من الرغبة في كتابة رواية إلى قدرته على التعبير عن جيل التسعينيات… الأوجه المتعددة لـ"الجوكر"

الخميس 4 نوفمبر 202101:44 م

مع ارتفاع أسهم مشاهدات الراب المصري، خلال الفترات الحالية، لتتقارب مع الأشكال الموسيقية المختلفة التي سيطرت على المشهد الفني الموسيقي في مصر على مدار سنوات طويلة عدة، بات علينا الالتفات أكثر نحو متابعة المستجدات اليومية.

في ظل ثراء المشهد الموسيقي بمغنّين متعددي المواهب، منهم من لديه الرغبة في التجديد، في ظلّ مشهدٍ موسيقي طال اعتماده على الأفكار المكررة في الكليبات المصورة، أو المواضيع المستهلكة التي لا تتغير عن الحب أو الفراق، نجح العديد من الشباب في استخدام موسيقى الراب، للتعبير عن أنفسهم، وبدء موجة جديدة لم تتوقف أمام غياب الإمكانات المادية أو التقنية.

يعتمد مغنّي الراب في أدائه، على طرق عدة أبرزها  القديمة الكلاسيكية التي تعتمد على القافية، وقوة الكلمات، وسرعة غنائها، بالإضافة إلى أنها تحمل أكثر من معنى.

إن بدايات الراب في مصر، تعود إلى أوائل الألفية حين انتشار فرق "MTM"، و"واي كرو"، ومن بعدها بدايات الموجة الأولى من الراب عن طريق "أبيوسف"، و"شاهين"، وأحمد ناصر المعروف إعلامياً بـ"الجوكر"، وهو محور حديث هذا المقال.

"الجوكر" الروائي

يعتمد مغنّي الراب في أدائه، على طرق عدة أبرزها الطريقة القديمة الكلاسيكية التي تعتمد على القافية، وقوة الكلمات، وسرعة غنائها، بالإضافة إلى أنها تحمل أكثر من معنى، مما يُضفي عمقاً على الأغنية التي تُعرف بـ"التراك".

كانت طريقة غناء أحمد ناصر في البداية غايةً في الكلاسيكية، والهدوء، لافتقاره إلى قدرات الغناء السريعة التي تحتاج نفساً طويلاً، وقدرةً أكبر على كتابة جمل قصيرة، فلم ينجح في نيل الإشادة ممن هم أقدم منه في مجال الراب، على الرغم من قلة عددهم في أوقات بدايته، في 2009، مما فتح المجال للسخرية منه.

"الجوكر" الذي بدأ كتابة الراب من بوابة الشعر، ومن رغبته في سطوع اسمه، للتمكّن من نشر عمل روائي له، حسب ما صرح في أكثر من لقاء صحافي وتلفزيوني سابقاً، قرر التوجه نحو الهجاء، للرد على المشككين في ما يُعرف بـ"Diss Track"، والذي يشبه في كتابته الهجاء في الشعر الجاهلي، أو ما يُعرف بالغناء على طريقة العصابات.

انتشر اسم "الجوكر" منذ تلك اللحظة، وصارت مقاطعه الصوتية متداولةً جداً في زمن البلوتوث، قبل صعود التراند. بعد هذه الفترة، سيعود اسم "الجوكر" إلى الانتشار أكثر، وذلك في عام 2012، حينما تعاون مع الموزع الموسيقي الشهير، حسن الشافعي، لتتصدر أغنية "في اختلافنا رحمة"، تراند اليوتيوب لعام 2012، وتكون من أولى أغنيات الراب التي تتم إذاعتها على شاشات التلفزيون، والقنوات الغنائية الفضائية.

"الجوكر" الذي بدأ كتابة الراب من بوابة الشعر، ومن رغبته في سطوع اسمه، للتمكّن من نشر عمل روائي له، قرر التوجه نحو الهجاء، للرد على المشككين في ما يُعرف بـ"Diss Track"، والذي يشبه في كتابته الهجاء في الشعر الجاهلي، أو ما يُعرف بالغناء على طريقة العصابات

"كل سنة أغنية"

حتى الآن، لا أحد يعرف بشكل كامل ما هو سر توقف "الجوكر" عن الغناء لفترات طويلة، على الرغم من وصوله إلى مليون مشترك على قناته في موقع يوتيوب، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك لم ينجرف نحو شهوة الظهور، أو تصدر التراند منذ بداياته.

"الجوكر" المولود في 21 كانون الأول/ ديسمبر عام 1992، والذي يُعدّ من روّاد الموجة الأولى للراب في مصر، والذي يقترن اسمه دائماً مع "أبيوسف"، بسبب الخلافات حول الريادة، وتصدر المشهد، وعدد المشاهدات، وغيرها، سيظهر من جديد خلال هذا العام، في شهر واحدٍ، عن طريق ثلاث أغنيات ستُسبب الكثير من الجدل، وستساهم في رفع نسبة مشاهداته، وإلقاء الضوء على مشروعه الغنائي من جديد.

العودة على الطريقة الحديثة

مع رسوخ مكانة الراب في مصر أكثر، بسبب المغنّين الأوائل، سيأتي "ويجز" في 2017، ليتصدر المشهد كنجم سينمائي في غلاف إعلاني لفيلم، بينما سيأتي "مروان بابلو" ابن الحضرة في مدينة الإسكندرية، ليرفع التوقعات كلها، ويجعل مغنّي الراب نجوم إعلانات لشركات عالمية، عن طريق رواج اسمه هو، بسبب إحداث موجة ثانية تعتمد على الطريقة الحديثة.

في السابق، كان يجب أن تمتلك صوتاً جميلاً لتحلم بالغناء، ومن ثم الحفاظ عليه، وتدريبه، وشرب اليانسون بصورة متكررة، بالإضافة إلى إيجاد ممول، أو منتج موسيقي ليتحمل الخسارة، أو ليجني الأرباح. هذه الصورة الكلاسيكية تم تحطيمها بسبب "أبيوسف"، الذي اعتمد في تسجيل أكثر من 400 أغنية بصوتٍ سيئ، على إمكانات معدومة تتمثل في سماعة هاتف، وخزانة ملابس لتجميع الصوت، وبابلو الذي يعلن عزمه على تغيير المشهد الغنائي بأكمله، بالاعتماد على المؤثرات الصوتية، والكلمات التي تجذب الانتباه لفرط بساطتها، ولإيقاعها الموسيقي، وويجز الذي يعتمد في موهبته على كيفية الاحتفاظ بالنجومية، والتجديد في المفردات والمؤثرات. تُعرف الطريقة الحديثة للراب بـ"New School"، وهي تعتمد على كل ما تم ذكره. سيقاوم أحمد ناصر هذه المدرسة، بسبب الخوف من التجريب، وبسبب تاريخ طويل يمتد لأكثر من عشر سنوات، اعتمد خلالها على نجاحٍ مضمون بواسطة جمهور الموجة الأولى الذي بات صوت "الجوكر" يُمثل له نوعاً من الحنين إلى الماضي.


من خلال تراك "رقم 1 ده مش أنت"، الذي طال انتظاره، سيُعلن الجوكر أخيراً عن استعداده لخوض النِزال، ومواجهة من سبقوه، وادّعوا التفوق عليه، أو لتصفية الحسابات التي لا تنتهي مع "أبيوسف". يُشير في الأغنية إلى تكرار أداء أغنيات "أبيوسف"، و"أبو الأنوار"، ومن خلال الفيديو كليب المصوّر بشكل احترافي، ومختلف عن الأغاني السابقة كلها، سيتصدر "الجوكر" تراند يوتيوب.

"كل نظرة منهم ليا فيها غل

مش بحل

كله بيعلا فترة وبعدين يقل

الناس بتمل من لونه

ما عدش بيرن تليفونه

جمهوره يقل يقل زي الكونو"

الغريب أنه وعلى الرغم من ذلك، ستتم مهاجمة "الجوكر" من محبيه قبل كارهيه، بسبب رغبتهم في عودته التي طال انتظارها، ولكن على الطريقة القديمة "Old School"، الأمر الذي سيدفع "الجوكر" إلى إصدار أغنيتَين في يوم واحد، كل واحدة منهما في اتجاه مختلف.

أغنيات عن الحب والغضب، كانت كمشاعر تمكّن الجوكر من التعبير عنها، خلال فترة الثورة المصرية التي كانت جزءاً من تكوين شخصية فنان شاب  يشير في أغانيه إلى الاضطرابات العاطفية التي يعاني منها تجاه الحبيبة/ الوطن

الحرب المستمرة

"تطلب أما تطلب"، هو التراك/ الأغنية التالية التي أعلن فيها "الجوكر" أن حربه على المشككين لن تنتهي، بالإضافة إلى إمكاناته في تقديم الراب على الطريقة الحديثة. يعتمد على "اللكمات من أقصر مسافة"، ليُشكل خطراً حقيقياً في مسيرة "أبيوسف" المهزوزة منذ أشهر عدة، بالإضافة إلى تصدر تراند يوتيوب، على الرغم من غضب غالبية متابعيه.


في يوم إصدار تراك على "الطريقة الحديثة" نفسه، يُصدر "الجوكر" أغنية أخرى بعبق الذكريات، بعنوان "مش زي اللي حاسه". يُشكّل مواليد التسعينيات من القرن الماضي، الفئة الأكبر من جمهور "الجوكر"، لذلك تتعلق ذاكرتهم بأغنيات مثل "سلمى/ الواقع/ داتا كتير/ الحب في عنق زجاجة"، وغيرها من أغنيات كلها تتعلق بالحب، أو الغضب، كمشاعر تمكّن الجوكر من التعبير عنها، خلال فترة الثورة المصرية التي كانت جزءاً من تكوين شخصية فنان شاب ما زال في أوائل العشرينات من عمره، ويمتلك قاعدةً جماهيريةً كبيرةً تتعلق بمطربها المفضّل، الذي يشير في أغانيه إلى الاضطرابات العاطفية التي يعاني منها تجاه الحبيبة/ الوطن.

"أنا مش زي اللي حاسه من فترة؛ فصعب أقول إيه جوايا

مش كل الاشباح اللي بتيجي بتخوّف وما بتظهرش في مرايا

لو قُلت إنه فارق معايا هيقولوا مش راضي بالحاجة اللي معايا

لو قُلت إني عايز أسألها عن سر النهاية هيقولوا دي بداية".

هل تعود حروب العصابات مرة أخرى؟

من المتوقع انتعاش مشهد الراب المصري، خلال الفترة القادمة، بمعارك مختلفة يشترك فيها أكثر من مغنٍّ سيكون على رأسهم "الجوكر"، الذي من المتوقع أن يصدر أغنية، أو أكثر، خلال الفترة القادمة، بينما "أبيوسف" الذي قطعاً سينجرف ويدخل المعركة لإعادة صيته وهيبته مرة أخرى، سيكون في حاجة إلى تطوير مهاراته أكثر، لمواجهة نسخة مختلفة من "الجوكر"، تعتمد على التلاعب بالكلمات، والنجاح الجارف استناداً إلى الجمهور. تتطلب كتابة الراب قدرةً عاليةً على الإتيان بمفردات بسيطة دارجة، للتعبير عن مشاعر معقدة، وتحميل الجملة الواحدة أكثر من تأويل، ما يمنح الإشادة والجدارة للمغنّي من عدمها.

ما الذي يجعل الراب هو اللون الموسيقي الأبرز؟

هذا سؤال يشغل بال الكثيرين من المهتمين والمستمعين إلى الموسيقى في مصر، وتبدو الإجابة بسيطة جداً، وهي قدرة الراب على التعبير عن الشباب، من خلال الإيقاع السريع، أو تعزيز الثقة بالنفس التي تبثها أغنياته، والتي تنبع من قدرة مغنّي الراب أنفسهم الذين استطاعوا إحداث ثورة غنائية بإمكانات بسيطة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard