"مو باين عليك!"... لكن، حقاً أنا شاوي

الاثنين 1 نوفمبر 202107:31 ص

زيارة "مقهى الديرية"، أو إحدى حاراتهم في العاصمة السورية، سواء في منطقة "كشكول"، أو في حي "الدحاديل"، توحي بأن أبناء المنطقة الشرقية يصرّون على التجمع في مقاهٍ خاصة بهم، والأمر قد يبدو تكتلاً قائماً على المناطقية من قبلهم، كما أن الأمر ناتج عن عوامل عدة مجتمعة في آن، أبرزها أن هذا المكان يقبلهم من دون وصف الواحد منهم بـ"شاوي"، وسماع جملة "مو باين عليك"، التي غالباً ما قد يسمعها أي من أبناء المنطقة الشرقية في سوريا (الحسكة-دير الزور-الرقّة)، إذا ما رد على سؤال: "من وين حضرتك؟"، سواء من قبل سائق التاكسي، أو أرباب المهن الحرّة الباحثين عن عمّال.

عملت المسلسلات الكوميدية، وخاصةً في "بقعة ضوء-مرايا"، على التأصيل للصورة النمطية المأخوذة عن أبناء المنطقة الشرقية.

ومعيار "مو باين عليك"، مطاط نسبياً، فقد يكون نتيجةً لوصول هذا الشخص إلى درجة علمية مهمة، أو لأناقة في اختيار ثيابه، أو حتى إتقانه للهجة المدينة التي يعيش فيها، وتبديل اللهجة هو خيار ضرورة بالنسبة إلى أبناء الشرقية، يحقق نوعاً من سهولة التعاطي مع الآخر، وألا يُعدّ "خروفاً"، وفقاً لمصطلحات السوق المعمول بها في المدن الكبرى. فـ"الخروف" هنا، هو الإنسان البسيط الذي لا يعي قواعد اللعبة السوقية، أو لم يتعرف بعد على أسعار السلع، وأجور التنقّل بالتاكسي، فيكون مفعولاً به لفعل "الخورفة"، والتي تعني بالتحديد سلبه مبلغاً من المال، بطريقة الاحتيال "المقونن" القائم على عرض السلعة على المشتري، بثمن يعادل ضعف ثمنها لغيره، ولأن الزبون قبل بالسعر، فالقضية "حلال"، من وجهة نظر البائع، أو سائق التاكسي.

ينقل أحد الصحافيين في سوريا، حديثاً دار بين صديقين له، الأول يتحدر من مدينة حلب، والثاني من دير الزور. كان الحلبي يحدّث صديقه عن خوفه من الشرطة، بما في ذلك شرطة المرور، على الرغم من أنه لا يمتلك سيارةً، فردّ صديقه بالقول: "آني أخاف من كل واحد لابس بنطرون (بنطال)"، وخوفه هذا ناتج عن إحساسه بالعجز أمام أبناء المدن، وتفوقهم عليه، بعد أن واجه الكثير من المواقف التي كانت فيها الصورة النمطية المأخوذة عن أبناء المنطقة الشرقية، أقوى من حقيقته، وحاله قد تشبه حال الكثيرين من أقرانه، خاصةً أولئك الذين يأتون إلى دمشق، أو غيرها، زواراً، بحثاً عن طبيب، أو ورقة مستخرجة بأختام الدوائر الرسمية، فهم غالباً ضحايا للشك في الآخر، والتخوف منه، أو ضحايا بساطتهم.

عملت المسلسلات الكوميدية، وخاصةً في "بقعة ضوء-مرايا"، على التأصيل للصورة النمطية المأخوذة عن أبناء المنطقة الشرقية، فهم بشعور طويلة، و"جلابية"، يمتلكون الكثير من المال، والكثير من السذاجة التي تصل إلى حد وصفهم بـ"الغشم"، ولهؤلاء "الشوايا"، عادةُ تعدّد الزوجات، وكثرة الأولاد، وبينهم وبين النظافة مسافة شاسعة، ولهم عادات "مقرفة" في الطعام، من وجهة نظر من يمارس التنميط ضد أبناء المناطق البعيدة عن ضجيج المدن الكبرى.

ولهؤلاء "الشوايا"، عادةُ تعدّد الزوجات، وكثرة الأولاد، وبينهم وبين النظافة مسافة شاسعة، ولهم عادات "مقرفة" في الطعام، من وجهة نظر من يمارس التنميط ضد أبناء المناطق البعيدة عن ضجيج المدن الكبرى

قد تتفاجأ لو أنك سألت امرأةً من الشرقية، تزيّن وجهها بالكثير من النقوش الخضراء، كوشم يميّزها ونظيراتها من بنات القبيلة، أو القرية ذاتها، عن سواهن من نساء الشرقية، عن النظرات التي رُمِقن بها من النساء في مناطق أخرى، فعلى الرغم من كون النسوة في المدن الكبرى بتن يعددن الـ"تاتو"، نوعاً من الموضة، إلا أنهن لا يعرفن التاريخ الحقيقي لهذا النوع من التجميل، وبعضهن يرَيْن أن الوشوم التي تحملها النساء اللواتي يتحدرن من الشرقية، دلالة على أنّهن "شاويات"، أي أقل مستوى اجتماعياً من أي شخص في المدينة، والوشم عادة مجتمعية في قبائل حوض الفرات، والجزيرة السورية، كان لها موسم يقترن بحصاد القمح، أو قطاف القطن، إذ تطوف فيهما نساء من الغجر المعروفين باسم "القرباط"، حاملاتٍ معهن أبراً من مقاسات متعددة، ليشمن فيها الفتيات اللواتي حان وقت وشمهن، وفقاً لمواقيت العرف.

إن تنميط المنطقة الشرقية بصورة "الغشم"، وقليلي النظافة، والمتخلفين عن ركب الحضارة، أسقط جزءاً مهماً من تاريخ سوريا الحديث.

والأم هي من تختار الوشم، ومكانه، وتحصل "الوشّامة"، على أجرها قمحاً، أو مالاً، ثم اختفت "الوشّامات"، وراحت النساء في القبيلة، أو القرية، يمارسن الوشم باستخدام أنواع الحبر المصنوعة من الكحل والحليب. ومن الطريف أن الـ"بيرسنغ"، الذي تحتار الفتيات في اختيار مكان زرعه في الجسد، وحجمه، هو أيضاً من الحلي التي لم تكن مستخدمةً قبل عقود، إلا من قبل نساء المنطقة الشرقية، والبادية، وله ثلاثة مسميات تتعلق بالحجم، ومكان الاستخدام، ودلالته، ويجهلها الكثيرون، على الرغم من سماعهم المسميات الثلاثة في جملة واحدة من أغنية للمطرب العراقي "إلهام مدفعي"، حين يقول "كل الهلا بالجاني زعلان... لابسة وردة وخزّامى وبالوسط عران"، والوردة هي "بيرسنغ"، صغير يوضع في الأنف من قبل الأنثى العزبة، ثم "الخزّامى"، وهي أكبر حجماً وترتديها المرأة المتزوجة غالباً، وآخرها "عران"، وهو أكبرهم حجماً، ويشير إلى أن من ترتديه من الفتيات الثريات في قريتها، أو قبيلتها، لكون الأنواع الثلاثة مصنوعة من الذهب، وكلما كبر الحجم كان ثمنه أغلى.

وللمنطقة موروثها اللا مادي الجميل، مثل أغاني "المولية"، التي يُختلف على تاريخها الأول، فبعض المؤرخين يُرجِعونها إلى القرن الثامن الميلادي، وتحديداً إلى "نكبة البرامكة"، حين ظهر هذا اللون من الغناء الحزين على لسان جواري البرامكة، بُعيد مذبحتهم الشهيرة. والبعض الآخر يقول إنها من الزمن الأموي، وآخرون يعيدونها إلى ما هو أقدم من ذلك.

على الرغم من كون النسوة في المدن الكبرى بتن يعددن الـ"تاتو"، نوعاً من الموضة، إلا أنهن لا يعرفن التاريخ الحقيقي لهذا النوع من التجميل، وبعضهن يرَيْن أن الوشوم التي تحملها النساء اللواتي يتحدرن من الشرقية، دلالة على أنّهن "شاويات"، أي أقل مستوى اجتماعياً من أي شخص في المدينة

يعترف أبناء الشرقية بأنهم أيضاً يمارسون نوعاً من الصراع الطبقي، أو التقسيم المجتمعي، على أساس الانتماء إلى المدينة أو الريف، فأبناء مدينة دير الزور لا يقبلون بأن يقال عنهم "شوايا"، إذ يصل الأمر إلى حد عدّ هذا اللفظ شتيمةً، إلا أن الأمر يختلف جذرياً، حين يكونون خارج مدينتهم، فإن سمعوا وصف "شاوي"، على أنه تحقير لأي من أبناء المنطقة الشرقية، أحسّوا بأن "هرمون الدفاع عن الانتماء"، بات مرتفعاً في دمهم، ووجدوا أنفسهم "شوايا"، ويحاربون من يقلل من شأن هذا اللفظ الذي يعيده الكثيرون إلى ما جاء به "ابن خلدون"، في مقدمته، بتوضيحه أن التسمية جاءت من ممارسة أبناء المدن والقرى الواقعة على ضفتَي نهري الفرات والخابور، لتربية "المواشي-الشياه"، فأًصبحوا "شوايا"، بكونهم جمع "شاوي". والأمر لا يتعلق بشيّ اللحم، نتيجةً للكرم الزائد، على الرغم من أن ثقافة المطبخ في عموم منطقة شرق المتوسط، تقوم على مفردتَي القمح واللحم، والبعض يُرجِع لفظ "شوايا"، إلى أصله "شاويو"، وتعني الكريم والمضياف، وهي صفة، أو تسمية، أطلقها السريان والآشوريون على سكان حوض الفرات في زمنهم، اشتقاقاً من كرمهم.

أبناء مدينة دير الزور لا يقبلون بأن يقال عنهم "شوايا"، إذ يصل الأمر إلى حد عدّ هذا اللفظ شتيمةً.

تنميط المنطقة الشرقية بصورة "الغشم"، وقليلي النظافة، والمتخلفين عن ركب الحضارة، أسقط جزءاً مهماً من تاريخ سوريا الحديث. فالثورات الأولى ضد الوجود الإنكليزي والفرنسي في سوريا، كانت في المنطقة الشرقية، والأمر لم يُذكَر حتى في مناهج التاريخ السورية، إلا أن تواتر الرواية من قبل كبار السن في المنطقة، وتوارثها، حفظا الكثير من الحكايات عن "ثورة عشيرة البوخابو"، ضد الإنكليز، ومعارك مهمة مثل "معركة النسورية"، التي اجتمعت فيها قبائل شرق سوريا، مع أخرى من غرب العراق، ضد القوات الإنكليزية، وهناك مكان بالقرب من بلدة "باغوز فوقاني"، يعرف بـ"قبور الإنكليز"، حيث دفن أبناء المنطقة من قتلوهم من أعدائهم، ومن بينهم ضابط كان يعرفه أبناء المنطقة باسم "أبو طوق"، لارتدائه في عنقه طوقاً من الذهب، وهي أولى المناطق التي تشير المصادر إلى أنها خلت من القوات الفرنسية، بقوة السلاح، قبل أن يُعلَن "يوم الجلاء"، في سوريا.

المنطقة التي يعيش فيها "الشوايا"، هي الأقل حظاً، من حيث الحصول على الخدمات قبل الحرب، على الرغم من كونها "الخزّان الإستراتيجي"، للثروات السورية كلها، إذ ضرب الجفاف مناطقهم قبل الحرب، وفرّ عدد ليس بالقليل منهم إلى مزارع حمص، وريف دمشق، بحثاً عن مكان يمارسون فيه الزراعة، مقابل ما يسدّ احتياجات الحياة. وكانت الرحلة العائلية في القطار تمتد لساعات طويلة، نظراً لرخص الركوب، ونقل ما تيسّر من أثاث بالمجان، وعلى الرغم من كون القطار لم يكن وسيلة نقل فاخرة، إلا أن الكثيرين ممن ركبوه يتذكرون تماماً أن "الشوايا"، يعامَلون وكأنهم قد صعدوا مجاناً، من قبل فرق القطار. وفي الحرب، ولكثرة وجود النفط في "الشرقية"، وُسِم النازحون منها بكونهم خزائن المال المتحركة على قدمين، وبمجرد معرفة أصحاب المكاتب العقارية بأن الشخص يتحدر من المنطقة الشرقية، يتضاعف ثمن أيجار المنزل، أو المحل، مرتين أو ثلاث، فهم "سرقوا النفط"، وتاجروا وفقاً لخرافات الحرب التي تتفوق في قدرتها على انتشار الحقائق، وتسهم في كتابة تاريخ المرحلة بالكثير من السوء.

إن أفقر المناطق هي تلك يعيش فيها أبناء الشرقية، محاطين بحقول النفط والغاز، كما يمر فيها نهر الفرات، ولا يقدرون على استثماره في زراعة القطن في المساحات التي يرغبون بها

وعموماً، فإن الحرب تبقى سيئةً، والحصول على عمل بالنسبة إلى أي شاب، أو فتاة، من هذه المنطقة في دمشق، مقرون بجملة يستغرب فيها صاحب العمل الأمر، فكيف لأحد "الشوايا"، أن يكون فقيراً، وهم من يمتلكون آبار النفط في منازلهم، بدلاً من آبار المياه، مع أن أفقر المناطق هي تلك يعيش فيها أبناء الشرقية، محاطين بحقول النفط والغاز، كما يمر فيها نهر الفرات، ولا يقدرون على استثماره في زراعة القطن في المساحات التي يرغبون بها، فالحكومة كانت قد حددت مساحات زراعة هذا المحصول، ولم تسمح بتمددها، حفاظاً على توزان الاقتصاد الزراعي، وإنتاج بقية المواد التي يحتاج إليها السوق، مثل القمح، والشعير، والخضار…

مرت سنوات على وجودي كشخص، في دمشق. في الحرب تحديداً، تخليت عن استخدام ما أتقنته من "اللهجة الشامية"، أو سواها، وعدت إلى استخدم مفردات من لكنتي التي أحب، وباتت جملة "مو مبين عليك"، مدعاةً للفخر من دون أن أشعر، فقد انتصر الكثيرون منا على "النمطية"، التي ما تزال تواصل حربها عبر "الكوميديا السمجة"، التي يصنعها السوريون في مسلسلاتهم، وانتصر الكثيرون منا على الشائعات التي يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا ما سألني أحد فعلاً...؟ أجد نفسي أقول بكل بساطة: "حقاً... أنا شاوي"، والأمر لا يتعلق بمناطقية الانتماء إلى الشرقية، على الرغم من كونه دافئاً بطبيعة الحال، لما للمنطقة من ذاكرة وموروث، وإنما بنوع من محاربة "الصورة النمطية"، التي أجد نفسي جزءاً من المعركة ضدها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard