم

الشعراء والشاعرات الأحرار هم شواهد حيّة على كلّ خلق، كما لو أنهم كانوا مُعاصرين ليوم الخلقِ الأولِ، أو كانوا مُشاركين في التحولات اللاحقة التي طرأت على هذا العالم، عالمنا.

الشّعر لغة حيّة تغذّي العقل، والروح، والجسد. فمن يُتقن/ تُتقن كتابة الشعر، هو/ هي المؤثر/ ة الفعلي/ ة، وحامل/ ة طاقة التفعيل والتغيير.

حتى أنّه بإمكاني القول إنّ الشعر ينبوع ثرٌّ لا يجفّ، وإنّه قلب اللغة النابض، وعنفوان شبابها، وسمة من سمات ارتقاء النفس البشرية ذات المشاعر الحساسة، والفيّاضة، والمُدهشة أيضاً، وإنّه يشدُّ الإنسان إلى ذاتهِ، عبر التأمل، وسبر غور الأشياء.

الشعر انعكاس مُباشر للشخصية الاجتماعية، فلا يُجيد/ تجيد نظم الشعر، إلا من اتقنَ/ ت استعمال ما يملكهُ/ تملكه من ضوابط وأدوات مهنية، ومشاعر جيّاشة.

فن الكتابة يُتَوَّج بالشّعر، لأنهُ لغة التجديد السريعة، والكلمات المُبتكرة والمؤثرة، بإيقاعٍ جميل، وساحرٍ، ومؤثر. والشّعر عالم الكلام المكتوب بنَفَسٍ نابض ومُتقّد يُضفي وهجاً على الصورِ، ومعانيها.

تطوير الشعر للّغة

الشّعر، والمرأة، والموسيقى، أعمدة متينة وراسخة في بناء الحضارة المتقدمة، وتطوّرهم يمثّل رمزاً لارتقاء الأمم، ومقياساً لتطور جوانب مُهمّة من الوعي البشري.

حين يكتب الشعراء والشاعرات عن المرأة، أو عن الموسيقى، تخرجُ الكلمات مُبرعَمةً بمعانٍ جديدة، وهذا يشكّل أحد الجوانب المُهمة في تطوّر اللغات في العالم.

الشعراء والشاعرات هم "المُراقبون الأوائل" في عملية رصد حيوية اللغة، وتجديدها الدائم، بعيداً عن المؤسسات اللغوية وغيرها، ممّا يُساهم في رفد اللغة بما هو قابلُ للتجديد، والتغلغل إلى الذات الفردية والجَماعية معاً، وتكون الكلمات شفّافةً يُلازمها لحنٌ ساحرٌ، ومؤثّر.

الشعراء والشاعرات الأحرار هم شواهد حيّة على كلّ خلق، كما لو أنهم كانوا مُعاصرين ليوم الخلقِ الأولِ، أو كانوا مُشاركين في التحولات اللاحقة التي طرأت على هذا العالم، عالمنا

يُعدّ الشّعر "صياغةً كلاميةً بامتياز"، فلا يُجيدها/ تُجيدها إلا من لهُ/ ا إلمام ومهارة في هذه الصناعة المجتمعية الراقية، ويملكُ/ تملكُ القواعد المفتوحة الأُفق لكلّ تغييرٍ وتحويل، فلا مُستقبل لأي أُمّة إذا لم تهتم بهذهِ الأعمدة الجميلة والزاهية.

مَيل الشعوب إلى الشّعر، لم يأتِ من فراغ، وليس محض صدفة، بل إنه التجانس مع المحيط، والتفاعل معه بشفافية وقدرة على التذوّق، والقراءة، والكتابة بأروعِ شكل، وهذا التفاعل يفعّل دخول حبّ الشعر، والمرأة، والموسيقى، إلى الجينات الوراثية، جيلاً بعد جيل.

مشاعر الشعر

الشاعر/ ة الذي/ التي يملكُ/ تملكُ حسّاً إنسانياً، يملكُ/ تملكُ وعياً مُتطوّراً، وعادةً ما يكون شعرهم/ ن بعيداً عن لغة الزيف، والتكسّب، والتملّق، والرياء، والمُبالغة، وهو يَعي ذاته، وعالمه الذي يعيشُ فيه، ويُكتَب بلغةٍ شفّافة ساخرة أخّاذة، فلا منهجية في الشّعر، والخيال فيه بُعدّ عقلياً، وكما يقول جان كوهين عن الشعر، إنه "فيض تلقائي من مشاعر جديدة ومتدفقة".

صياغة الشعر المُعاصر مَبنية على المشاعر، والأحاسيس القوية، والعواطف الجيّاشة التي تَشدّ الشاعر إلى حالة التأمل، والتحوّل المُستمر، والهادئ، والطبيعي، بتجديدٍ وعطاءٍ، وابتكاراتٍ متنوعة، ومفرداتٍ جديدة تسكنُ قلب اللغة.

فاللغة إذاً، هي الجسد، والشّعر قلبه، والموسيقى نبضهُ، وذلك كله يستقر في ذاكرة جماعية لا تزول، فالشعوب التي لا تطوّر لغتها، سرعان ما تصل إلى مرحلة الانحطاط الثقافي العام، والسير نحو موتٍ بطيء.

بالشّعرِ يُقاس تطوّر وعي الأُمم، ولغةُ الشاعر/ ة تُتوّج بنسغٍ صاعدٍ لا يتوقف، وهذا النسغ هو روح العطاء المستمر.

فاللغة إذاً، هي الجسد، والشّعر قلبه، والموسيقى نبضهُ، وذلك كله يستقر في ذاكرة جماعية لا تزول، فالشعوب التي لا تطوّر لغتها، سرعان ما تصل إلى مرحلة الانحطاط الثقافي العام، والسير نحو موتٍ بطيء

الشاعر/ ة اليقظ/ ة، والواعي/ ة، إنسان/ ة مُنتبه/ ة، ومُدرك/ ة، ويشعر/ تشعر بالخطر المُحدق باللغة قبل غيره/ ا، ويسعى/ تسعى إلى المساهمة في درء الخطر بعطاءاتٍ جديدة نابعة من ينابيع اللغة العميقة، لتخرج بمفرداتٍ مبهرة.

عن طريق مفردات اللغة الجديدة، تتم معرفة أنماط تفكير الشعوب، وثقافتها، واللغة في حدِّ ذاتها، فنّ، ونشاط إبداعي حسّي وعقلي، لأرواحٍ حرّة، والعلم الذي يتناول دراسة اللغة، هو "جزء من علم الجمال"، وصياغة الشّعر قائمة على الأحاسيس، والمشاعر، والخبرة المتقنة، والخروج من القديم إلى عالم التجديد المتواصل، فاللغة الشّعرية أفق مفتوح في عالم الجمال الأبدي، تستند إلى علم النفس، وليس إلى المنطق كما في السابق. فاللغة حسب أفكار شتينتال، تتكوّن في المُجتمع الذي يهتم بدوره بها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard